كيف تتسلل التربية إلى قراراتنا؟

كثيرًا ما نتخذ قرارات في حياتنا اليومية نظنها نابعة منّا، من وعينا، من قناعاتنا الخاصة، دون أن نلتفت إلى يدٍ خفية تمسك بخيوط هذه القرارات منذ الطفولة.

حين نقرر إنهاء علاقة لا نشعر فيها بالتقدير، أو نُصرّ على التضحية في علاقة لا تمنحنا إلا الألم، أو نختار شريكًا يكرّر نفس نمط العلاقات التي شهدناها في صغرنا... في كل هذه اللحظات، ثمة احتمال كبير أن لا يكون القرار محض اختيار، بل صدى لنمط قديم زرع فينا باكرًا.

يُشير علم النفس إلى ما يُعرف بـ "البرمجة النفسية اللاواعية"، وهي أنماط فكرية وعاطفية نتلقاها في الطفولة دون وعي، نتيجة مراقبة تصرفات والدينا وتفاعلاتهم. نحن لا نتعلم فقط من الكلمات التي تُقال لنا، بل من النظرات، الصمت، ردود الأفعال، والتجارب المتكررة.

فمن نشأ في بيئة لا يُعبَّر فيها عن المشاعر، قد يجد صعوبة لاحقًا في الاعتراف بمشاعره، حتى أمام نفسه. ومن تربّى على ضرورة إرضاء الآخرين على حساب راحته، قد يتخذ قرارات حياته كلها بدافع الواجب، لا الرغبة.

ما يحدث أننا نكبر ظاهريًا، لكن تظل "نُسَخ صغيرة" منّا تعيش بداخلنا، تكرر أنماط الطفولة في علاقات العمل، الصداقة، وحتى الحب. نختار دون أن ننتبه، نحارب دون أن نعلم لماذا، ونتنازل ونحن نُقسم أننا نفعل ما نريد.

فمن تجاربكم، كيف تسللت التربية إلى قراراتكم؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لدي إيمان راسخ بأن مرحلة الطفولة هي أساس بناء الإنسان، لدرجة تجعل من أتحدث معهم أحيانًا يقولون أنني أرجع سبب كل شيء من مشاكل وعقد نفسية وردود أفعال للطفولة 😅

هم يزعمون أن ذلك قد لا يكون صحيحًا، لكن هذا ما أؤمن به، فهل هناك بناء يُبني من الطابق الرابع أو الثالث أم من الضروري غرس أساسات له في البداية؟! فترة الطفولة تُمثل هذا الأساس بالنسبة للإنسان، وبالطبع كلما كان الأساس قويًا كلما كان البناء والإنسان أقوى بتقدم العمر، أما إذا كان العكس وكان الأساس ضعيفًا فسوف يتصدع البناء وينهار مع الوقت.

طفولتنا وتربيتنا الأولى تؤثر فينا أكثر مما قد نتصور، وربما بعض أفعالنا هي نتاج لتلك التربية، بل قد تكون بعض ردود أفعالنا والتي قد نحسبها جزء من شخصياتنا هي في الواقع عُقد نفسية أو رد فعل لصدمة معينة! مثل الوسوسة، التعلق الزائد بالأفراد، حب المواقف الخطرة، حب الأشخاص الأكبر سنًا، الرغبة في إرضاء الآخرين، الاعتذار طوال الوقت وغيرهم....

كثير من ردود أفعالنا التي نظنها "جزءًا من شخصيتنا" هي في الحقيقة استجابات قديمة لخبرات لم نحلّها بعد، وأحيانًا نُعرّف أنفسنا بها دون أن نراجع أصلها.

ما يثير الانتباه أيضًا أن مقاومة بعض الناس لفكرة تأثير الطفولة ليست دليلًا على ضعف هذه الفكرة، بل على مدى عمقها وتهديدها لـ "صورة الذات المستقلة" التي بنيناها لاحقًا. من الأسهل أن نتصور قراراتنا نابعة منّا، لا من طفل جُرِح أو خُذل في وقتٍ ما.

هذه المقاومة وتجذرها وأيضًا فكرة "تقديس الأبوين" عند البعض وعدم الرغبة في لومهما على أخطاء الماضي أو تقصيرهما في شيء من التربية أو تقديم الرعاية المناسبة أو توفير الاحتياجات المطلوبة منهما.

كثير من الأشخاص الذين أعرفهم ممن كانوا يعانون من قسوة آبائهم عند تربيتهم دائما ما يقولون أنهم إذا أنجبوا أطفال فأنهم سيحرصون على ألا يعاملوا أطفالهم بنفس الطريقة التي كان يعاملهم بها آباؤهم، ولكن مع مرور الوقت اجد صفات آبائهم السلبية تتكون بداخلهم شيئا فشيئا إلى أن يصبحوا نسخا منهم، وإذا ما أخبرتهم بذلك إما سينكروا تماما ويقولوا أن الوضع مختلف، أو أنهم سيبررون ما كا يفعله أباؤهم. الأمر فعلا يحدث بتلقائية تامة وببطء شديد، فتبدأ تلك السلوكيات والأفكار تتسلل شيئا فشيئا إلى أن تسيطر على وعي الشخص بالكامل، لكن ما يشغلني هو ما سبب ذلك؟ هل للوراثة علاقة بذلك ام أنها عوامل بيئية ونفسية فقط؟

ما وصفته يُسمّى في علم النفس أحيانًا بـ "التكرار القهري" أو "الإعادة القسرية للنمط". وهو ميل غير واعٍ لتكرار أنماط العلاقات التي نشأنا فيها، حتى إن كانت مؤلمة أو مرفوضة. ليس لأننا نوافق عليها، بل لأن العقل البشري يميل إلى المألوف أكثر من المريح. ما اعتدنا عليه في طفولتنا يصبح مرجعًا داخليًا نتصرّف من خلاله، خصوصًا في أوقات التوتر أو التحدي، حين لا يكون هناك وعي حاضر يوقف هذا التكرار.

الأمر لا يرتبط فقط بالوراثة الجينية، رغم أن للوراثة دورًا في الاستعدادات النفسية والعاطفية (مثل سرعة الانفعال أو المزاج القلق)، لكن الأساس الأقوى يكمن في البيئة النفسية والعاطفية التي نشأنا فيها. فالسلوكيات لا تُورَّث بالجينات وحدها، بل تُكتسب بالملاحظة والتكرار والتعايش معها يومًا بعد يوم.

التربية برأيي تتسلل في كل قرار وكل اختيار يعرض لنا حتى في وضعنا للأهداف وفي أحلامنا، هي مؤثرة وفاعلة طوال الوقت.

أما عن الكيفية فنحن في الصغر نكون ونخزن المدركات التي نحكم ونفكر بها من خلال التفاعل مع الأسرة والبيئة بالتدريج، لذلك تكون للتربية نصيب كبير في تكوين المدركات التي نحكم بها

فمن تجاربكم، كيف تسللت التربية إلى قراراتكم؟

أحيانًا أجد نفسي أعتذر كثيرًا، أو أختار السلام بدل المواجهة، وأقول لنفسي "أنا فقط أحب الهدوء"، لكن في الحقيقة هذا صوت الطفلة التي كانت تحاول ترضي الجميع حتى لا تلام، التربية شكلت ردود أفعالي، وذوقي في الناس، وحتى طريقتي في حل الخلافات، أكتشف كل يوم نسخة صغيرة مني تظهر فجأة أنها مازالت موجودة.

الاعتذار المفرط، تجنّب الخلافات، وحتى ما نسميه "حب الهدوء"، قد يكون في العمق تعبيرًا عن جرح قديم لم يُلتفت إليه بما يكفي. ما الذي أدى إلى ذلك؟

فعلاً كثير من قراراتنا "الواعية" ما هي إلا استجابات تلقائية لأنماط تربينا عليها، دون ما ننتبه.

عن نفسي، لاحظت إن كثير من اختياراتي في العلاقات – سواء المهنية أو الشخصية – كانت تدور في نفس الدائرة: إرضاء الآخرين، تقديم احتياجاتهم على احتياجاتي، والسكوت عن أشياء تزعجني حتى لا أُغضب أحد.

لفترة طويلة كنت أظن إن دا نوع من النضج أو القوة، لكن مع الوقت اكتشفت إنه "نمط مألوف" نشأت عليه… تعلمت إن القبول يعني السكوت، وإن الحب يعني التضحية المستمرة.

و كيف تغلبت على ذلك؟

تعلمت قول (لا)

كلماتك لامست وجعًا صامتًا نحمله دون أن ندرك مصدره وتوصيفك الدقيق لتأثير الطفولة والبرمجة النفسية اللاواعية يكشف عن وعي عميق بتعقيد النفس البشرية

نعم كثير من قراراتنا التي نظنها حرة ومستقلة تكون في الحقيقة تكرارًا لأنماط تعلّمناها دون وعي عبر تجاربنا الأولى مع الحب والقرب والألم والتقدير

شخصيًا لم أدرك إلا متأخرًا أن بعض اختياراتي في العلاقات والعمل كانت انعكاسًا لرغبة دفينة في إثبات نفسي لأشخاص لم يعودوا موجودين في حياتي أو لمحاولة كسب رضا داخلي نشأ من شعور مزمن بعدم الكفاية

التربية لا تنتهي بانتهاء الطفولة بل تمتد كظل طويل يرافقنا أحيانًا بخفة وأحيانًا بثقل والتحرر من هذه البرمجة لا يعني بالضرورة محو الماضي بل يتطلب وعيًا وشجاعة ومواجهة للنسخ الصغيرة بداخلنا التي تحاول فقط أن تُحب وتشعر بالأمان

شكرًا لك على هذا الطرح العميق فهو ليس مجرد تساؤل بل دعوة لمصالحة أنفسنا وإعادة النظر في ما نظنه اختيارًا حرًا

كأنك وضعت يدك على الجرح ذاته الذي نحاول جميعًا وصفه دون أن نعرف من أين يبدأ. نعم، تلك القرارات التي نظنها حرة، ليست دائمًا كذلك، بل كثيرًا ما تكون رسائل مؤجلة نحاول إيصالها لأشباح قديمة سكنت طفولتنا وغابت عن حاضرنا، لكن أثرها ما زال يوجّه البوصلة.

توصيفك لـ"الرغبة في إثبات النفس لأشخاص لم يعودوا موجودين" مؤلم بقدر ما هو حقيقي، لأنه يختصر كمّ التناقض الذي نعيشه: نحيا باسمنا، لكن نُرضي غيابًا. نكبر في السن، لكن لا نزال نبحث عن قبولٍ حُرمنا منه باكرًا. والتربية فعلاً لا تُغادر مع السنوات، بل تتحوّل من سلطة خارجية إلى صوت داخلي قد يُعيد إنتاج المعاناة بشكل أكثر لطفًا... أو أكثر قسوة.

ما كتبته يلامس جوهر التجربة الإنسانية في أعمق تجلياتها

أنت لا تصف فقط مشاعر مبعثرة بل تضع إصبعك بدقة على تلك الجروح الخفية التي نحملها معنا في رحلتنا دون أن نعي كيف تعيد تشكيل قراراتنا مواقفنا وحتى أحلامنا

نعم إن السعي لإثبات الذات لمن لم يعودوا موجودين هو مأساة متخفية خلف أقنعة الإنجاز

نبدو أحرارًا في اختياراتنا لكننا في الحقيقة نحاور ماضينا بصوت الحاضر ونطيل الحديث مع أشباح لم تعد ترى لكننا نصر على أن تسمع

والتربية كما وصفتها لا تنتهي بل تتلبسنا تندس في دواخلنا وتعيد تشكيل وعينا فإما أن تلهمنا أو تقيدنا

شكرا لك على هذا التأمل العميق هو ليس مجرد وصف بل مرآة صافية نرى فيها أنفسنا كما هي دون تجميل أو إنكار

دمت قلما ينير العتمات بلطف الحكمة وصدق الإحساس

الكثير من قراراتي لم تكن نابعة من وعيٍ صادقٍ أو رغبة حقيقية مني، بل كانت انعكاسًا لما تربيت عليه وما نشأت عليه منذ الصغر. كثيرًا ما وجدت نفسي أكرر أنماطًا وسلوكيات ورثتها من بيئتي، أضحّي براحتي وأحلامي في سبيل إرضاء الآخرين أو خوفًا من رفضهم، دون أن أدرك أنني بذلك أبتعد عن حقيقتي.

حين أدركت هذا الأمر، شعرت وكأنني أبدأ رحلة تحرير نفسي من هذه القيود غير المرئية. بدأت أُراجع قراراتي، وأختبرها: هل هي تعبر عن نفسي الحقيقية أم مجرد صدى لماضيّ؟ صار هدفي أن أبني لنفسي قواعد جديدة وأرضًا أستند عليها، بعيدًا عن القيود التي فرضتها عليّ ذكريات الطفولة.

ليس الأمر سهلاً، ولا زلت أتعلم كيف أكون أكثر وعيًا بنفسي، لكنني أؤمن أن هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو اختيار قراراتي بحُرية وصدق.

فعلا يا شهد، التحرر لا يبدأ من الخارج، بل من تلك اللحظة التي نُمسك فيها الخيط ونعود إلى الوراء، نُضيء الزوايا المظلمة التي ظنناها مجرد تفاصيل في الماضي، لندرك أنها كانت تتحكم بالحاضر.

ما فعله وعيك هو إعادة التوازن: مراجعة النوايا قبل القرارات، ومحاولة الفصل بين الرغبة والواجب المتوارث. وهذا لا يُلغِي التربية أو ينكر أثرها، بل يُعيد ترتيب العلاقة معها، لتكون مرجعًا نفهمه لا قيدًا نُكرّره