نعمة العودة إلى المدرسة

حلّ العام الدراسي الجديد، فتنفّست الصعداء. لم يعد البيت ساحة ملاهي بلا إقفال ولا “كرت دخول”، ولم أعد مضطراً لمطاردة أولادي حتى منتصف الليل لأقنعهم أن النوم ليس عقوبة جماعية. فجأة صاروا يستيقظون باكراً بنشاط، يلبسون ثياب المدرسة كما لو كانوا جنوداً في طابور عرض، ويعودون مساءً وقد استُنزفت طاقاتهم كاملة، فلا وقت لديهم لمفاوضات “خمس دقائق زيادة يا بابا”. ما أن يتعشّوا حتى يسقطوا نياماً، وكأن المدرسة زوّدتهم بزرّ “الإطفاء التلقائي”.

هذا الجيل محظوظ… كل شيء جاهز: ألعاب إلكترونية، مقاطع فيديو، تطبيقات لا تُحصى. ومع ذلك، لا ينتهي سيل طلباتهم. أما نحن فكنّا “شعوباً مكتفية ذاتياً” في الترفيه: نلعب بالحجارة، نرسم خطوطاً على الأرض ونسميها ملعباً، نخترع من علبة معدنية كرة قدم رسمية. كنّا نضحك من قلوبنا، رغم أن جيوبنا فارغة. اليوم؟ ضحكات الأولاد مرتبطة بسرعة الإنترنت!

ومع ذلك، لا يمكن إنكار فضل المدرسة. فهي وإن بدت كالثكنة العسكرية بانضباطها وجرسها الذي يذكرك بصفارات الإنذار، فإنها كانت ولا تزال تصنع النظام من الفوضى. أذكر نفسي طالباً؛ الاستيقاظ المبكر كان أشبه بمهمة انتحارية. كنت أفتح عيني نصف فتحة وأحاول إقناع أمي أن الساعة ما زالت ليلاً! ثم أصل الصف متثاقلاً، فإذا بالحصة الأولى لغة فرنسية! يا لها من قسوة: قواعد معقّدة، أفعال تُصرَّف كما لو كانت لعبة ألغاز، ومعلمة تتحدث بسرعة تفوق سرعة فهمي بعشر مرات. كنت أحارب النعاس، لكن بصراحة، النعاس كان دائماً ينتصر.

ورغم تلك المعاناة، لا أنكر أن ذكريات المدرسة تحمل حنيناً خاصاً، خليطاً من تعب الصباح وضحكات الفسحة ومغامرات الحصص الفارغة. فحقاً، المدرسة مثل القهوة: مرة الطعم… لكنها توقظك وتشكل يومك.

فماذا عنكم أنتم؟ هل كانت مدرستكم جنة الذكريات أم ساحة معارك مع النعاس والمعلمين؟ وما الموقف الذي لا يزال يضحككم أو يحرجكم حتى اليوم؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شخصيًّا، لا أحب ذكريات المدرسة أبدًا، بل لا أحب أن أتذكَّر أيَّ شيءٍ من فترة طفولتي، الكثير يرون الطفولة على أنَّها الفترة الذهبيَّة الأسعد في حياة الإنسان، لكنَّ الأمر مختلفٌ بالنسبة لي، فلا أراها سوى فترة تيهٍ لا يدرك المرء فيها شيئًا و لا يملك لنفسه شيئًا، حتَّى قراره لا يملكه، كما أشعر أنَّها فترةٌ مهينة، فأنت فيها تقوم بالكثير من الأخطاء لأنك لست إلَّا طفلًا شهوانيًّا لا يرضى إلَّا بما يريد و فقط، رغم أنَّني كنت في طفولتي متفوقًا دراسيًّا و أغلب ذكرياتي بها سعيدةٌ، و لكن حتىَّ هذا لا يكفي لجعلي أريد تذكُّرها، أفضِّل فترة الجامعة عنها كثيرًا، فأشعر أنَّها البداية الحقيقيَّة لحياة الإنسان و حرِّيَّته و استقلاله و نضج أفكاره.

وصفك جعلني اشعر بكل التفاصيل أوافقك أن المدرسة رغم صرامتها وانضباطها كانت تصنع النظام من الفوضى وتعلمنا الالتزام والاستيقاظ المبكر وحتى تحمل المسؤولية الصغيرة يوميًا ذكريات المدرسة مليئة بمزيج من المتعة والمعاناة والضحك العابِر جمال المدرسة لا يقتصر على التعليم فقط بل على تكوين شخصية الطفل وتنمية قدراته على التعامل مع الآخرين والمواقف المختلفة التجارب الصغيرة اليومية سواء في الفصول أو الفسحة تبني فينا مهارات تنظيم الوقت وحل المشكلات وتعلم الصبر وروح المنافسة البسيطة بين الطلاب تضيف للذكريات نكهة خاصة تجعلها لا تُنسى حتى مع صعوباتها تبقى المدرسة مرحلة مؤثرة تشكل أساسا لسلوكنا ومهاراتنا المستقبلية

موضوعك يصف بصورة قوية الفرق بين مشاعر جيلين الأول كان يعتبر الذهاب للمدرسة عقوبة جماعية والآخر أصبح يحب أن يكون كل شيء في حياته متحكمًا فيه عن بعد. ولذا أتساءل هل التكنولوجيا جعلت حياتنا أسهل أم أكثر تعقيدًا؟ وهل ذكرياتنا المدرسية القديمة أصبحت مجرد حكايات تحكى من الماضي؟ 

وصفك جعلني أشعر بالحنين ، لاسيما وأني لاول عام في حياتي لا أكون معنية بالدخول المدرسي كطالبة ، وكم اشعر بافتقاد لهذا.

مع أني كنت اتعرض للتمنر بشكل مستمر في المدرسة في الصغر، مع ذلك كانت المدرسة هي المكان الذي تعلمت فيه العديد من الأحاسيس الجميلة، لقد شعرت بالحب لأول مرة هنا، عرفت الصداقة لأول مرة هناك، عرفت الوقت والإلتزام هناك، أيضا عرفت التمرد والثورة هناك ، التميز والتفرد ..الخ .

للمدرسة عيوب كثيرة جدا، لكنها أيضا لذيها ميزات جميلة يصعب إيجادها في مكان آخر.

قرأت منشورك وشعرت بصدق كل كلمة فيه. المدرسة كانت مزيجًا من التعب والضحك والمغامرات الصغيرة. أذكر أيضًا محاولتي مقاومة النعاس في الحصة الأولى وضحكاتي الخفية مع أصدقائي على مواقف لا أنساها حتى اليوم.

كلامك حقيقي أثار بداخلي ذكريات المدرسة والتي كانت خليطًا من السعادة والحزن كالفرح باللعب والضحك مع الأصدقاء في الفسحة وفرحتنا التي لا تنتهي عند الذهاب في رحلة مدرسية مع أصدقاء المدرسة، وكذلك لا أنسى القلق قبل الامتحانات والحزن عند فراق زملاء انتقلوا لمدارس في مكان آخر لكن في النهاية ستبقى تلك الذكريات المليئة بالتفاصيل التي تحيا بداخلنا.

ما كنت أكرهه في أيام التلمذة الاستيقاظ مبكرا وخاصة في الشتاء القارس! كنا كصغار ننفخ في ايدينا لعل بعض الدفء يصيبها قبل أن تتجمد! ثم كان علينا أن نمشي مسافة كنت أحسبها طويلة وقتها ثم مدرس الحساب وما أدراك ما الحساب وقتها! كنت أكرهه ولم اكن أفهم فيه شيئا ثم الألف المد وكيف كنت أضع في كل كلمة تقريباً ألفًا لأتحاشى تهزيق المعلم لي فقال لي ضحكًا ذات مرة: لا أعلم لماذ تحب الألفات الكثيرة؟! هذه الأيام كانت مصيبتي وقتها وكانت ثقيلة في وقتها أما الآن فهي حنين في حنين لأنها تحمل طابع الطفولة البريئة الذي لم نعد نحمل منه سوى الذكريات الباهتة.