حين تغيب الجودة يرتمي الناس في الرداءة
- abd_laajane
- 2023-09-05T19:21:48+00:00
لَعَمرُ أَبيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى ** إِلى كَرَمٍ وَفي الدُنــيا كَــريمُ
وَلَكِنَّ الْبِلَادَ إِذَا اقْشَــعَرَّتْ ** وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِــي الْهَــشِيمُ
البيت الشعري الثاني بيت عميق يجلي جانبا من الحال الواقع: في حال القحط والجفاف والبؤس، يتسابق الناس إلى رديء المراعي وهشيمه لغياب الطَّيِّب من المرعى. بعبارة أخرى: حين تغيب الجودة يرتمي الناس في وَحَل الرداءة. ووصلا لهذا البيت بواقعنا، من الواضح أن معانيه تنطق بحالنا على أكثر من صعيد.
السؤال: فما ٍالرأيُ لديك في هذه القضية؟
حين تغيب الجودة يرتمي الناس في وَحَل الرداءة.
لا اتفق مع هذا الرأي اطلاقا.
الجودة لن تغيب، يستحيل ان تغيب الجودة ، لعلها تقل أو يتم طمسها شيء ما ، لكنها لا تغيب لسبب لسيط وهو ان البشر ليسوا سواء في الذوق والميول ....اما عن تفسير البيت الثاني فاعتقد انه يتحدث عن امر اخر وهو قلة الموارد وضيف الوفرة، الاتي تكون السبب المباشر في فساد النفوس .
كثافة المعنى في الشعر تجعلنا نخرج من فعل التفسير إلى التأويل. أو من المعنى إلى معنى المعنى بتعبير عبد القاهر الجرجاني. وعند التامل نجد ظلال المعنى في البيت الشعري واسعة جدا.. المعنى المباشر هو في حالة القحط يندر المطر وييبس نبات الأرض. وبهذا تغيب جودته. فماذا يحدث إذن؟ الذي يحدث أن الناس يلجؤون إلى التعامل مع المحصول الزراعي او النباتي كما هو في غياب البديل طبعا... معنى المعنى في البيت يسمح لنا باستنتاج معان أخرى ذات صلة بالمعنى وحادثة منطقا وواقعا. من ذلك مثلا إن لم توجد مدارس لتقديم خدمات جيدة سيذهب الناس للتي لا جودة فيها، وإن لم يجد الناس من طيب المأكل وكريمه أقصد نفيسَه سيالجـؤون إى الأقل جودة قضاء لمآربهم وحاجاتهم إلى الغذاء وهكذا .. التفسير الذي قدمت يا خلود طريف جدا، فقط يحتاج ربطا بين ما صرح به النص وفهمنا الجديد، وهذا الربط نعتمد فيه على قرينة أو قرائن لغوية في النص.
القرينة اللغوية التي اعتمدتُها في ربط دلالة الهشيم في البيت بدلالة الرداءة وغياب "الجودة" هي قرينة الضد. فمن أضداد "الجيد" وسماته: الرديء والسيء والفاسد والكريه والمحتقر والمستهجن والوضيع.. وهي ذاتها من أسرة معاني الهشيم وسماته.
هذه القضية لها حالتان، الحالة الأولى هي انخفاض الجودة في ظل ظروف طبيعية، وانخفاض الجودة في ظل الديكتاتورية، فإن كان الأمر في ظروف عادية فالناس حتمًا ولا محالة ستحاول الإبداع لكسب المزيد من الأرباح ولقوة التنافس بينهم على اجتذاب العملاء، أما في ظل وجود الديكتاتورية فالناس لن تبالي بجودة أي شئ لأنها تعلم أن الديكتاتور سيأخذ منهم أموالهم تحت اسم الضرائب.
والدليل على كلامي هو مقولة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إذ قال بالحرف:-
(الفساد مؤذن بخراب العمران).
وبالتالي في ظل الديكتاتورية سيخرب العمران، ستخرب عملية الإنتاج، ستنعدم جودة كل شئ، والدليل على هذا أيضًا هو إخصائيات المنظمات العالمية للأوضاع الاقتصادية في الدول الديكتاتورية كيف أنها دول ارتمى شعبها في وحل الرداءة، ولا داعي لذكر أسماء الدول حتى لا ينقلب لنقاش إلى سياسة.
أعتقد أن قضية جودة الإنتاج ليست مرتبطة بالديكتاتورية فقط، بل بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة. فهناك دول تعاني من الديكتاتورية ولكنها تحافظ على جودة إنتاجها، مثل الصين، وهناك دول تعيش في ظروف ديمقراطية ولكنها تفقد جودة إنتاجها، مثل الأرجنتين. كما أن هناك عوامل أخرى تؤثر على جودة الإنتاج، مثل التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، والموارد الطبيعية، والبنية التحتية، والسوق العالمية.
الصين استثناء على القاعدة، والاستثناء يؤكد القاعدة لا ينفيها، وقد ناقش فرانك ديكوتر في كتابه how to be a dictator موضوع الصين معبرًا عن كيف أن الصين ابتكرت نموذجًا من الديكتاتورية ملخصه هو أنه لا صوت يعلوا فوق صوت الحاكم وذلك مقابل اقتصاد قوي، وقد خضع الشعب الصيني لهذا بشكل كبير. أرجو مراجعة الكتاب. أما باقي الدول الديكتاتورية في عصرنا الحديث هي كلها دول متدنية الجودة الإنتاجية ولا تحتاج سوى أن تلقي نظرة على الوضع في اول النامية لتدرك هذا بشكل جيد.
حقا الاستبداد هو مجال تنتعش فيه الرداءة وتفشو وتعلو.
هذه القضية هي واقع فالرداءة تغلب على كل شيء في حياتنا، فهي تغلب على الفن والموسيقى والأدب و الذوق العام والاخلاق وكل شيء.
في حال القحط والجفاف والبؤس، يتسابق الناس إلى رديء المراعي.
تحمل الفكرة معنى سلبيا غير دقيق. في الواقع، في حالات القحط والجفاف والبؤس، تحدث العديد من الأوضاع المعقدة التي تؤثر على الناس وتجبرهم على اتخاذ قرارات صعبة. و بالتالي لا يمكن تصنيف جميع الأفراد الذين يبحثون عن مراعٍ، أو سبل للبقاء في مثل هذه الظروف، ضمن مفهوم "الرداءة".
و لو قمنا بالإسقاط الأخلاقي و القيمي للفكرة، على حياة الناس في مثل هكذا أوضاع. سنجد بأنهم اختاروا أجود ما لديهم، في الفترة التي يعيشون فيها. يمكن أن يَعتبر عجوز، في السبعينيات من عمره. أن أفضل من غنى أغنية عربية هو عبد الحليم حافظ أو أم كلثوم...و في المقابل سيختار شاب في العشرينات، المغني المصري تامر حسني مثلا.
معيار الجودة لا تحدده الاختيارات بل تحدده الظروف. الجيد في زمن ما، قد يكون غير ذلك في زمن آخر . قد يُعتبر أحمد شوقي ، و محمود سامي البارودي ، و حافظ ابرهيم (رواد المدرسة الكلاسيكية) مجرد أشباح شعرية في زمن المتنبي أو العصر الجاهلي.
وماذا عن القحط الثقافي أو ثقافة القحط سليلة ثقافة التفاهة التي عمت حتى ظُن أنها قيمة، وأصبح لها رودا ورموزا تسيدوا المشهد؟ أترك القارئ الكريم مع هذا المقتطف من كتاب"ثقافة التفاهة" للفيلسوف الكندي اَلان دونو ففيه الغُنية عن كل توضيح: "يلحظ المرء صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والإنحطاط المعياريين: فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغُيّب الأداء الرفيع، وهُمّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأُبعد الأكفاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين ذوي البساطة الفكرية"... في قحط ثقافي كهذا ما النتيجة الحاصلة؟ .. النتيجة أنه في غياب ثقافة الجودة ومع اقشعرار الأرض ثقافيا وقيميا "يُرْعِي الهشيمُ". اقشعرت الأرض: قَحِلَت وأجدبت.
و لكن الأمر مختلف تماما عن المنبع الأساسي للحوار، لأن نظام التفاهة لا يظهر بعد غياب الجودة، بل يظهر في وجودها. و إنما يشتغل بأدوات و ميكانيزمات جديدة(السوشل ميديا) جعلته يتسيد الجميع.
سبق لي و أن قرأت هذا الكتاب. و قد حاولت بناء مقاربة فنية مع أحد الروائيين الحداثيين المغاربة، و هو الصديق ياسين عدنان، من خلال عمله الروائي" هوت ماروك".
نظام الميديوقراطية أو نظام التفاهة ، هذا ما حاول الكاتب المغربي ياسين عدنان تحريك مياهه الراكدة من خلال روايته "هوت ماروك" بالغوص في اللامنطق و اللانسان و الهروب نحو الحيوان باعتباره نسخة ساخرة للإنسان الذي فقد كينونته ووجوده و اعتباره وروحه . انطلاقا من شخصيته الرئيسية و الذي اختار لها من الأسماء "رحال" شخصية مهتزة رغم حصولها على شهادة الإجازة لكنها خائفة متمزقة مرتحلة منقادة، شخصية ضعيفة جبانة ، لا تواجه و لا تستطيع الصمود ، شخصية مستسلمة عابرة حية ميتة سلبتها الحياة ذاتها و عنفوانها و جعلت منها سنجابا لا غير .
تسلط الرواية الضوء على جوهر "الميديوقراطية" في النظام العالمي الجديد و المتمثل في وأد القدوة المتنورة ، وخلق قدوة من التافهين ( روتيني اليومي، اكشوان، نيبا ،ساري كول... ) تمكنوا بأموالهم من تقلد زمام الأمور وشراء الوجاهة ،بعد أن جعلوا المال الإله الوحيد الذي تتوحد حوله كل الديانات والشعوب، مع قتل متعمد بسبق الإصرار والترصد لكل القيم الإنسانية النبيلة التي تغنى بها الشعراء، وأرسل من أجلها الأنبياء، وشرعت من أجلها القوانين والمواثيق، فماتت المهننة وحلت محلها الوظيفة فغدا كل كائن مجرد موظف له وظيفة خاصة يمكن لأي كان القيام بها مقابل أجر متفق عليه مسبقا، وإن كانت في ذلك خيانة للجار والأخ، وضرب للمبادئ والقيم، وحط للكرامة الإنسانية …
ذلك هو نظام التفاهة والرداءة الذي يحصر مقياس النجاح في عنصرين لا ثالث لهما : المال لشراء الذمم وتكميم الأفواه، وحسن التنكر وتغيير اللون في الوقت المناسب للتظاهر بالشرف والبراءة.
لا اتفق مع المقولة، ولكن في نفس الوقت سماع هذه المقولة هي بمثابة تذكير قوي بأهمية الجودة في حياتنا. سواء كنا أفرادًا أو شركات، لان الجودة في جوهرها اشعر انه التزامًا بالتميز، سواء كان ذلك في المنتجات التي نستخدمها، أو الخدمات التي نتلقاها، أو العمل الذي نقوم به، أو العلاقات التي نبنيها. عندما تغيب الجودة، يمكن أن يكون لها عواقب سلبية لنا، انخفاض انتاجية والجودة التي نقدمها في الوظيفة سوف يؤثر ذلك على سمعتنا، وقس ذلك على بقية المجالات.
تخيل شراء منتج لا يعمل كما هو معلن عنه أو تلقي خدمة لا ترقى إلى مستوى توقعاتك. في كلتا الحالتين، من المحتمل أن تشعر بالإحباط وعدم الرضا، مما قد يكون له تأثير مضاعف على مجالات أخرى من حياتك. لذلك يا خالد يمكن أن تشكل الجودة الرديئة أيضًا خطرًا على صحتك وسلامتك، لأننا غالبًا ما نعتمد على المنتجات والخدمات لأداء وظائف مهمة في حياتنا.
بالنسبة للشركات أيضا يمكن أن تؤدي الجودة الرديئة إلى الإضرار بسمعتها، وتؤدي إلى انخفاض المبيعات والإيرادات، وحتى تؤدي إلى المسؤولية القانونية. لدى العملاء اليوم توقعات عالية ويسارعون إلى مشاركة تجاربهم السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الأخرى، الأمر الذي يمكن أن يكون له تأثير كبير على النتيجة النهائية للشركة.
ولكن غياب الجودة لا يجلنا نرتمي نحو الرداءة بالعكس البحث أكثر والاصرار لايجاد جودة وبخدمات أفضل.
لنقرأ البيت الثاني مركز النقاش من البيت الأول:
لَعَمرُ أَبيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى ** إِلى كَرَمٍ وَفي الدُنــيا كَــريمُ
يستنكر الشاعر هنا في هذا البيت الشعري نسبة الناس الكرم لشخص يُدعى أبو المعلى وهو ليس كذلك. فمن أين جاء هذا الادعاء وهذه النسبة غير الصحيحة لهذا الشخص؟ الجواب في الشطر الثاني من البيت نفسه: غياب الكرماء .. فعندما يندر وجود الكرماء يُنسب الكرم لغير أهله. ثم يأتي البيت الثاني للتوضيح فحسب كالتشبيه الضمني. لذلك فباطن البيت الشعري الثاني هو بحث عن الجودة التي غابت كما غاب الكرماء، فنسب الناس الكرم لغير أهله، كما ارتمى الناس في الرداءة (القحط في البيت رمز للرداءة)، لغياب الجودة والخصب... هلم جرا...
.
أعتقد أن هذا البيت يطرح سؤالًا هامًا وجوهريًا، وهو: ما هو المقياس الذي يحدد قيمة الإنسان؟ هل هو المال أو المظهر أو المكانة؟ أم هو العلم أو الفضيلة أو الإيمان؟ فإن كان المقياس هو الأول، فإن الإنسان سيكون عرضة للتقلبات والمخاطر التي تهدد مصادره ومظاهره. وإن كان المقياس هو الثاني، فإن الإنسان سيكون قادرًا على التغلب على التحديات والصعاب التي تواجه مبادئه وأهدافه.
مجتمع لمشاركة واستكشاف الشعر بأنواعه. ناقش الأبيات، شارك قصائدك، وتبادل الأفكار حول أساليب الكتابة والشعراء المفضلين. انضم لنتبادل جمال الكلمات والإلهام الشعري.