موقف عابر

جاء يركن دراجته الهوائية على الحائط الذي أجلس بجواره، ثم نظر إليّ بنصف عين وسألني بلا اهتمام:

– قاعد لوحدك ليه كده؟

نظرت إليه متأملاً، بدا عليه الوقار والشيب، ثم رددت عليه سريعًا، بلا تفكير لكن باهتمام بالغ:

– عادي.

وضع دراجته واطمأن عليها، ثم حدّق في الجهة المقابلة وسألني مرة أخرى، وكأن جوابي لم يكن كافيًا:

– فيه حد مزعلك؟

وضعت يدي على قدمي، وأغمضت عيني للحظة ثم فتحتهما، قبل أن أرد عليه بصوت مرتجف، وكأنني متهم في محكمة:

– لا، لا.

فردّ عليّ قائلاً:

– طيب.

ثم مشى مبتعدًا ليدخل الجامعة، كان يسير ببطء، بخطوات مركزة، وكأنه يترجل على صراط الآخرة!

هل ثمة علاقة بين الزعل وكوني جالسًا وحدي؟

ما العلاقة بين الحزن والوحدة؟

قال بعض السلف: تتعدد الأنفس بتعدد الخلائق.

وبمعنى آخر، يتخلله النسبية، قلتُ أنا: تتعدد الشخصيات والأمزجة بتعدد البشر، وباختلاف الأمكنة والأزمنة.

إنه موقف لم تتجاوز مدته عشر ثوانٍ مع رجل غريب. جعل رأسي يموج بالأفكار، ونفسي تغوص في أعماق لاوعيها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ربما ربط الرجل بين جلوسك وحدك وبين كونك حزينًا، لأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي ومن يجلس وحده فغالبًا ما يكون يشعر بالوحدة أو ليس لديه من يجلس معه أو يشاركه لحظاته ولذلك قد يشعر بالحزن، ربما يكون هذا هو ما افترضه الرجل، أو ربما ببساطة كان يبدو على ملامح وجهك الوجوم أو الحزن لذلك سألك الرجل لماذا أنت حزين وحاول تجاذب أطراف الحديث معك.

ما كتبته عميق، لأنه يلتقط لحظة تبدو عابرة لكنها محمّلة بأسئلة وجودية. السؤال الذي طرحه الرجل فيه من البساطة ما يخفي تحته أحكامًا اجتماعية متجذّرة كأن الوحدة لا تكون إلا عند الحزن، وكأن الإنسان السوي لا يجلس إلا بصحبة.

لكن، ألا يحق للمرء أن يجلس وحده لأنه يفضّل السكون؟ أو لأنه يستمتع برفقة ذاته دون اضطرار للمجاملة أو التمثيل؟

المفارقة أن كثيرًا من البشر اليوم محاطون بالناس، لكنهم يعيشون عزلة داخلية مؤلمة. في المقابل، من يجيد الجلوس مع ذاته نادرًا ما يشعر بالوحدة على حقيقتها.

ربما يجب أن نعيد تعريف الوحدة، وأن نكف عن النظر لها كعرض مرضي. فليست كل وحدة عزلة، وليست كل عزلة اكتئابًا.