كيف نتعامل مع الفقد؟

إذا كان الأمل = الحياة، فانعدام الأمل = الموت. وهذا واقع، فكثيرًا نظن أننا سنموت لا محالة بفراق شخص عزيز. قد نستمر أحياءً، ولكن القلب تبقى به غصّة من الصعب محوها. بمجرد عودة ذكرياتهم إلى عقولنا تحدث تلك الغصّة، بل القهر، لأن لا مجال لرؤيتهم مرة ثانية وحتى الممات الفعلي.

وليس شرطًا أن يكون المفقود بالموت، ولكن قد يكون على قيد الحياة، ولكن سبل التواصل هي ما تقطعت بنا.

أن نستمر بالحياة بعد فقدان من أحببناهم لهي معركة كبيرة، ولكننا مجبرين على خوضها، ذلك أن اللعب ليس اختيارًا هنا.

من فترة قريبة أُجبرتني الحياة على فقدان شخص عزيز، وعشت بعده ميتةً، ولكني لم أستطع العثور على زر الانسحاب من اللعبة فعزمت على بدء رحلتي بالاستشفاء وتوثيقها لتكون شاهدًا على قوتي لاحقًا، وهذه بعض الخطوات التي قرأت عنها لتخطي تلك المحنة:

مبدأيًا إذا كانت ذكرى الشخص تحزننا فلنتخلَ عن كل ما يذكّرنا به سواء كانت الأماكن أو الصور. لا قلق! هذه الخطوة ضرورية إلى أن نتعافى قليلًا، فلا يتعافى المرء في نفس البيئة التي مرض بها.

الأمر الثاني هو عدم البقاء وحيدًا، فالوحدة دافع كبير للحزن وتراكم الأوجاع.

ثالثًا: التمسك بالأمل في اللقاء إذا كان موجودًا سواء في الحقيقة أو من المنظور الديني.

الأمر الأخير - وأحبذ ألا يستولي على الشخص بالكامل دون الخطوات الأخرى- هو محاولة الانشغال قدر الإمكان لمنع التفكير المفرط فيما حدث وماذا لو لم يحدث وأمور أخرى لا داعي لها.

بعد فترة من الزمن يبدأ الشخص في التعامل مع الفقدان والاعتراف به والتسليم له والتصديق بأنه لا زالت لديه الفرصة لمقابلة آخرين ممن لديهم القدرة على إضفاء السعادة إلى حياته، ويظل حاملًا من فقده في قلبه إلى أن يأذن القدر بانتهاء عمره.

هل سبق لكم فقدان شخص عزيز؟ كيف استطعتم تخطي الأمر والاستمرار بالحياة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

في أحد الأيام اضطررت لفراق شخص عزيز جداً، عشنا سوياً أكثر من خمس سنوات يومياً نتقاسم مقاعد الدراسة ولم يظن أحدنا أنه سيبتعد عن الآخر، لكن بالنهاية حصل ما لم يكن متوقعاً وافترقنا لأسباب عديدة كان أهمها أن نسلك طرائق مختلفة في سعينا للمستقبل. توصلت لقناعة جمة بعدها وهو أن علينا أن نهيئ أنفسنا للفقد قبل وقوعه وذلك من منطلق الحديث (عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق) وحديث آخر (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما).

raghd_agaafar أضف ردا

نعم الفراق حادث لا محالة، هو مُؤجَل فقط، ولا داعي للهرب من تلك الحقيقة.

قبل حادثة الفراق التي تعرضتُ لها كنت شخصًا يخشى الفراق كثيرًا، ويكره الحديث عنه، ولكني توصلت من فترة قريبة لقناعة شخصية بأن الحديث عن موضوع الفراق لا بُد حتمًا أن يشغل حيزًا من الحديث بين أي اثنين أيًا كانت علاقتهما -طالما أنها علاقة مُقربة.

يجب الحديث عن كيف سيعيش الطرف الآخر بعد وقوع الفراق، وكيف سيستمر في حياته. لا أعتقد أنني إذا أحببت شخصًا سأود أن أعرف أنه يعاني بعد فراقنا. نحن نهرب كثيرًا من الحديث في تلك الموضوعات لأنها مؤلمة، ولكنها بلا شك ضرورية، وتحمل الوجع للحظة أفضل من محاولة تحمله عمر كامل.

طرح جيد، بحيث يمكنهم التوصل لبعض الأساليب التي تعينهم على تحمل الفراق وتحمل تبعاته.

لكن قد يولد ذلك خوفاً متزايد بالفقد كلما تكرر الحديث عنه، برأيي.

نعم، سلسلة فقدان في سنة واحدة فقدت 4أشخاص !

جدتي، أمي الثانية، .. والحكاية الأخرى أننا كنا 3أصدقاء، وصديقي الآخرين كانا على ارتباط، بنية الزواج، ثم هو غرق في يوم زفافها وهي تزوجت شخصا آخر ولم تعد تحادثني..

كان ذلك أقسى فقد ربما، أسميها سنة الفقد أنا.. تعاملت معه بالٱنشغال بذاتي، والعمل عليها لم أترك لنفسي فسحة تنفس، كنت أعمل أقرأ أفعل أي شيء ، لكي لا أفكر في الموضوع.. والحمد لله تجاوزته نسبيا على الأقل.

سؤالي هو للناس الذين كيف يستطيعون الهروب من الواقع بالنوم، فمهما حاولت لم أفلح في ذلك؟؟

raghd_agaafar أضف ردا

من الجيد أنكِ لم تفلحي، فلا أعتقد أنها وسيلة صحية للهروب من الواقع. الهروب من الواقع في حد ذاته لا يجب أن يكون على قائمة الاختيارات. لماذا تسعين إلى شيء كهذا؟

هؤلاء مثلهم مثل الأشخاص الذين يدمنون على المخدرات مثلًا، فهم أيضًا يحاولون الهروب من الواقع ولكن بطريقة مختلفة.

الأفضل من الهروب هو المواجهة ومحاولة إدخال الأمور في مسارها الصحيح، وتقبل فكرة أنّ الحياة لم تُخلق للراحة أو السعادة.

الفقد في الموت يبدو أسوأ لكونك شبه متأكد أنك غير قادر على مقابلة هذا الشخص الذي أحببته ولن تقابله به مرة أخرى في تلك الحياة ، ولكن الحقيقة أن فقد عزيز في الحقيقة أسوأ بكثير ، فالموت لم تطلبه وتعرف أنه ربما يأتي هذا اليوم الذي تلتقي فيه بمن تحب ثانيتاً ولكن في حياة أخرى ، أم الفقد لعزيز عليك في الحياة بالأخص ذلك الأنفصال الأبدي لخلاف ما مع صديق أو حبيب أو قريب يجعلك تشعر طوال الوقت الذي تتذكر فيه أو تقابله صدفة كم أن تلك الحياة قاسية وسيئة وتسخر منك بطرق مختلفة وكل ما تؤمن به من صدق وحب و وفاء ، لكن أصعب شيء هو أن يتكرر هذا الفقد مع أكثر من شخص بمرور الوقت والزمن تدرك أن الأصل في الحياة هو الفقد .. فقد الحب .. فقد الصداقة .. فقد القرابة .. فقد العمر ... أن الموضوع شديد القسوة وهو ليس معك فقط بل مع كل من حولك

أدعو الله أن لا يفقد أحد عزيز عليه ... وأختار بعناية الشخص الذي تقربه منك حتى لا تعاني من مرارة فقده
raghd_agaafar أضف ردا
الفقد في الموت يبدو أسوأ لكونك شبه متأكد أنك غير قادر على مقابلة هذا الشخص

أرى العكس، الفقد في الموت يبدو أهون؛ لأننا على الصعيد المعتقدي نمتلك قناعة مؤكدة بأن ثمة حياة أبدية لا نهائية في مكان أفضل، وأن الدنيا ما هي إلا دار ممر وليست دار مقر.

أما فقدان شخص بالبُعد وقطيعة التواصل يجعل ما تبقى من الحياة يمر ثقيلًا. ثقيلًا جدًا.

Mohamed_hosny أضف ردا

هذا هو ما قلته يا أستاذة رغد وأتفق معك فيه فقط قومي بقراءة ما كتبته مرة أخرى و أعتذر إن كنت قمت بصياغته بشكل يصعب فهمه

هل قرأت نموذج كيوبلر روس أو ما يطلق عليه مراحل الحزن الخمسة من قبل؟ إنه يشير إلى الإنسان يمر بخمس مراحل عند الحزن في حياته، ومنها عند فقدان شخص عزيز، تبدأ بالإنكار وتنتهي بالتقبل، وبالطبع تمر بالغضب والمساومة والاكتئاب، وأظن أن الفترة التي تتحدثين عنها هي فترة الاكتئاب والتي ستتحول إلى تقبل واستمرار في النهاية.

بالطبع لن أقول أن الإنسان يمكنه أن يتجاوز الأمور بسرعة، لكنه سيتجاوز في النهاية، المهم كيف نسعى لأن نسرع العملية، فالحياة فانية وسريعة كما ترين من حولك، وأن يكون الإنسان على يقين بأن الحياة فانية وعابرة وأن الدائم وحده هو الله سيمكنه من تخفيف وطأة الحدث عليه، وسيتوقف عن التفكير أن الدنيا توقفت عند شخص واحد.

أن يدرك الإنسان قيمة الناس الآخرين الذين يحبونه بالفعل ويسعون إلى رضاه خطوة أولى مهمة لتجاوز الفقد، فقد يظن الإنسان أن الدنيا توقفت عن الدوران بعد أحدهم لكنها مستمرة وهناك من يحاول كثيرًا لإجله ولكنه لا يراه.

الخطوة الثانية أن تعيشي المرحلة بكل ما فيها، أن تعبري عن حزنك، وبالطبع أن تستمري في السعي للتغيير والإنجاز وخلق علاقات جيدة، إضافة البحث عن وقت للمتعة مثل ممارسة الرياضة والتأمل أو صنع الحلويات والطبخ أو السفر أو القراءة وغيرها من الأفكار التي قد تنعش تفكيرك ومشاعرك تجاه الحياة.

وإذا كان هناك شيء يمكن تعلمه من تجارب الفقد القاسية فسيكون تقدير قيمة العلاقات القريبة الموجودة في حياتنا قبل زوالها.

أظن أن الفترة التي تتحدثين عنها هي فترة الاكتئاب والتي ستتحول إلى تقبل واستمرار في النهاية.

أعتقد أنكِ صنفتِ المرحلة التي أمر بها بشكل صحيح، هي المرحلة الرابعة، وأهم سماتها:

  • هدوء غير طبيعي في التعامل مع الأمور الحياتية.
  • عدم الرغبة في الحديث.
  • البكاء المتكرر.
  • قلة الطاقة والحماس في العموم.

أعتقد أنّه مهما تجهزنا من أجل مواجهة فقد الأحبّة فإنّ حصول الفقدان سيحدث حالة من الإرباك والصدمة. لو كان شرف النسيان متاحًا منذ اليوم الأوّل لكانت الأمور أفضل ولكن النسيان نعمة لا يحصدها الواحد منا بالسهولة التي يريدها. النسيان مقرون بالأيام التي وحدها عندما تمر تصبح الآلام والفقدان مجرد ذكريات لا أكثر. وحول تخطي الفقدان فإنّه يكون من خلال غرس عادات جديدة تكون بمثابة البديل الصحي" للجزن والألم. فيمكن الانكباب على مطالعة الكتب وملاقة الصديق الذي نجد أنفسنا معه أو من خلال بناء علاقات اجتماعية جديدة تساعد في النسيان,

raghd_agaafar أضف ردا
أعتقد أنّه مهما تجهزنا من أجل مواجهة فقد الأحبّة فإنّ حصول الفقدان سيحدث حالة من الإرباك والصدمة.

لا بل سيكون وقع الأمر أخف عند الاستعداد. قبل وفاة جدتي -رحمها الله- كان الجميع قد عَلِم بمرضها، فتوقعوا أن ترحل في أي لحظة، وأبي بالذات بدأ يتجهز لهذا الأمر نفسيًا ومن نواحي أخرى لكن بالطبع دون أن تشعر بذلك ، حتى إذا توفاها الله لم يكن الأمر صدمةً -بالنسبة له- واستطاع تجاوزه لأن كان مهيئًا لذلك.

أنا كذلك لديّ تجارب بخصوص التهيئة النفسية قبل وقوع الفراق، وأجد أنها نجحت معي في تخطي الأمر. الإرباك والصدمة درجات فأن نعيش حالة خفيفة أو متوسطة منها سيكون أفضل من عيش حالة قاسية.

لا أراكِ ذكرتِ الحق في البكاء والألم والحزن في بداية مراحل الفقد يا رغدة، كنت أحضر عزاءً إثر وفاة رجل شاب بالأمس، كانت السيدات المعزيات يبذلن جهدًا مضنيًا في إسكات زوجته وابنته كلما بكت إحداهما، لدرجة أنهم فصلوا الأطفال عن الأم ليلة كاملة منذ وقوع الوفاة وحتى اليوم التالي بحجة أن رؤيتهم لبعضهم البعض سيجعلهم يبكون!

في الواقع لم أفهم ما المشكلة إذا بكوا وحزنوا؟ فقدوا أباهم وحُقّ لهم البكاء!

أتفق معك في مراحل الاستشفاء التي ذكرتها؛ الأمر يبدأ بالتخلص مما ينعش الذكريات وصولا إلا التصالح مع الذات وقبول الفكرة الحتمية التي لا مفر منها.

ما يمكن أن أضيفه هو أن الشخص الذي سيمر بهذه المراحل سيكون العليل والمداوي في الوقت آنه وهذا لا يصح، يشتهر في كليات الطب قول: "الأطباء هم أسوء أنواع المرضى"، وفي كليات علم النفس يكون أول درس "أثناء بحثك في أعراض أي حالة نفسية لا تقم أبدا بتحليل حالته فستجد حتما كل علة تنطبق عليك"

مرد ذلك هو طبيعة العلوم الإنسانية، الإنسان فيها هو الباحث والبحث في الوقت ذاته، ذلك أمر يصعب الوصول إلى موضوعية كلية، فالقيام بعملية الاستشفاء التي ذكرتها يتطلب وجود مقيّم أو مراقب سواء أخصائي نفساني أو حتى صديق ملم بالأمور تلك.