الرباعيات..أين نحن منها الآن؟

كلنا سمعنا بصلاح جاهين، أحد رواد كتابة الرباعيات (بالعامية المصرية)، ومن أقواله: "الفنان يختلف قليلا عن المجنون، يختلف في أنه يستطيع أن يُدخِل الآخرين في عالمه الخاص بينما المجنون لا يستطيع".

غير أننا سنلاحظ عودة بداية كتابة الرباعيات لأوائل القرن الثانى عشر على يد الشاعر عمر الخيَّام، وهو شاعر فارسى وعالم فى الفلك والرياضيات.

فمن الفارسية دخلت الرباعيات كأحد فروع الشعر الجديدة إلى الشعر العربى، ووجدنا الكثير من الشعراء والمترجمون يحاولون شرح وتفسير رباعيات الخيام حتى الآن.

ولكن الغريب هنا، أننا لا نجد الكثيرين ممن حاولوا القيام بكتابة مثيلاتها أو مثيلات رباعيات جاهين بالعامية!

فهل هذا العالم الخاص الذى ذكره جاهين هو باب مغلق وكنز مدفون لم ينبش المزيد من الشعراء فيه؟

أشعر أن الأمر ينبع من صعوبة تكوين الرباعيات (أو الدوبيت) التى تأتى باعتبار القوافى فى صورة خمسة أنواع: الرباعى المعرج والخاص والممنطق والمرفّل والمردوف؛ ففى قِصَر تكوينها صعوبة نظراً لوحدة الهدف والموضوع، وتحقيق المعادلة الصعبة بالتركيز على نفس الرسالة وتوصيلها فى بيتين أو أكثر بقليل قد يمثل تحدى للكثير من الشعراء.

لا أعلم! فقد أكون مخطىء؟!

ولو لم يكن الأمر كذلك فإذن... لماذا اختفت الرباعيات؟!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أظن أن رباعيات صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي -وغيرهم من الشعراء الذين أغرموا بشعر الرباعيات- قد تحولت إلى إرثٍ لغوي وتاريخي لا يمكن إنكاره، لكنها لم تعد مناسبة الآن للشكل الحديث من الشعر العامي والشعر الفصيح، والأدب بصورة عامة، فالشعر هذه الأيام لا يعتمد بشكل كبير على التقسيم اللفظي والمساحي للكلمات، والإيحاءات اللفظية المتمثلة في التوازن بين الكلمات وأوزان القوافي، وإنما أصبح يعتمد بشكل أكبر على الصور الداخلية والتركيبات المعقدة فيما بين الكلمات وبعضها، وذلك السياق هو الذي يعتمد عليه الشعر العامي أيضًا في عصرنا الحالي، حيث أننا جميعًا لا نستطيع أن نعيد إنتاج فن الرباعيات لأننا ببساطة لا نعتمد على معاييره أصلًا في تجربتنا الأدبية والشعرية المعاصرة بشكل عام.

أظن أن رباعيات صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي -وغيرهم من الشعراء الذين أغرموا بشعر الرباعيات- قد تحولت إلى إرثٍ لغوي وتاريخي لا يمكن إنكاره، لكنها لم تعد مناسبة الآن للشكل الحديث من الشعر العامي والشعر الفصيح

لا أعتبرها تاريخ بالمعنى الحرفي، فما زال هناك عدد من الشعراء ينتهجون نفس أسلوب الكتابة حتى ولو لم يكن شعرًا

مثل الكاتب المصري عمر طاهر.

من المتعارف عليه أن الناس في زمن ما يحبون الأمور التي حدثت في الماضي ويرغبون في تجربتها، وهو حال الكثير من المجالات الآن والتي أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على إضفاء لمسة تاريخية لجذب العملاء.

فهل تعتقد أن عودة كتابة رباعيات بصورة عصرية ستلقى رواجًا أم أنها ستندثر مرة أخرى؟

فهل تعتقد أن عودة كتابة رباعيات بصورة عصرية ستلقى رواجًا أم أنها ستندثر مرة أخرى؟

هذا هو ما عنيته يا صديقتي، فبالرغم من أن شعر الرباعيات في تاريخ الشعر العامّي المصري يعتبر واحد من أهم وأجمل أنواع الشعر، فإنني لستُ من أنصار إعادة إنتاج التجربة التاريخية في قوالب حداثية مغايرة، وذلك لأن إعادة إنتاج القالب لا يعني إلّا إعادة إنتاج الأفكار، لأن القالب القديم للشعر اعتمد على التوازن اللفظي بين المصطلحات، حتى وإن لم يكن ذلك واضحًا. لكن بالنسبة للقوالب الحداثية للشعر، فإنها بأفكارها وتفكيكها لا تعتمد على ذلك حتى وإن بدا العكس، وعليه فإن إعادة استخدام قوالب مثل الرباعيات قد تحرم الفنان من خوض العديد من المفاهيم في شعره.

لا أعتبرها تاريخ بالمعنى الحرفي، فما زال هناك عدد من الشعراء ينتهجون نفس أسلوب الكتابة حتى ولو لم يكن شعرًا مثل الكاتب المصري عمر طاهر.

ما عنيته هنا هو أنها استخدمت سلفًا في أطر فكرية أخرى، لذلك اعتبرتها تاريخًا، حتى وإن مال بعض الشعراء أو الكتاب إلى إعادة استهلاكها فذلك لا يغير من الأمر شيء، وهو أنها لم تعد مناسبة للقالب العصري للفن بشكل عام، ذلك في إطار رأيي الشخصي طبعًا.

أعتقد أنها يمكنها التكيف مع العصر يا عزيزى مثلها مثل بقية مناحى الشعر والأدب.

ولم لا وهى أسلوب للتعبير عن مكنونات الشاعر فليس جميعنا يفضل الأسلوب البلاغى القائم على غزارة الصور وتعقيد التراكيب، وإلا ما كان لصلاح جاهين والأبنودى بل وعمر الخيام نفسه جمهورهم حتى الآن.

السؤال الحقيقى هو لماذا لا نحد اهتماماً بإنتاج المزيد من هذا النوع من الشعر؟! إنه أمر محير!

السؤال الحقيقى هو لماذا لا نحد اهتماماً بإنتاج المزيد من هذا النوع من الشعر؟! إنه أمر محير!

لأنه ببساطة لم يعد إنتاجه مناسبًا للعصر الحالي يا صديقي. ليس مناسبًا لصوره أو مشاعره، لكن ذلك لا يمنع من أننا نغرم بالعديد من المقاكع الشعرية القديمة في صورة الرباعيات، فالأمر غير متعلق بإعجاب أو لا، لكن ما يمكن قوله في ذلك الصدد هو أن الإنتاج الحداثي من الأصناف الأدبية، والمتعلق بمدى مناسبة القالب الشعري للمحتوى يحول بين الشعراء المعاصرين وشعر الرباعيات لأنه ليس مناسبًا لعصرهم ووعيهم. هذا هو ما عنيته. فإذا أردت أن أشرح الأمر لك، يمكنني أن أسأل سؤالًا بشكل عكسي: هل كان من الممكن للشعراء السابقين من كتاب الرباعيات أن يلقوا النجاح نفسه إن كانوا شعراءً معاصرين في وقتنا الحالي؟

فى الحقيقة يا عزيزى يتوقف الأمر على ما إذا كان لدى هؤلاء مواهب أخرى دفينة لم تظهر لنا ككتابة الشعر العلمى الذى ينتشر الآن.

فمثلاً كان صلاح جاهين يكتب مقالات صحفية بجانب الرباعيات، ولكن ما اشتهر به هو الرباعيات!

ربما لأنها لا تسير على أوزان الخليل وإنما هي أوزان مقتبسة من الفارسية.. وبما أنها لا تدّرس في المدارس بما أنها ليست أوزان الخليل وليست من أصل الشعر العامي (مثل الشعر النبطي الذي يكون له قافيتين) ولا من الشعر الغنائي الذي تكون فيه القافية في الثلاث الأبيات الأولى واحدة و تختلف في البيت الرابع والذي يكون ثابتا كل أربع أبيات.. لهذه الأسباب أظن عدم انتشارها..

أعتقد أن هذا أحد أهم الأسباب بالفعل عزيزى واثق، فلقد اعتادت أذن مُتلقى الشعر العربى على سماع هذه الأوزان والقوافى... وهو ما يجعل دونها من القوافى غريباً غير مألوفاً وغير مُحبذاً.

ولكن لماذا لا نطوعها لتناسب هذه المدارس من القوافى والأوزان؟ لماذا لا نفعل مثلما فعل العرب بتطويع الرباعية الفارسية لتناسب الطابع العربى وقتها؟

هذا الأشياء لا تأتي بالنصيحة، تحتاج مبدعا ينشرها وسيأتي من يقلّده ويقتفي أثره..

فهمت قصدك... أعتقد يوجد مبدعون ولكنهم غير ظاهرين.

قصدي لو أراد المبدع أن يبدع مثل هذه الرباعيات لفعل ذلك .. دون أن نقول لماذا لا نعمل مثل هذا.. وإذا انتشر هذا النمط من الشعر سيتبناه عدد أكبر من الشعار وهكذا..

الشعر عامة بمختلف أنواعه أراه يندثر شيئًا فشيئًا وينشر بدلا منه شعر العامية الذي أراه بعيدًا كل البُعد عن الشعر العربي.

ليس من حقي انتقاد ذوق الآخرين، كل شخص من حقه الاستماع إلى الفن الذي يعجبه، ولكني أخاف على انواع الفنون في الأدب العربي واللغة العربية من الاندثار.

الاهتمام بالشعر العربى أصبح من مهام علماء اللغة والأدباء والشعراء الكبار فقط وهذا غير صحيح.

أنا شخصياً أكتب الشعر العلى أكثر من الفصحى فالأول يجد آذاناً تسمعه والثانى قليل من يفهمه.

برأيك يا أيمن كيف يمكن تطويع الشعر لملائمة العصر دون أن يفقد أساسياته وهيكله وتاريخه الطويل من التطور؟

مما أراه لم تختفي الرباعيات

فأنا عضوة بنادي الأدب في قصر ثقافة أسيوط، وأستمع كل أسبوع في اللقاءات الدورية للنادي لشعراء من مناحي مختلفة في الصعيد يكتبون الرباعيات وفنون الواو والكف والعديد وغيرها من فنون الشعر التي تتميز بها مصر والصعيد بشكل خاص عن باقي الدول العربية

ولكن المشكلة تكمن في عدم تسليط الضوء الإعلامي على هذه المساهمات كما كان يحدث في الماضي، أو ربما تتوه هذه الأصوات الجادة وسط التافه مما يظهر على السطح في السوشيال ميديا، ويتجمع حولهم الكثير من المتابعين؛ فتلهث ورائهم وسائل الإعلام في سبيل ارتفاع نسب المشاهدة، وهذا ما يهدد باختفاء الأدب والثقافة الجادة الحقيقية بشكل عام لا الرباعيات فقط، فهل تتفقون معي في ذلك؟

صحيح يا سارة فالعديد من المنتديات الراقية تنعقد فى قصور الثقافة والمقاهى الأدبية ولكن من يلتفت لها؟! فهى لن تجلب المشاهدات والتفاعل مثلما يحدث مع توافه الأمور.

أعتقد أنه ينبغى علينا تغيير ذلك بإجبار الإعلام على تسليط الضوء على مثل هذه الحلقات النقاشية المثمر بطريقة أو بأخرى، فقد يمكن أن تكون القنوات المحلية خطوة أولى لتوعية الشباب بأن هناك إبداع وفن وله مريدوه وليس كل ما يظهر على السطح هو المسيطر.

للأسف لا أحد يتابع القنوات المحلية أو التلفزيون المصري بشكل عام، لذا فإن هذه النوادي بدأت تسعى حثيثاً للذهاب إلى المدارس والجامعات المحيطة لاستقطاب فئة الشباب والمراهقين واستكشاف مواهبهم ورعايتها، وهناك ثمرات مشجعة لهذا الأمر، ولكن يظل تقصير الإعلام المتمثل في الفضائيات ذات المشاهدة العالية من الاهتمام بالقضايا الثقافية الجادة، حائلاً دون معرفة الجمهور بهذه المواهب.

هذا جيد فهم على الأقل يقومون بمجهود فى توصيل وتثقيف الجيل الجديد البعيد عن الثقافة والأدب.