لماذا لابد ألا تخلو أعمالنا الأدبية من الخيال؟

 عندما يغمرنا الخيال في سرد تفاصيلنا الصغيرة والمبالغة في وصف الاشياء بجعلها احداث ذات أهمية تتربع على رأس تلك المواضيع التي تعكس ارواحنا ككتاب من ناحية ومن ناحية أخرى يجد القارئ فيها متنفساً وهو يتنقل بين أحداثها التي تجعله ينسى الماسي والاحزان المحاطة به واقعيا، يتمنى تارة لو عايش قصص شخصياته وتارة أخرى أن يرى حياته تتماشى مع قراءاته لرواياته المفضلة.

سطوة الخيال بين الحروف والكلمات عنصر مهم في العمل الأدبي، وما يجعلنا ندرك إبداع الكاتب هو قدرته في إيصال أحاسيس كانت مخبؤه ومعاني كانت محجوبة وعواطف كانت مكنونة، ولولا الاستعانة بلغة إيحائية لم استطعنا أن نغدي تفكيرنا على التخيل، واللغة وحدها لا تزيد من رصيدنا من كلمات وجمل فقط، بل في قدرتها في توسع مساحات مشاعرنا وأفاق تصوراتنا.

والأكيد أن هناك سائل يسأل، يا عفيفة هل جميع ما نكتبه لابد أن نضفي فيه جانبا من الخيال؟ مما لاشك فيه بأن ليس كل الكتاب يتمتعون بملكة الخيال وقادرين على إيصال أحاسيسهم ببناء شخصيات من درب الخيال تنجح في وصف ما يمرونه بهم، سنجد الأكيد من يميل لاختصار الوقت والجهد والتعبير عن أفكاره بوضوح وبساطة دون أن يتكبد عناء التشبيه والكناية خوفا ألا تفهم كلماته بالشكل الذي أراده أن يكون.

سيأتي سؤال أخر، كيف يمكننا إذن أن ننمي ملكة الخيال في الكتابة؟ في الحقيقة لا توجد خلطة سحرية كل شئ نابع من القراءات المتعددة والكتابة اليومية، فكلما زادت ساعات التدريب، كلما كانت النتائج أفضل.

ومن يريد أن يكون كاتبا عبقريا لابد أن يكون قارئا ملهما حساسا يستشعر ما يدور حوله ليس فقط لارتباطه بالكتب فقط، بل لذاته وللأحداث اليومية التي تدير به. تقول الكاتبة نورا الشفري " الكاتب لابد أن ستوحي إحساسه من الرؤية الحاذقة للحياة ثم ينقله بالكتابة تلك في ظني عبقرية القلم".

وكلما ظهرت أهمية توظيف الخيال في العمل الأدبي استشعرت أثره على الكاتب، فالكاتب الذي يملك خيال واسع يجد نفسه مندمج في عمله، يشعر كأن شخصياته من فلذة كبده. وهنا أتذكر ما حدث مع ماركيز وهو يكتب إحدى رواياته خرج من مكتبه مكفهر الوجه، فقالت له زوجته: هل مات العقيد؟ قال لها: نعم، ثم تهالك على الأريكة باكيا.. من وصل الى هذه الدرجة من الاندماج الأدبي؟

لو ننظر الى بدايات الروائي غابرييل غارسيا ماركيز نجد في أحد النصوص يتحدث عن قصته مع توظيف الخيال يقول " في أحد الليالي، أعارني صديق لي كتاب قصص قصيرة كتبها فرانك كافكا، عدت للمنزل وبدأت في قراءتها، صعقني السطر الأول، كنت متفاجئا تماما، بدأ الكتاب عندما استيقظ غريغور سامسا بعد ليلة مليئة بالأحلام المضطربة، وجد نفسه قد تحول بشكل ما في فراشه الى حشرة عملاقة.." وبعد قِرأته للكتاب لم يكن يعلم بأن باستطاعته سرد الأحداث بتوظيف الخيال ويضيف لو كان يعلم لبدأ الكتابة منذ زمن طويل جدا ومنذ تلك اللحظة شرع في كتابة القصص القصيرة.

ولمن يشعر باليأس لكونه لم ينجح الى الأن من توظيف الخيال في كتاباته، لا تيأس في اكتشاف ما يميل إليه قلمك أكثر، فهناك من يصلح للكتابة الواقعية وتشريح مشاكل المجتمع بتفاصيله في حين يعجز عن كتابة جملة تعبيرية واحدة، أما عن الكُتاب الذين ما زلوا على الطريق يحاولون فالأكيد سيصلون الى ما يسعون إليه، ولا يفوتني أن أختم أحرفي لما وصفه الرافعي وهو يصف أسلوب الشيخ محمد عبده ويقول: رأيت كتابة الشيخ أيام بدأ يكتب وهي لا تستحق أن تقرأ ولا تساوي شيئا، ولم تكد تمضي سنتين حتى تدفق في الكتابة" 

وخلاصة ذلك، لمن يريد أن يتميز بكتاباته سيصل ولو بعد سنين من الممارسة.

ماذا عنكم يا أصدقاء، كيف تنظرون لسطوة الخيال في العمل الأدبي؟ وهل توظفون ذلك في التأثير على قرائكم.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الخيال يا عفيفة من بديهيات الكتابة القصصية، ومن مكوناتها التي لا يمكن الإستعاضة عنها أو الإستغناء، فلو كانت الكتابة بلا خيال، لكانت حافة قاسبة بلا روح، ولقد خلق الأدب لريِّ الروح وتهذيبها.

يقول الكاتب أيمن العتوم في كتابه هذا سبيلي:

"موت الخيال يعني موتَ الكتابة ، وكاتبٌ دون خيال لا يمكن أن يوجد ، إننا نكتب ما نتخيله ، إن هذه المشاهد العظيمة ، وتلك الحيوات المدهشة لم تكن لتكون على الورق ولم يكن ليشعر بها الناس لولا هذا الخيال اللامحدود . إن الكاتب قادرٌ بالخيال أن يصنع وجوداً داخل الوجود الحقيقي ، وجوداً موازياً ، إنه إعادة إنتاج العدم ، بل هو رسم اللامرئي ليعود مرئياً لكل من يقرأ . موت الخيال يعني أن تُعيد اجترار الواقع ، والواقع يراه كل الناس ، هؤلاء الناس ينتظرون واقعاً جديداً ، مختلفاً كل الاختلاف عما ألفوه ، وذلك لا يصنعه إلا خيالُ كاتب مجنون . إن لم تمتلك هذا النوع من الخيال فلا تتعب نفسكَ بالكتابة."

كما أنه في كتاباتي أعمد إلى الخيال حتى وإن كانت تفاصيل القصة كاملة وحقيقية بين يدي، وهذا حدث معي في قصة حدثت في إدلب- سوريا وعلمتها من صاحبها شخصياً، إلا أنني وظفت الخيال في القصة في غير موضع..وعندما عرضتها على صاحبها أعجبته جداً وأثنى على الخيال بداخلها بشكل خلص.

قد يكون توظيف الخيال مهم للغاية يا عبد الرحمن، ولكن لا يمكن أن ينجح فيه كل الكُتاب خصوصا الذين يميلون للكتابة العلمية التي تستند على دلائل وحقائق علمية، إلا انني أرى بأن يجوز توظيف الخيال في النوع العلمي بهدف تبسيط الفكرة وإيضاح المعلومة الفكرية حتى يسهل الفهم والإستعاب، في حين أن النوع الأدبي قد يتعدى توظيفه للخيال الى اساليب وأهداف متعددة أبرزها لفت الإنتباه وإقناع القارئ بقصة الشخصيات، لكن ألا تعتقد بأنه لابد على كل كاتب بغض النظر عن طبيعة المجال الذي يكتب فيه إلا أن إلزامي أن ينمي ملكة الخيال لديه ليستطيع أن ينجح في إيصال أفكاره وأحاسيسه، أم ليس الأمر بالضروري؟

موت الخيال يعني أن تُعيد اجترار الواقع ، والواقع يراه كل الناس

القراء يهربون من الواقع إلى القراءة ليجدوا عالما أفضل ومتعة وتحفيز ومؤانسة، وليس لأجل تكرار واقعهم الجاف وأحيانا المقيت، كثيرا ما نغادر بعض الكتب ونهجر قراءتها لأنها تصف الواقع بشكله القبيح وتركز على تفاصيله.

على الكاتب أن يبدع في صنع العالمين، أن يشير إلى الواقع ويضع معه لمسة سحرية تخفف وطأته على النفس وتليّن قسوته.

لا أتفق معك يا دليلة في هذا الطرح، وأعتبر بأن الكاتب لابد أن ينجح بكفاءة في تشريح واقع القارئ وإعطاء حلولا للمشاكل التي يواجها، فلا فائدة إطلاقا من وهم القارئ بعبارات من واقع سحري لا يعيشه في محيطه، بل عكس كلما إنتهى من قراءته وعاد لمحيطه شعر باليأس والحزن أكثر وأكثر وهو يقارن بين ما يقرأ عنه وما يعايشه.

الخيال هو عكس الواقعية. يمكن أن يستند إلى حقائق أو أحداث حقيقية، لكن غالبية المحتوى يتم تنسيقه بواسطة الكاتب باستخدام خياله الخاص من أجل المتعة، ولكن يمكن أيضًا تحليله لاكتشاف الموضوعات والمعاني. وفي الوقت نفسه، فإن بناء أحداث خيالية حول شخصيات حقيقية يقصد في الغالب نقل الحقيقة أو معلومات الأحداث الفعلية إلى الجمهور بشيء فيه القليل من الغموض.ربما تظن من الوهلة الأولى أن الأحداث خيالية، ولا تمت بصلة لحياة الأشخاص بها، ولكن يكون هناك معنى أكثر عمقًا بين حروفه السطحية يكشف عن الحقيقة في ثوب الخيال.

من الممكن يا استاذ أن يكون الخيال عكس الواقعية وإنما يعكس شخصية الكاتب وما يمر به في الواقع، فمن السهل أن يصطنع الكاتب السعادة عبر أحرفه ولكن من الصعب أن يمرر أحزانه إلا إذا كان قد عايشها حقا، لذلك حتى الشخصيات التي يشكلها قد نجده تعيش أحداثا مشابهة لما سرده، وبذلك قد يكون ناقلا لما شاهده وليس متخيلا ماذا يحدث معها.

الخيال هو الكتابة نفسها بالنسبة لي وهو ليس مهمًا في الكتابة فحسب بل في حياة الإنسان كلها فلولا القدرة على تخيل ما ليس موجودًا في الواقع لما أصبح الإنسان ماهو عليه الآن ولما وصل لما وصل في كل مناحي الحياة.

وفي الكتابة يتبلور استخدام الخيال لذاته فنحن لا نحتاجه لحل معضلة رياضية أو اختراع شيء جديد بل هو الخيال فحسب ما نريد ونحتاج.

ولكن كلما اقترب الخيال في قوته وصلابته من الواقع فكأنك تشعر أنه واقعي رغم كل الخيال الذي بداخله اقترب الكاتب إلى منزلة الصانع للعالم الذي يخلقه بين طيات الورق.

بالنسبة لي فكتابتي معتمدة على الخيال بشكل كامل وأعتبر نفسي من الناس الذين يتخيلون ويصنعون الأحداث الخيالية بكثرة ولكن تفرق جودتها بالطبع وتأثيره على القراء ليس مجهولًا فهو يأخذ القارئ لعالم موازِ يرى فيه الخيال كائنًا أمامه ويتفاعل معه بشكل أفضل.

لا أحب سطوته وغلبته يا دليلة، أميل أكثر إلى الواقع مع مزجه بـ ( نسائم رحمة من الخيال ) ، نعم ، بالخيال راحة وفَأل، ويكأن ما نريده ينبعث في صدورنا في صورة خيالات نأمل أن تصير حقًا.

لكن الإنغماس المفرط فيه وسطوته على النص قد يفقد النص الرسالة الأساسية التي صُنع لأجلها، كأن يكون النص يستهدف غرس واقع ما نتعايشه ويأتي الخيال ليعاكسه انعكاسًا تامًا، والمحصلة هنا بالسلب!

إذًا فليتلطف الخيال بنا، كأن يأتي هدنة راحة بعد رهق التعبير الواقعي، يجعله أرّق ، أحنّ، يلمس شيئًا ما في دواخلنا ، لكن لا يعمي بصائرنا عن الحقائق كاملة

لا أحب سطوته وغلبته يا دليلة

نعم يا نورهان سطوته تأخذ الكاتب لأدب خيالي خالي من الواقع وهذا مجال لوحده ويبرع فيه بعض الكتاب ويبقى هذا النوع من الأدب مطلوبًا ومرغوبا وله جمهوره.

لكن يمكننا أن نتوازن ونجعل الخيال كالبهارات للطبخ لا نقللها ولا نبالغ في استخدامها.

الخيال حياة الكاتب، والكتابة دون خيال قاسية وصلبة وجافة وتنكسر في عين القارئ فتؤذي شعوره.

وخلاصة ذلك، لمن يريد أن يتميز بكتاباته سيصل ولو بعد سنين من الممارسة.

لذلك أنا مع الممارسة المستمرة وحتى النشر وإن كانت الجودة غير متوفرة ستظهر مع الايام.

لقد أشرت إلى نقطة مهمة أردت الوقوف عندها، وهي أننا لم نخلق لنكتب جنسا معينا من الادب، فكل كاتب يبرع في مجال معين.

فهناك من يتميز في كتابة الخيال وآخر يتميز في كتابة البحوث والنثر وهكذا...

فليس علينا إلزام أنفسنا بالكتابة في جنس واحد وإنما تجربة الجميع حتى نصل إلى الأفضل والأنسب لنا.

كيف تنظرون لسطوة الخيال في العمل الأدبي؟ 

مرت مدة ولم أكتب في الخيال، أشعر أنني بحاجة لتغذية خيالي أكثر، فهل لديك حلول؟

قبل أيام شاهدت فلما وبعد انتهاء كتبت مسودة لقصة قصيرة، لذلك أظن أن مشاهدة افلام الخيال تساعدنا في تحريك خيالنا الراكد.

الخيال هو الجزء من عقولنا الذي يصنع الأشياء.

إنها الطريقة التي نشكل بها أفكارًا أو صورًا أو مفاهيم جديدة لأشياء خارجية ليست موجودة على الفور للحواس.

على سبيل المثال ، يمكن أن نرى ونشعر بالفستان الحريري الجميل بلون الحلوى الذي رأيته في البوتيك قبل بضعة أسابيع ، أو تتذوق موس الشوكولاتة الداكن والقشدة المفضل لديك إذا كنت تتبع نظامًا غذائيًا صارمًا. .

في بعض الأحيان ، يمكن لخيالنا ، كما تقول جدتي ، أن يخدعنا أيضًا. صوت الخدش على النافذة في منتصف الليل هو فجأة قاطع زجاج على غرار البوصلة لقاتل متسلسل منظم جيدًا يقتحم غرفة نومك. عندما ترتد الستائر للخلف ، فهي مجرد غصين غير ضار في مهب الريح.

وقد اكد إيمانويل كانت ، الفيلسوف الشهير في القرن الثامن عشر ، نظرية أوسع للخيال ، تفترض انه يساهم بشكل كبير في الجوانب المعرفية والجمالية والأخلاقية لحياتنا. وأنه يتكامل مع طريقة تفكيرنا ، وعقلنا ، وفهمنا للعالم من حولنا.

وبالتالي فالخيال هو أفضل صديق للكاتب. لأنه يساعده في إعادة إنشاء شيء ذي معنى أعمق. بعبارة أخرى ، عندما نستخدمه لكتابة قصة وصياغتها ليكون لها تأثير محدد على القارئ أو الجمهور. أو عندما نستخدمه لتحدي أو تخريب أو تغيير الأشياء التي لا تروق لنا في خيالنا.