لماذا يجب على الشاعر ألا يمدح المسؤولين عنه؟

جميعنا نعرف أن السياسة تتداخل مع جميع مناحي الحياة حتى أن مختلف المهن والفنون تحاول بدورها أن تكون علاقات مع السياسيين تارة عن طريق المدح وتارة عن طريق الهدايا أو الدعوات المجانية وغيرها.

علاقة المتنبي بسيف الدولة ومدحه له:

المتنبي بدوره -وكما عهدناه- لم يكن يفوت فرصة مدح لسياسي أو شخص ذو منصب كبير وهام في الدولة إلا وينتهزها رغبة في حظوة أو طمعاً في منصب أو كمحاولة لكسب المزيد.

ولأن سيف الدولة كان ذو منصب رفيع، كما أن المتنبي كان يعرف سيف الدولة قبل أن يلتقيه أو يراه، حيث سمع الكثير عن محاسنه وأفضاله التي امتدت إلى خارج حلب، لذلك عرض المتنبي على سيف الدولة أن يمدحه في شعره فرحب سيف الدولة وجعله من حظوته وضمه إلى بلاطه فصار من أخلص خواصه ورفقائه وتغلغل في حياته حتى أنه رافقه غزواته ومعاركه وصار من أشد المدافعين عنه أمام أعدائه.

وكما أراد المتنبي فقد أتى كل ذلك عليه بمكانة رفيعة في بلاط الأمير جعلت حساده يتكاثرون من حوله ومنهم الشاعر أبو فراس الحمداني الذي نجح في الإيقاع بينه وبين الأمير ليحدث انشقاقاً لم يلتئم بعدها أبداً.

ما رأيكم في تلك العلاقات مع السياسيين التي يكون ظاهرها مكانة وحظوة ونِعَم كثيرة ولكن باطنها محفوف بالمخاطر فبمجرد أن تنقلب الطاولة ينتهي معها كل شيء؟! وهل ترى بأن الشاعر يخطيء عند يمدح قائده؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Enas_Al_Taher_1 أضف ردا

سأترك المتنبي جانباً، فهو المتنبي 😊.

اسمح لي بماقشة الموضوع من جهة الإعلاميين ربما لأنهم اليوم الأكثر تأثيراً والأقرب للمسؤول.. ففي القديم كان الشاعر هو إعلامي القائد أما اليوم فيقوم بالمهمة الإعلاميون، (وبالتأكيد ما هو خاضع للقياس بهم يقبل القياس مع الشعراء)

صدقني اليوم لا حظوة إلا لمن أجاد المدح، أحدهم إعلامي في قناة على مستوى وطني وليس على مستوى المدينة فقط.. انتقل لمدينتي وبدأ ينقل أخبار المدينة من خلال القناة التي يعمل بها، في البداية كانت أموره جيدة بما يكفي لأن لا يلحظه أحد حتى قدم إحدى الفقرات الميدانية التي كان فيها رأي الشارع ضدّ توجه المسؤول، لأجل الصدفة كنت باجتماع حين وصل لأحد المتنفذين مقطع فيديو على الواتساب من الفقرة التي قدمها هذا الإعلامي، أتعلم ماذا حدث؟

قام المسؤول بمهاتفة مدير الإذاعة والتلفزيون وطلب منه تبديل المذيع بآخر، ثم قام بمهاتفة مسؤول المؤسسة التي يتوفر فيها مكتب الإعلامي وطلب سحب السيارة منه وإخراجه من المكتب بحجة حاجة المؤسسة للمكتب.. ببساطة قلب موازين حياة هذا الرجل.

لاحقاً عرفت بأنّ سبب قيام الإعلامي بتقديم الفقرة التي ضايقت المسؤول هو توقيف مكافأة شهرية كان يحصل عليها من تاريخ انتقاله للمدينة!!!

ما أعنيه:

  1. في هذا الزمن، حيث أصبح الخبر ينتشر سريعاً ورأي الشارع قادر على قلب حكومات، أصبح الساسة من يبحثون عن تلك الفئة من المهرجين الذين يجيدون التطبيل والتزمير والرقص على الدفوف وتزيين الإنجازات وتعظيمها والتخفيف من حدة القرارات الظالمة للمواطنين.
  2. لا مكان لصاحب الرأي الحيادي المهني، حيث سيجد ألف حجر عثرة في طريقة بدءاً بعدم إجازة مقالاته للنشر وانتهاء بمنعه عن الكتابة أو العمل.
  3. طالما المسؤول راضٍ فأي طلب يتم تقديمه لدعم عدد من أعداد المجلات أو لتسهيل مهمة في سفر لغايات العمل وانتهاء بتوظيف وتعيين الأقربون سيكون بالتأكيد موافق عليه وله درجة الأولوية.

لا مخاطر يا صديقي طالما المسؤول راضي والقلم قادر على الاعوجاج.. يبدأ ناقوس الخطر فقط حين تكون حيادياً.

صدمني تعليقك يا إيناس بحق، وأحزنني بالأكثر، ليس لعدم علمي بأن هذه الأمور تحدث '، بل لأنني أعلم ذلك وألاحظه وأرى أولئك المهرجين المطبلاتية يومياً على الشاشات يهللون ويرقصون بينما يجلس الإعلامي النزيه على مكتبه المتواضع غير قادر على ممارسة عمله بحرفية في بيئة يملؤها الصخب والتضارب والرياء.

حتى وهو جالس في مكتبه لا يتركونه بل يحاولون أخذ مكتبه منه وسيارته كما ذكرتِ في المثال وتهميشه وتهريب حياته وبيته حتى لا يفكر في العودة لتلك الأفعال الثورية والإصلاحات المجتمعية!

ما رأيكم في تلك العلاقات مع السياسيين التي يكون ظاهرها مكانة وحظوة ونِعَم كثيرة ولكن باطنها محفوف بالمخاطر فبمجرد أن تنقلب الطاولة ينتهي معها كل شيء؟! وهل ترى بأن الشاعر يخطيء عند يمدح قائده؟

أكرهها وأبغضها طبعا.

أنا أكتب الشعر منذ كنت في الثانية عشر من عمري، وأعرف كيف ينقل الشاعر تجربته الصادقة إلى الكلمات حتى يكون الشعر شعرا، وهذا هو الغرض من كتابة الشعر.

لذا لا أحب شعر المدح في السياسيين والرؤساء وأصحاب المناصب، إنه انتقاص من الشعر ذاته وتقليل من قدره ومكانته إذا استخدمناه في مثل هذه الأمور التي يكون الغرض من وراءها هو الوصول إلى مكانه أعلى.

جيد أنك اعتدت كتابة الشعر منذ سن صغيرة يا عزيزي أحمد.

من خلال تجربتك الشعرية ، ما الذي يدفع الكثير من الشعراء في الخروج عن مسار الشعر الجيد والتطرق لمديح البعض والسعي وراء المكاسب ؟

هل السبب هو عائد المهنة المادي؟ أم رغبة شخصية ؟

عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ

الكِـرامِ المَكـارِمُ وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها

وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ يُكـلّفُ سَـيفُ

الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ

وَيَطلُبُ عندَ النّاسِ ما عندَ نفسِه وَذلكَ ما لا تَدّعيهِ الضّرَاغِمُ

هذا الشعر هو الذي قاله الشاعر المتنبي يمتدح فيه سيف الدولة الحمداني.

ولا شك أن الشاعر حين مدحه، كتب أفضل ما عنده، فمن منا لا يحفظ هذا البيت المميز: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"

ولكن لكل شيء ثمن، وثمن قرب الحاكم، هو التذلل وكتابة الشعر، والمخاطبة بالكلام الجميل، للحصول على كل الإمتيازات التي يردها.

وما أن يغضب عليه الحاكم، حتى ينقلب الحال، ويقذف من مجالس الحكام، وربما يصاب بمكروه ما، فقد يسجن، أو يقطع رأسه، لأنه خالف الحاكم.

وهل ترى بأن الشاعر يخطيء عند يمدح قائده؟

لا أستطيع أن أقول أن الشاعر يخطئ، فهذه مصلحته في النهاية، لأنه بمجرد أن يقترب من السلطان، تفتح له جميع الأبواب، لذلك عليه أن يبقى حريصاً على رضاه.

فالمزايا مغرية، لِمَ لا... إذا؟

الكلمات جميلة والأبيات معبرة ولكن حقيقة المشاعر لا يعلمها إلا الله!

غاية الشعر الأولى في رأيي هي إيصال الحالة الشعرية التي يعيشها الشاعر لجمهوره ، فإن لم يكن هو يعيش تلك الحالة فعلاً كيف سيصل الجمهور لرسالته ويؤمنون بها وبأهميتها؟

العوائد عديدة ومغرية كما تفضلتِ ولكن هل تستحق المخاطرة وفق احتمالات انقلاب العلاقة لأي سبب كان؟!

يعني لو كنت أنا في ذلك الوقت، وقت السلاطين، لما توانيت لحظة عن القرب من الحاكم!

الإمتيازات مغرية... ولا سبيل للتفكير في تلك الإنقلابة.

معك حق في هذا.

ولعل عصرنا الحالي خير دليل فالعمل الحر له مخاطر وريادة الأعمال لها مخاطر وحتى الوظيفة الثابتة لها مخاطر والذي يقف عند المخاطر لن يتقدم خطوة.

ما رأيكم في تلك العلاقات مع السياسيين التي يكون ظاهرها مكانة وحظوة ونِعَم كثيرة ولكن باطنها محفوف بالمخاطر فبمجرد أن تنقلب الطاولة ينتهي معها كل شيء؟! وهل ترى بأن الشاعر يخطيء عند يمدح قائده؟

مهما كانت تلك العلاقة القوية التي تجمع الشاعر وقائده إلا أن الشاعر نفسه يعلم بأنه خسر الجمهور الذي يستمع إليه، ومن بين أكثر الشعراء العرب الذين يجمع الكثير على حبهم هم الذين همشوا، سجنوا، أغتيلوا بسبب كلماتهم، من بين هؤلاء شاعر العراقي أحمد مطر تميزت أشعاره الساخرة بنقذه الساسة وأصحاب السلطة:

إن الملوك بلاء حيثما حلّوا ...فلا يكن لك في أكنافهم ظل... ماذا تأمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا ....فاستعن بالله عن أبوابهم أبدا..... إن الوقوف على أبوابهم ذل.

المثل الذي ذكرته مثل مميز بالفعل يا عفيفة إلا أنه لا يعبر عن جموع شعراء العصور المختلفة فلكل ظروفه ومحيطه وقدرته على الاقرب من المناصب العليا.

ولكني لا أختلف مع أن التقرب يجب أن يكون بحساب فقلة الحكمة قد يحول العلاقة من منحة لمأساة.

إن الملوك بلاء حيثما حلّوا ...فلا يكن لك في أكنافهم ظل... ماذا تأمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا ....فاستعن بالله عن أبوابهم أبدا..... إن الوقوف على أبوابهم ذل.

بصراحة أبيات في غايك الروعة من شاعر مختبر!

امتلاك السُّلطة محرك رئيسي لتكوين موقف راديكاليّ، سواء كان ذلك بالقبول غير المشروط، أو الكُره المطلق. وكلا الاتجاهين على خطأ؛ فالمرء منا ما هو إلا مزيج من النقاط البيضاء ونظيراتها السوداء، وما علينا إلا انتقاء الجمال في كل فرد والتغافل عن الشر الذي فيه. وعليه لا أرى بأسا أن يمدح الشاعر رئيسه أو ذا منصب؛ طالما استحق الممدوح ذلك.

حسناً قلت يا عزيزي نور الدين، فالمدح في محله لا بأس به بل ويجلب المدح على المادح أيضاً.

ولكن العيب كل العيب في المديح الزائف أو المغرض أو الزائد عن الحد فهذا هو ما يثير التساؤلات والاستنكار ويجلب على المادح ذماً إن جلب له مكسباً مؤقتاً فمع مرور الوقت سيزول أثره وتبقى سمعة المادح السيئة قائمة.

ما رأيكم في تلك العلاقات مع السياسيين التي يكون ظاهرها مكانة وحظوة ونِعَم كثيرة ولكن باطنها محفوف بالمخاطر فبمجرد أن تنقلب الطاولة ينتهي معها كل شيء؟! وهل ترى بأن الشاعر يخطيء عند يمدح قائده؟

بالنسبة لي العلاقة السياسية تقضي على صورة الشاعر أو الفنان أو رجل الدين أو الكاتب أو الصحفي في أعين الشعب.

لماذا قد أرغب في قراءة شعر أو مقال هدفه تملق الحاكم للحصول على المكانة والمال؟

سأحب أن أقرء أو أن أستمع لمن يعلي المبادئ على المصالح الشخصية، سأحب أن أتابع من يأخذ جانب الشعب البسيط.

من يعلى المباديء سيراعي جمهوره ويحاول إفادتهم بفنه ولكن الساعي نحو المصلحة لا يأبه برأيهم ولا بوقتهم فهو يضيع هذا الوقت الثمين في جعلهم يستمعون لترهات المديح الكاذب والكلمات الرنانة.

هذا هو حال الشاعر البسيط الذي يميل للشعب والجمهور فهو عادة ما يكون مهمَل من الغالبية لأنه لا يسعى لمصلحة من أحد، غير أنه في نفس الوقت يكون قريب من قلوب الجميع لاهتمامه بالمبادىء وإعلاء القيم.