لماذا لا يستطيع العالم العيش بلا إله؟

تطرح الأنثروبولوجيا البنيوية والرمزية إشكالية عويصة حول طبيعة التفكير البشري، حيث يتصادم تياران في تفسير نشأة الوعي بالمقدس وتشكيل الهوية الثقافية. الفكرة الأولى تتبنى التفسير الوظيفي المادي، وترى أن الإنسان كائن محكوم ببيولوجيا البقاء، وما الثقافة والدين إلا أدوات تقنية طورها العقل لتنظيم القلق الوجودي وتأمين التماسك الاجتماعي. المثال الأبرز هنا هو تحليل طقوس تقديم القربان في المجتمعات البدائية؛ حيث يفسرها هذا التيار كآلية لتصريف العنف الداخلي للجماعة وتوجيهه نحو ضحية رمزية للحفاظ على السلم الأهلي، أي أن المقدس هنا هو اختراع وظيفي بحت لخدمة البقاء المادي.

أما الفكرة الثانية، وهي الأكثر تعقيداً وحيرة، فتقوم على المنهج الفينومينولوجي الذي يرى أن الإنسان يمتلك بنية عقلية سابقة على التجربة المادية، وهي بنية التجاوز أو التعالي. هذا التيار يجادل بأن الوعي البشري ليس صفحة بيضاء تكتب عليها الطبيعة قوانينها، بل هو وعي مجهز قبلياً للبحث عن المطلق. المثال القاطع هنا هو ظاهرة الدفن الجنائزي المبكر عند إنسان نياندرتال؛ فوضع الزهور أو الأدوات مع الميت لا يخدم أي غرض بيولوجي أو مادي للبقاء، بل يمثل انقطاعاً معرفياً مع عالم المادة وبداية التفكير في عالم الغيب. هنا يظهر أن الإيمان ليس نتاجاً للمجتمع، بل هو الشرط الذي جعل الاجتماع البشري ممكناً أصلاً.

الحيرة الحقيقية تكمن في أن كلاً من التفسيرين يمتلك أدلته القوية؛ فالماديون يستدعون معطيات علم الأعصاب لربط التجارب الروحية بنشاطات كهربائية في الفص الصدغي للدماغ، بينما يستدعي الفلاسفة والأنثروبولوجيون الرمزيون حقيقة أن العقل البشري يرفض العدمية ويصنع المعنى حتى في أقسى الظروف المادية. هذا التعارض يضعنا أمام كائن ثنائي الطبيعة بامتياز، فهو حيوان خاضع لقوانين التطور والانتخاب الطبيعي، وفي الوقت ذاته هو كائن ميتافيزيقي يرفض أن يُختصر في جيناته، مما يجعل دراسة الإنسان عصية على الاختزال في مختبر أو صيغة رياضية واحدة.

النزاهة العلمية تقتضي الاعتراف بأننا أمام فجوة معرفية بين ما هو فيزيائي وما هو رمزي؛ فالعلم يفسر كيف يأكل الإنسان وكيف يتكاثر، لكنه يقف عاجزاً عن تفسير لماذا يموت الإنسان صائماً من أجل فكرة، أو لماذا يقدس مكاناً لا يمنحه طعاماً ولا مأوى. هذا الانفصال عن المنطق المادي هو الجوهر الحقيقي للأنثروبولوجيا، وهو ما يجعل الإنسان لغزاً مستمراً يبحث عن نفسه في مرايا الثقافات المختلفة، بين ضرورة الجسد وحرية الروح.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

سبحان الله كنت أفكر في أمر مشابه منذ أيام، والإجابة التي ربما خلصت لها هي أن البشر عاشوا لسنوات طويلة حياة بدائية حيوانية قائمة على الغريزة والتطور والتكيف مع البيئة مع قليل من المعرفة، ثم حدث خلق آدم وتكليفه _الذي أعتقد أنه هو أول إنسان عاقل، أو أول رسول أرسل لنوع الإنسان العاقل_، لأن العلم نفسه يقول أن هناك فجوة وتغيير ثقافي ولغوي كبير حدث للبشر مع ظهور الإنسان العاقل، وهذا تفسيره أن هناك مصدر معرفة أعلى مده بتلك المعرفة والعلم والثقافة والقدرة على تخيل أمور ليست موجودة ببيئته، والتفكير بشكل موسع في الموت والبعث.

برأيي الإيمان يلبي حاجة نفسية فطرية للإنسان، بعيدًا عن الثقافة أو الدين أو البيولوجيا. هو يمنحنا شعور بالاستقرار والانسجام ويساعدنا نواجهه شعور العجز أو الفراغ الداخلي وتقلبات الحياة والمواقف الصعبة ويشعرنا بوجود شيء أكبر يمنح معنى لحياتنا.

قبل عدة شهور تابعت بودكاست للمهندس أمجد سمير يتحدث به عن فهم الإنسان للتحرر، أغلبنا يفهم أن التحرر هو قدرتك على أن تفعل كل ما تريد دون الخضوع لأي رادع أو عقوبة، ويخفى على كل من يفهم هذا الفهم أنه بذلك عبدًا لهواه!

والإنسان بطبيعته خطّاء ولا يمكن لأحد إنكار ذلك، فتخيل أن تكون عبدًا لمن لا قدرة له على أن يكون الصّواب دائمًا؟

قال الله تعالى فيه كتابه الكريم: { أَفَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمࣲ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةࣰ فَمَن یَهۡدِیهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }

[سُورَةُ الجَاثِيَةِ: ٢٣]

لذلك فإن الإنسان بحاجة دائمًا لوجود من يدبّر له أمره، ولا يكون ذلك صنمًا يُشكّله بيديه ولا عبدًا أرسله الله رسولًا للناس ليهديهم إليه..

لا يكون إلا إله واحد لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

ولكن الروحانية لا تعني الاله دائما ، هناك حضارات مثل الصينية واليابانية ليس بها اله بالمعني الذي نعرفه .

عامة الصراع بين التفسير المادي والرمزي ليس ثنائية حاد، لأن كثيرًا من الدراسات الحديثة تميل إلى الدمج بين البعدين بدل اعتبارهما متناقضين. ودعني اوضح فكرة الدفن الجنائزي كدليل على وجود وعي ميتافيزيقي سابق غير حاسمًة، مثلا يمكن تفسيره أيضًا كامتداد لسلوكيات عاطفية أو رمزية تطورت تدريجيًا.

الطرح يفترض تعارضًا زائفًا بين التفسيرين، بينما يمكن فهمهما كمستويين لا كبديلين.

ربط المقدّس بالدماغ لا ينفي معناه، بل يفسّر شرط ظهوره، كما أن وجود المعنى لا يثبت بنية قبلية متعالية. البحث عن المطلق قد يكون نتيجة نقص بنيوي في الإنسان، لا دليلاً على امتلاكه.

أما الطقوس، فليست خروجًا عن المادي، بل تعبيرًا أكثر تعقيدًا عنه.

الإنسان ليس كائنًا منقسمًا بين بيولوجيا وروح، بل بنية واحدة تُنتج المعنى كما تُنتج الحاجة؛ والمقدّس يظهر عند هذا التقاطع، لا خارجه.