الشاعر والبيئة ..علاقة وجودية طاغية

الإنسان بطبيعته كائن شديد التعلق ببيئته، ويتجلى ذلك بوضوح في شخصيته بل حتى أعماله، فهل يمكن أن تنعكس تفاصيل محيطنا في أعمالنا وكلامنا حقاً؟

عد بي الى النيل لا تسأل عن التعب
قلبي يحن حنين الاينق النجب

فها هو الشاعر السوداني سيف الدين الدسوقي يحمل معه النيل أينما حل وارتحل في شعره، ليؤكد ارتباطاً خفياً بينه وبين هذا النهر العتيق، وليس هو فحسب بل يكاد لا يوجد شاعر أو أديب سوداني إلا وتداخل النيل مع كلماته ليولّد لنا أجمل الصور، ولا نغفل عن الأديب الطيب صالح الذي وصف النيل وحركته بدقة متناهية وكأنه أعلم الناس به من أهل المكان.

إِنّي ذَكَرتُكِ بِالزَّهْراءَ مُشتاقاً
وَالأُفقُ طَلقٌ وَمَرأى الأَرضِ قَد راقا

وهنا يذكر ابن زيدون محبوبته في الزهراء، ويتغنى بها مستعيناً بعناصر بيئته، فالبيئة ليست فقط دليل تعلق بالمكان وذكره، بل هي أيضاً موطن للإستعارات والتشبيهات واللغة، فالشاعر الأندلسي يكثر في وصف الحدائق الغناء، والشاعر الجاهلي لا تفارق لغته الصحراء، وشاعر النهر يطل النهر في أبياته من حين إلى آخر.

وكما أن الشعر والأدب يحوي وصفاً لما تراه عين الشاعر والكاتب، فالفنان أيضاً قد تجده يبدع في رسم مدينته، وتصوير مكانه المفضل واستخدام عناصر من بيئته المحلية في التصميم الجرافيكي .

 وأنتم يا أصدقاء، كيف يتجلى تأثير بيئتكم المحلية ومحيطكم في كتاباتكم وأعمالكم ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أثناء الكتابة يمكن أن تؤثر الكثير من العوامل المختلفة علي. تشمل هذه العوامل المحيط المحلي، والبيئة، والمجتمع، والتاريخ، والثقافة، والتقاليد، والقيم. وبما أن الكتابة تعكس الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، فإن هذه العوامل يمكن أن تؤثر على المحتوى والأسلوب والأفكار التي تظهر في مقالاتي أحيانا.

مثلا قد تكون البيئة الطبيعية مصدر إلهام للكتابة، حيث يمكن للمؤلف أن يستخدم الطبيعة كموضوع أو رمز في أعماله. ويمكن أيضاً أن يؤثر المجتمع والثقافة المحلية بطريقة كبيرة على الكتابة، حيث يمكن للمؤلف أن يستخدم الأساليب والمفردات والأفكار التي تعكس هذه الثقافة المحلية.

بدون أم انسى التاريخ والتقاليد والقيم يمكن أن يؤثران على الكتابة أيضاً. مثلا يستخدم المؤلف الأحداث التاريخية كموضوع للكتابة، أو يمكن للقيم والتقاليد أن تظهر في الأفكار والمفردات التي يستخدمها المؤلف.

لا بد أن نذكر الأحداث والأوضاع السياسية التي من الممكن أن تحط بظلالها على الشعر والكتابة، ولذلك ظهر لنا أدب السجون وأدب الحروب، والشعر الثوري وغيرها.

 ولذلك ظهر لنا أدب السجون وأدب الحروب، والشعر الثوري وغيرها.

في الحقيقة يا تقوى إن أدب السجون وأدب الحروب هما الأنواع الأكثر إثارة للجدل في الأدب العربي المعاصر، إذ يحتويان بين طياتهما العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية المهمة. أما الشعر الثوري هو أحد الأشكال الأدبية التي تميزت بالنقد اللاذع للنظام الاستبدادي والفساد الإداري والفكري في المجتمع، ويمكن القول إنه شكلٌ فنيٌ تحوي بين أسطره الكثير من الأفكار والمفاهيم التي تتطلب من القارئ الاهتمام والتفكير العميق لفهمها بشكل صحيح.

 إنه شكلٌ فنيٌ تحوي بين أسطره الكثير من الأفكار والمفاهيم التي تتطلب من القارئ الاهتمام والتفكير العميق لفهمها بشكل صحيح.

وأحياناً البساطة في الأسلوب والسرد المباشر هو المعتمد في عدد كبير من هذه الأعمال .

 وأنتم يا أصدقاء، كيف يتجلى تأثير بيئتكم المحلية ومحيطكم في كتاباتكم وأعمالكم؟

على الرغم من أنّني أقدّس التجربة الفردية في الأدب، فإن هذه التجربة الفردية يجب أن تكون ضمن سياق بيئي ما، لأن ذلك شيء لا يسعنا التحكم فيه على الإطلاق، وبالتالي يتطلب دائمًا أن نكون قادرين على الملاحظة. إن الأديب الجيّد هو ملاحظ جيّد في المقام الأوّل، وهذه الملاحظة تعتمد بنسبة 100% على ما يحيط بالأديب. من هنا، يمكننا أن نكتشف أن الأديب ما هو إلا بوق أو انعكاس صورة للعالم المحيط به. لكن بطريقته الخاصة، وشوائبه الخاصة، وتجاربه الخاصة، ولمساته الشخصيّة في ضوء هذا العالم.

عنصر الملاحظة أراه عنصراً مشتركاً أيضاً بين الأدب والفن، ولذلك يوصف الفنانون أحياناً بالغرابة والجنون لشدة انتباههم لأدق التفاصيل أو كما يقال أحياناً إدراكهم المبالغ به حيال ما يحدث حولهم والذي أدى بهم إلى الجنون، كما حدث مع الفنان فان جوخ الذي قطع أذنه زاعماً سماع أصوات وجلبة يصعب تحملها على الرغم من اختلاف الروايات حول سبب قطع أذنه إلا أن البعض استخدم هذه القصة للدلالة على ذلك الجنون المتولد من شدة الإدراك.

وبالعودة إلى الملاحظة والتفاصيل لا يسعني هنا إلا أن أشارك واحدة من أجمل أبيات الوصف التي قرأتها للمتنبي وهو يصف شعب بوان بالقرب من منطقة شيراز :

وَأَلقى الشَرقُ مِنها في ثِيابي

دَنانيراً تَفِرُّ مِنَ البَنانِ

لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ

بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني

وَأَمواهٌ تَصِلُّ بِها حَصاها

صَليلَ الحَليِ في أَيدي الغَواني

فعلاً، البيئة المحلية والمحيط تلعب دورًا طاغيًا في إلهام الشعراء والكتّاب والفنانين. يمكن أن ينعكس جمال الطبيعة المحيطة بهم في أعمالهم وكلماتهم، وقد يكون لها تأثير عميق على إبداعهم وأسلوبهم الفني لذلك بإلقاء هذه النظرة على بيئتهم وثقافتهم المحلية يمكن أن يكون مصدر إلهام للتعبير عن المشاعر والأفكار بطرق فريدة ومبتكرة.

المكان الذي يعيش فيه الفنان والكاتب يمكن أن يكون مصدرًا للمواضيع والمشاهد التي ينتقلون بها إلى أعمالهم الفنية. ويمكن أن يتجلى تأثير البيئة المحيطة بهم في أوصافهم وتصويرهم للطبيعة والمعالم الثقافية والاجتماعية.

قد تجد الكتاب والشعراء يشبّهون المناظر الطبيعية بالمشاعر البشرية أو يستخدمون رموزًا ورسومات مستوحاة من مكانهم لإيصال أفكارهم ورؤيتهم الفنية.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤثر البيئة المحلية والمجتمع المحيط بهم في مواضيعهم الاجتماعية والثقافية. قد يتناول الكتاب قضايا ترتبط بمجتمعهم المحلي أو يسلطون الضوء على تراثهم وتقاليدهم. يمكن أن تكون القصص والروايات والأعمال الفنية ملهمة ومثيرة للاهتمام للقرّاء والجمهور الذي يربطهم بنفس الثقافة والتجارب.

بالتالي، يمكن القول إن الشخصية والإبداع الفني لا ينفصلان عن البيئة المحيطة بهم. إن استيعاب واحتضان البيئة المحلية يمكن أن يجعل أعمالهم أكثر أصالة وتميزًا ويساهم في تكوين هويتهم الفنية الفريدة.

Taqwa_Mubarak أضف ردا
 قد يتناول الكتاب قضايا ترتبط بمجتمعهم المحلي أو يسلطون الضوء على تراثهم وتقاليدهم. 

بالفعل وهذا ما لاحظته في سمات الشعر المعاصر حيث نجد أغلبه قد تأثر بالأحداث والثورات التي حدثت في المنطقة العربية كما تجلى ذلك في شعر أبوالقاسم الشابي وحافظ ابراهيم وغيرهم، فلا يمكن أن ينفصل الشعر أو الأدب بشكل عام عن الواقع والمجتمع، بل قد يكون مرآة للأحداث، وأحياناً وسيلة إصلاحية لا يستهان بأثرها.