حين عشت وحدي في بلد أجنبي، أدركت أن الغربة بجانب كونها حنين أو وحدة، فهي امتحان يومي لإدارة النفس والمال. هناك، أنت بعيد عن أهلك وأصدقائك، ولا أحد يذكّرك بمواعيد الإيجار، ولا من يلوّح لك إذا اقتربت من الإفلاس.
أذكر أنني وصلت وفي جيبي مبلغ كبير نسبيًا، لكنني حتى اليوم لا أعرف أين تبخر وسط تفاصيل الحياة، ولماذا لم أستغله بالشكل الأفضل. كان المال يخرج من يدي بسهولة، ربما لأنني لم أتعلم يومًا كيف أتحكم فيه، أو لأنني كنت أتعامل معه وكأنه مورد لا ينضب.
قبل السفر، درست قوانين نيوتن، وحللت نصوصًا أدبية، وحفظت معادلات رياضية… لكن لم يقل لنا أحد كيف نتعامل مع أول راتب، أو كيف نوزّع المال على احتياجاتنا، أو كيف نتفادى الإغراءات التي تبتلع ما في الجيب قبل منتصف الشهر.
هناك، جاء أول درس مالي حقيقي: أن تبحث عن مصدر دخل يظل يتدفق حتى وأنت نائم، أو مريض، أو مسافر. دخلٌ لا يعتمد على مجهودك المباشر، بل على فكرة أو أصل أو مشروع أو مهارة تعمل بالنيابة عنك. فالحياة لا تمنحك دائمًا القدرة على العمل بنفس الوتيرة، والاعتماد الكلي على راتبك يشبه السير على حبل مشدود بلا شبكة أمان تحته.
اليوم، كلما استرجعت تلك الفترة، أسأل نفسي: لماذا نترك الشباب يكتشفون هذه الحقيقة بعد أن يذوقوا مرارة الانقطاع عن العمل، بينما يمكن أن تكون هذه المهارة جزءًا من التعليم الأساسي، مثل القراءة والكتابة؟