ككاتب أيهما تتبع، خيالك أم حياتك؟

بين الخيال والتجارب الشخصية يخوض الكاتب صراعًا أزليًا لا ينتهي، تراوده نفسه أحيانًا أن يحكي قصته المؤلمة وربما 

المخيفة التي يحتفظ بها بين جوانحه، ثم تلوح له في أفق خياله الجامح فكرةٌ لا أصل لها في الواقع، وبين هذا وذاك يكتوي الكاتب بنار الحيرة، هل هذا صحيح أم أنني أبلغ قليلا؟

يقول الكاتب الروائي الأمريكي رون كارلسون:

 " دائمًا ما أكتب عن تجاربي الشخصية، سواءً عشتها أم لم أعشها" .

أن يكتب عما عاشه فهذا طبيعي، لكن ماذا يقصد بتجاربه التي لم يعشها، ربما يقصد أنه يعيشها في مرحلة ما قبل كتابتها، ما رأيكم؟

دائمًا ما تأتي النصيحة التقليدية مدوية للمبتدئين، " أكتب عما تعرفه" أو بمعنى آخر لا تكتب عن عوالم لم تدخل حدودها، لكن وخيالي الخصب أين سأذهب به، وأين الخطأ إن كَتب مبتدئٌ من خياله؟ هل يجب أن يكتب المرء من واقعه في بداياته فقط؟ 

ربما لأنّ الواقع والخبرة تجعل الكاتب يكتب بثقة أكبر وبمشاعر أقوى، وفي هذا الصدد تقول الكاتبة روز تريمين:

"التمس لك منطقة خبرة تكون غير معروفة، ولكن يمكن معرفتها، منطقة من شأنها أن تُعزز فهمك للعالم، واكتب عنها، فلتتذكر أنه بداخل حياتك الشديدة الخصوصية، فقط تكمن البذور التي تغذي عملك الخيالي، لذا فلا تلقِ بها كلها في كتابة السيرة الذاتية"

وهنا ترمي الكاتبة إلى أنّه حتى في استعانتك بالخيال في الكتابة، أنت في الحقيقة تعتمد على جزء من مشاعرك وأحاسيسك الحقيقية، التي اختبرتها في تجاربك الشخصية.

وهذا يعني أنّ الكاتب يحلّق على جناحي الخيال والتجارب الحياتية، وهذا ما يراه أيضا كاتب قصص الأطفال البريطاني مايكل موربورجو:

 " إنّ فكرة القصة بالنسبة إلىّ هي ملتقى روافد مختلفة من أحداث حقيقية، وربما تاريخية أو من ذاكرتي الخاصة، لخلق ذلك المزيج المثير للإهتمام"

ماذا عنكم؟ هل تتفقون أم تخالفون ما جاء في هذه المساهمة؟ وكيف ترون الأمر من تجاربكم ووجهات نظركم؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

دائمًا ما تأتي النصيحة التقليدية مدوية للمبتدئين، " أكتب عما تعرفه" أو بمعنى آخر لا تكتب عن عوالم لم تدخل حدودها، لكن وخيالي الخصب أين سأذهب به، وأين الخطأ إن كَتب مبتدئٌ من خياله؟ هل يجب أن يكتب المرء من واقعه في بداياته فقط؟

أعتقد أن المشكلة بنصيحة "اكتب عما تعرفه" هى أن الكتاب المبتدئين يفهمونها بشكل حرفي، بمعنى "اكتب فقط عما حدث لك في حياتك من أحداث واقعية". أما في الحقيقة أعتقد أن معنى "اكتب عما تعرف" أعمق بكثير من المعنى الحرفي، فهى تعنى -بالنسبة لي- اكتب عما اختبرته من مشاعر ولحظات وجدانية، مثلا إذا مررت بشعور الفقد لأي سببا كان يمكنك الكتابة عنه حتى ولو اختبرت الشعور بسبب حالة وفاة ثم كتبت عن انتهاء علاقة عاطفية، وهكذا.

اكتب عما اختبرته من مشاعر ولحظات وجدانية، مثلا إذا مررت بشعور الفقد لأي سببا كان يمكنك الكتابة عنه حتى ولو اختبرت الشعور بسبب حالة وفاة ثم كتبت عن انتهاء علاقة عاطفية، وهكذا.

بالنسبة لي أفهمها هكدا و أطبقها هكدا أيضا، لكن لا أدري عن البقية كيف يفهمونها

أرى أن الكتابة فعل مزيج بين الاثنين. لا يمكننا أن ننكر دور الواقع. دور الخيال بالتأكيد مفروغٌ منه، لكن الواقع هو حائط الصد، هو القاعدة، هو اللغة التي يترجم بها الكاتب مخيّلته. ومن خلال هذه الفكرة قد أفضل التطرق إلى نصيحة رائحة سدّدها عميد الأدب العربي طه حسين للأديب الراحل نجيب محفوظ، فقد عرض عليه نجيب واحدة من أولى أعماله الرائعة، والتي كانت رواية بعنوان رادوبيس، وتدور أحداثها في مصر القديمة وبلاطها الفرعوني وواقع المصريين القدماء الساحر. وعلى الرغم من أن عميد الأدب العربي أعجب بأسلوب الكاتب الشاب، فقد سدّد له نصيحة واحدة مباشرة قائلًا:

اكتب عمّا تعرفه.

صرّح نجيب محفوظ أنه من هذه اللحظة قرّر أن يكتب عمّا يعرفه. من هنا قرّر أن يخوض عالم الحرافيش والفتوّات والحياة الشعبية التي عاشها في واقعه، وأن يترجم من خلالها مخيّلته التي أراد أن يقول بها كل شيء.

معظم الكتابات المؤثرة وإن كانت خيالية فهي تنبثق بشكل ما من تجربة الكاتب الشخصية، وإن كانت بصورة غير مباشرة. ألفت نظرك إلى أن لكلٍ منا طابع وأسلوب معين في الكتابة ورغم أنه في كثير من الأحيان نكتب بعيداً عن تجاربنا الشخصية إلا أننا نضيف هالة من تراثنا وتجاربنا ومشاعرنا الشخصية عليها، لذا نجد أن القارئ المُلهَم من كاتب معين، يميز أسلوبه وطابع كتاباته عن الكُتاب الآخرين.

نحن من نصنع الخيال ونوظفه ونستخدم ادوات خاصة بنا تم اكتسابها في مراحل حياتنا او التأثر بها وبالتالي يمكن ترجمتها عبر اخراجها بصورة او بأخرى وربما تكون الصورة الخيالية هي في الواقع استشرافية.

اما التجارب فهي التي تمت ممارستها وحظيت بالقبول او الرفض، النجاح او الفشل وتكونت من خلالها افكار قد تكون عميقة وقد تكون سطحية ولكنها تجربة حية وحقيقية وفي اعادة سردها قد يلتقطها البعض ويترجمها لواقعه وبالتالي يستفيد من عرض التجربة.

اتفق معكى لأن الكاتب فى النهاية هو مجرد إنسان مليئ بالمشاعر والذكرايات الجميلة منها والحزينة وحتى الغريبة ،والتى تتكون من خلال حياته الشخصية والبيئة المحيطة به ،و المراحل العمرية المختلفة التى يمر بها التى تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على طريقة تفكيره وإدراكه ومنظوره للأمور ، وهنا يجب أن ننتبه لنقطة هامة جداً وهى أن كل هذا له دور فعال بشكل كبير فى تغيير سلوكه وأفعاله المرتبطة بشخصيته ، وهناك الكثير من أمثلة الكتاب الناجحين الذين كان لتجاربهم الشخصية دور كبير فى نجاح قصصهم مثل " ميل روبينز " صاحبة كتاب قاعدة الخمس ثوانى التى كادت حياتها أن تتدمر لولا أن فكرت جيداً وادركت قاعدتها الذهبية التى تعتبر سبب التغيير لملايين الناس حول العالم .

أحب الخيال كثيراً وأقدره فهو يمنحني تذكرة عبور إلى عوالم وأحداث لم آلفها ولكنني أعيشها بزخم تفاصيلها وأنحت مشاعري بناءاً على ما تحمله لي من مفاجآت .

هنا أنتقل إلى نقطة الكتابة، فكما أنني بوسعي عيش الخيال وإقحامه في واقعي، يمكنني أيضاً نقله إلى الورق والإسهاب في وصفه، ولا أعتقد أنه يجب تقييد خيال الكاتب عبر نصحه بالكتابة عما يعرف أو بما توفره له خبرته، يمكنه صب خياله في كتاباته ما دامت لا تشكل بقع ضعف في القصة، حيث أن مبدأ اكتب عما تعرفه هدفه الأساسي هو حمايتك من الوقوع في فخّ الثغرات والنقائض والنقائص والتي تعمل كلها على إضعاف القصة وطمس حبكتها .

أظن أن الكتابة هي ترجمة للتجارب الشخصية المعاشة بلغة الخيال. أي أن المحفز الأول للكاتب هو فيض المشاعر الذي يعتريه ويدفعه للكتابة، وهنا تظهر أهمية الخيال، فالخيال هو ما يمكنه من التعبير عن مشاعره بطريقة مبدعة ومختلفة.

كثير من الأدباء عانوا من نفس الشعور السلبي، كالألم المصاحب لفقد حبيب مثلا، لكن أعمالهم ليست متشابهة، فلكل واحد منهم خيال إبداعي خاص به، جعله يترجم نفس الإحساس بطريقة أخرى.

أظن أن الكتابة هي ترجمة للتجارب الشخصية المعاشة بلغة الخيال

مزيج رائع يا أسماء لقد أحببت وصفك، وهذا ما أعتقده أنا أيضا.

لأنك أحيانا تكتبين عن شخصية تختلف تماما عنك، وخيالية لكنك تصفين نفسك بطريقة ما، الأمر معقد قليلا لكن وصفك ممتاز، أحسنت

اذا كانت الكتابة المراد بها ادب الرواية والقصة فخيال المؤلف هو الاهم ويأتي اولا ثم قد يأيد ما كتب ببعض التجارب الشخصية او تجارب اشخاص يطلع المؤلف عليها ويعرفها. ولكن خيال الكاتب وماتجود عليه افكاره هي ماتعوزه اولا لكتابة روايته وقصته.

ام اذا كن الامر يتعلق بمقالة ادبية او علمية معرفية فبالطبع تعوز الكاتب الادلة والمراجع والمعرفة حتى يكمل كتابته.

ام اذا كن الامر يتعلق بمقالة ادبية او علمية معرفية فبالطبع تعوز الكاتب الادلة والمراجع والمعرفة حتى يكمل كتابته.

صحيح أستاذ معتز، أتفق معك فيما قلت وفي التقسيم الذي وضعت، وبالفعل أنا أقصد الكتابة في أدب الرواية والقصة، التي ترى أنت أن الخيال أولى من التجربة الحياتية.

شكرا جزيلا لردك اخت دليلة فخيال الانسان لا يحده شي ويتسع لكل شي وهو مايعوزه الكاتب في روايته والفنان في مايصنع.

أعتقد أن الكتابة مسؤولية لا يمكن الاستعانة بها، ولذا فلابد من الاستعانة بخلفية حقيقية أو حتى واقعية وإن لم نقم باختبارها، لكي تحقق الكتابة وظيفتها، من نقل الخبرات والمعرفة والتدوين، وإذا وجد المرء أنه علي قدر من الفكر والمعرفة والحكمة التي تحوله أن يكتب من خياله ولا يتضارب مع المنطق والواقع، فلا بأس، ولذا فعلى المبتدئين أن يكتبوا فيما يعرفون فحسب