أطفال تحت الأنقاض

  • Abeer_Ali1

حتى نشعر بالآخر لابد أن نترك لخيالنا العنان ونضع أنفسنا مكانه، نعيش دوره، فنسمع ما سمع ونرى ما رأى ونشعر بما شعر. ذاك تماماً ما يجعلنا نشعر بحق بمعاناة الآخر بل حتى بفرحه. أن تضع نفسك مكانه ليس بالأمر السهل، لأننا نستصعب الانغماس في المآسي ونخاف أن يمسنا شيء منها. لذلك مهارة الشعور بالآخر لا يملكها الجميع. تملكها فقط القلوب الحية اليقظة وتلك أرزاق يسوقها الله تعالى لمن يشاء من عباده.

نحتاج أحياناً أن نعيش حياتهم في مخيلتنا فقد يغير الخيال طبيعتنا 180 درجة، وقد ننجو من سواد أفكارنا بالعيش في الآخَر، وقد تتبدل أحوالنا إلى الأفضل لمجرد أننا غيرنا طريقة تعاطينا مع الأحداث وبالتالي طريقة تفكيرنا، فهناك مقولة ذات معنى قيم: "غيّر أفكارك تغير حياتك".

هل تسمعون نداءات الأطفال تحت الأنقاض؟

هل تسمعون استنجادهم؟

هل قرأتم مافي عيونهم من المعاني عندما خرجوا من بين الركام؟

ولماذا الأطفال؟ فهناك الكبار أيضاً.

درجة وعي الكبير لِما يدور حوله تفوق وعي الطفل بأميال. يستيقظ الطفل ليرى نفسه في مكان مظلم ومؤلم، ما هو الشعور الذي تملكه في تلك اللحظة؟ ما الذي شعر به عندما نادى والدته ولم تجب؟ أو أجابت ولكنها لم تستطع أن تصل إليه فتحتضنه وتهدئ من روعه. يا إلهي مشهد مؤلم.

الأطفال محركات لمشاعرنا بما يملكون من براءة وتساؤلات، لولا إيماننا بأن الله تعالى أرحم بهم من الأم بوليدها لتلمكتنا الأمراض النفسية لمعاناتهم. كل طفل يعاني هو مسؤولية الجميع لإشعاره بالأمان والأخذ بيده إلى شاطئ السعادة والسلام، هم سعادتنا إن كانوا سعداء، هم حزننا إن غشيتهم الأحزان. ليس صعباً أن تسعد طفلاً وتحافظ على مشاعره شامخة دون انكسار، دموعهم دموعنا، مآسيهم مآسينا، قلوبهم وتغيراتها هي قلوبنا فلنحافظ عليها راضية مطمئنة.

من الجميل أن تواسيَ طفلاً وتتفهم مشاعره فتناقشه بما يفهم وتخفف من أحماله بمشاركته أحزانه. جميل أن تتفاعل معه بطريقة تليق بعمره فتدعمه وترفع من معنوياته وتسنده ليحافظ على خطواته فلا يترنح. إنه مشروع تربية طفل. أولئك الأطفال الذين خرجوا من تحت الأنقاض هم بحاجة لعلاج نفسي قبل الانطلاق إلى دهاليز الحياة وإكمال مشوارهم. بعضهم خرج بلا أم والآخر بلا أب ومنهم بلا أم ولا أب. إن الله أرحم بهم من الأم بوليدها، يؤهلهم في الحياة لما هو أعظم ويختبر سبحانه وتعالى من حولهم "لننظر كيف تعملون".

خرجوا بعد الزلزال من تحت الأنقاض بنفسيات مختلفة، ناموا على أمل أن الغد آتٍ وإذا بهم يستيقظون بلا قدرة على الحراك. ليس هناك عبث فأقدار الله تعالى محكمة قد جعل الله لكل شيء سبباً، بيده سبحانه وتعالى الخير وهو على كل شيء قدير.

سيتولاهم خالقهم سبحانه وتعالى، وسوف يعوضهم خيراً ويعطيهم من فضله فتدبير الله جل في علاه يحمل في طياته الخير العميم والشر لا ينسب إليه. 

جلد الذات

يشعر الكثير بالحزن على ضحايا الزلزال والأشد تنكيلاً على النفس جلد الذات فتراهم مهمومين منكسرين لأنهم بعيدين عن ميدان المساعدة. وهنا نتوقف قليلاً لنقول: "العجز عدو الحركة". الشعور بالعجز هو "وهم المثالية"، تريد أن تنجز ولكنك تستصغر كل إقدام فما دون المساعدة في الميدان لا شيء!

كل ما تقدمه هو مساعدة تخرجك من دائرة جلد الذات، الدعاء، التبرع، المواساة، وغيرها الكثير. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" رواه مسلم.

جلدك لذاتك هو إيقاف لمحرك حياتك، لا نفعت ولا انتفعت. اجعل جلد الذات دافعية ذاتية للعمل وخدمة نفسك والمجتمع.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

جلدك لذاتك هو إيقاف لمحرك حياتك، لا نفعت ولا انتفعت. اجعل جلد الذات دافعية ذاتية للعمل وخدمة نفسك والمجتمع.

لا شكّ في أنّ الدّعاء هو كلّ مانملكه الآن من أجل إخوتنا في سوريا وتركيا، مع ذلك فالصّور والفيديوهات التي تصلنا من هناك تكسر قلوبنا، أطفالٌ يتِّموا وعائلاتٌ شرّدت وأخرى أبيدت عن بكرة أبيها، كارثة لا يمكن للكلمات أن تصف حجم المعاناة والمأساة التي حصلت، نحن كشعوب ما باليد حيلة سوى أن نتضرّع لله سبحانه وتعالى أن يفكّ كربهم وأن ينصرهم وأن يكون معهم في محنتهم، أمّا عن جلد الذّات فيجب التّفرقة بينه وبين الحزن، قد أحزن حزنا شديدا على إخوتي هناك، وأتحسّر تحسّرا شديدا على عجز الأمّة جمعاء على نصرة عضُدها وفرعٍ متأصّل فيها، كلّ هذا لا يعني أنّي أقوم بجلدِ ذاتي بالعكس هو نوعٌ من الوعي بأنّ تلاحم الأمّة واجبٌ علينا، ونصرة بعضنا البعض واجبةٌ علينا، وتبيّن كم أنّنا مقصّرون في حقّ إخوتنا، أمّا جلدُ الذّات فهو الذي يعكسُ نوعا من السلبية التي تؤثّر على إنتاجية الفرد، وتعيقه حتّى لنصرة المنكوبين فيبقى منكبًّا في زاويته يندبُ حالَه وحظّه وهذا لا شكّ في أنّه أمرٌ خاطئ.

تفريق دقيق.. ما قصدته هو السلبية وإيقاف نفع النفس والآخرين

تفريق دقيق.. ما قصدته هو السلبية وإيقاف نفع النفس والآخرين

جيّد، وذلك ما يجب تفاديه على العموم، فالحزن الشّديد لا يجبُ أن يكون موقفا للإنتاجية، بالرّغم من ذلك قد يكون في بعض الحالات موقفا لها لبضعة أيّام أو أسابيع مثلا في حالة وفاة أحد الأقارب، مع ذلك فديننا يقول العزاء ثلاثة أيام، والله المستعان.

هناك الكثير من الأفكار المؤلمة والقاسية التي قد تطرأ على الناجين من مجتمع قد مرّ على كارثة، شيء يشخّصه الطب بعقدة الذنب، ويشخّص الطب النفسي هذه الظاهرة بأنّ العقل البشري مصمم دائماً على إيجاد متهم ما أو مذنب في حال حدوث أي كارثة وبوجود كارثة طبيعية شاملة للجميع دون أي مذنب، يميل الدماغ البشري إلى تصنيف الذات نفسها كمذنبة في العملية وذلك فقط لإنّها ناجية، فيغدو الطعام والشراب والضحك ثقلاً على الإنسان.

ما طرحتيه حضرتك من إقحام الذات في دائرة المساعدة هو أمر ليس فقط إنساني بل طريقة من طرق العلاج للذات نفسها، حيث بهذا ستشعر النفس بأنّها خرجت من دوائر الاتهام المفترضة، هناك دراسة أجريت عام 2018 أثبتت أنّ 90% تماماً من الأشخاص الذين تعرضوا لحادث مميت مات فيه أخرون ونجو منه هم يميلون إلى الإصابة بهذه العقدة وحاجة العلاج النفسي منها (لإنّها تعتبر أمر مُعطّل للحياة ونشاطاتها).

إضافة مميزة وثرية. أشكرك

الأطفال محركات لمشاعرنا بما يملكون من براءة وتساؤلات، لولا إيماننا بأن الله تعالى أرحم بهم من الأم بوليدها لتلمكتنا الأمراض النفسية لمعاناتهم.

أتفق وبشدة يا عبير. ليس فقط لكنا نهباً للأمراض النفسية ولكن لكنا عبثيين لا أدريين أو بمعتقدات أخرى وقانا الله منها. ولهذا أحب أن أعرج على فلاسفة العبثية الأوربيين وأدبائهم. يبدو لي أني الآن قد ألتمس لهم العذر فيما اعتقدوه من معتقدات وما بثوه من أفكار لا تلائم الشرق المسلم او الشرق بإطلاقه. فلكم عانوا من ويلات الحربين العالميتين وكم فقدوا من أحبة وكم بترت من أطراف وفقأت من عيون وتشوه من جسد! لذلك نحمد الله دائماً على أننا بالفعل مسلمون وأننا ولدنا ها هنا في أرضى مسلمة واننا لم نتعرض لما تعرضوا له.

كل ما تقدمه هو مساعدة تخرجك من دائرة جلد الذات، الدعاء، التبرع، المواساة، وغيرها الكثير. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" رواه مسلم.

نعم جلد الذات لا يقدم ولا يؤخر وقد يعرضنا للأمراض النفسية. وإنما علينا كما قلت أن نقدم كل الدعم لهم و أبسط الأشياء هو الدعاء بصدق؛ فهو يفعل الأفاعيل ولكن بقلب صادق.

ZEZOEKHTRUTO
  • حذف بواسطة المشرف

أشكرك. موضوع التخيل لا يستطيعه الجميع فعلاً. لكن إن كان بالمستطاع فهو شيء جميل وفرصة للتغيير. إضافة مميزة.