هل يمكن للإنسان المخطئ أن يصبح نقيًّا؟

بعد قراءتي لرواية البؤساء ظل التساؤل الذي حوته الرواية قائمًا في ذهني حتى يوم الناس هذا. هل يمكن المخطئ أن يصبح شخصا نقيًا ويتخلص من لوثة الخطيئة؟

"جان فال جان" أحد شخصيات رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو، حيث يمثل الشخصية المجرمة الفارّة من العدالة، والتي ستصبح خيّرة فيما بعد، ومن خلالها يطرح هوجو تساؤلات حول الخطيئة والتوبة والخير والشر.

 لمن لم يقرأ الرواية، بعد خمسة عشر عامًا قضاها في السجن مع الأعمال الشاقة قرر "جان فال جان" أن يهرب، وهرب بالفعل. ظلت العدالة -ممثَّلة في شخصية المفتش جافيير- تلاحقه وتقتفي أثره، لكنه كان خصمًا صعبًا للعدالة. هرب لمدينة أخرى وأصبح هو عمدة هذه المدينة، وأهل المدينة لم يكونوا على علم بماضيه. حكم بينهم بالعدل، وأنفق على الفقراء، وواسى المرضى، وأسس مستشفيات ومراكز تعليم، فأحبه شعبه بل واستماتوا في حبه، كل ذلك كان تحت اسم مستعار وهو الأب مادلين. على التوازي مع أحداث الرواية التي تتناول الثورة الفرنسية وتداعياتها والخ، نجد لعبة المطاردة بين فال جان والمفتش جافيير مستمرة، وتتخلل ذلك مواجهات وجها لوجه بينهما، وحوارات عميقة يقف خلالها الخصمان على بعد أمتار من أحدهما الآخر ولكل منهما قناعاته التي تحول بينه وبين خصمه. دائمًا ما يحجم جافيير في اللحظة الأخيرة عن إلقاء القبض على فال جان؛ بسبب أصوات داخله تذكره بحكم فال جان العادل بين رعيته، وبأنه تغير وأصبح أكثر نقاءً من ذي قبل، ولكنه في كل مرة يندم على ترك فال جان يفر منه. بالرغم من أن فال جان استمر في أعماله الخيّرة حتى مات، إلا أن جافيير ظل يصارع ذاته طارحًا السؤال الذي قرأتموه في العنوان بطرق مختلفة في كل مرة: هل يمكن للإنسان المخطئ أن يصبح نقيًّا؟ إلى أي مدى يمكن أن يتخلص الإنسان من شوائب الخطيئة؟ هل من الصواب أن يعفوا المجتمع عن المذنب أم أن ذلك يصنع المزيد من المجرمين؟

إذا ما نظرنا للأمر من زاوية طبيعية فطرية فإننا سنجد أن لكل إنسان نزعة خير ونزعة شر، وما ينمي هاتين النزعتين هو البيئة والمجتمع وطريقة تعامل الإنسان وتعاطيه مع ظروف الحياة المتقلبة. 

لكن ماذا لو طغت إحدى النزعتين على الأخرى؟ هل سيعود بالإمكان على الإنسان أن يسيطر عليها؟

أتحدث هنا عن أن تطغى نزعة الخير على الشر أو الشر على خير، ففي كلا الحالتين يكون الإنسان في خطر.

وماذا عن إعطاء المجرم فرصة لإثبات توبته وتحسين سلوكياته؟ هل تجدون أنه خيار يجب أن يُطرح بشكل جدي ويُدرَس؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ما الذي يضمن لنا أن المذنب سيغلب طابع الخير على الشر إذا ما عفونا عنه؟

أظن أن الأمر يحتاج إلى دراسة سلوك المذنب بعد ارتكابه الخطيئة، من طرف أخصاء و أطباء نفسيين، حتى نجزم بحريته أو بحبسه.

Mahmoud_Elfawy أضف ردا
أظن أن الأمر يحتاج إلى دراسة سلوك المذنب بعد ارتكابه الخطيئة، من طرف أخصاء و أطباء نفسيين، حتى نجزم بحريته أو بحبسه.

هذا الأمر يجب أن يكون بعد تلقي المذنب العقوبة، فحتى لو وجدناه قد تغير فعلا قبل العقوبة وحكم بذلك المتخصصون، فإن هذا الأمر يؤدي إلى تفشي الجريمة في المجتمع.

وفي أثناء ذلك يكلف متخصصون بمراقبة المعاقبين حتى يحددوا من الذي تغير ومن بقي كما هو، فيستفيدوا ممن تغير، ويبقوا غيره تحت المراقبة.

وماذا عن إعطاء المجرم فرصة لإثبات توبته وتحسين سلوكياته؟ هل تجدون أنه خيار يجب أن يُطرح بشكل جدي ويُدرَس؟

نعم بعد انقضاء مدة محكومية هذا المجرم يجب متابعته والاشراف على تهيأته لمخالطة المجتمع من جديد واعتقد انه يجب ان نبدأ مع بداية دخول المجرم الى السجن حيث يجب ان يعاد تعليمه وتثقيفه وتوعيته وايضا تدريبه على اداء مهنة اثناء فترة سجنه وعند خروجه من السجن يعين في مكان ما حسب مهارته ويتم متابعته والاشراف على ادائه وسلوكه ويتم تقييمه واعطائه الحوافز المناسبة ليتطور ويعود كفرد فعال في المجتمع.

أتفق معك ونقطة الحوافز كانت أحد الأسباب التي جعلت جان فال جان يصبح شخصا أفضل

رواية البؤساء من اجمل ما في الادب الفرنسي والعالمي. قرئتها منذ وقت طويل ويبدو انني يجب ان اعيد قراءتها لاكتشاف بعض النقاط الجديدة. وجدير بالذكر انني شاهدت هذه الرواية كعمل سينمائي اكثر من مرة سواء السينما الفرنسية والامريكية وحتى العربية حيث تم انتاج القصة اواخر السبعينيات بطولة فريد شوقي وعادل ادهم وليلى علوي.

ولكن تظل افضل نسخة شاهدتها كانت فيلم البؤساء من انتاج 1998

جميل، جميل

الرواية بديعة جدا ومبهرة لولا طولها الذي قد يسرّب شيئا من الملل للنفس.

كتبها هوغو وهو في حالة من البؤس بعد وفاة ابنته الأقرب لقلبه غرقا، عندما كانت في رحلة بحرية مع زوجها.

لذا اختار لها البؤس ملمحا.

إذا ما نظرنا للأمر من زاوية طبيعية فطرية فإننا سنجد أن لكل إنسان نزعة خير ونزعة شر، وما ينمي هاتين النزعتين هو البيئة والمجتمع وطريقة تعامل الإنسان وتعاطيه مع ظروف الحياة المتقلبة.

هناك امر اخر ينمو هذه النزعات، انه العامل الجيني، وقد الكثير من الدراسات ان بعض الاشخاص الذين يحملون جينات متوارثة تمثل الشر هي حقيقة تتناقل من جيل لاخر، فتجد عائلة ما مشهورة بالقسوة او بالنزعة العدائية للغير حتى الاطفال تجدهم مثل آبائهم، هذا الامر يأخذنا لجوانب مسببة غير بيئية كمؤثر خارجي او المجتمع كحاضنة بل هناك مؤثر داخلي وهو التركيب الجيني للشخص.

بالاضافة الى ذلك فان السلوكيات للانسان هي التي تفسر كثير مما ذكرنا أعلاه.

اما هل يمكن ان نعطي فرصة للمجرم او المخطيء لكي يتوب ويثبت حسن نواياه ويصبح سويا، فمع التجربة أقول نعم، ونعم لمن لا يملكون العامل الجييني. أي الذين لا يتأثرون بحركة هرموناتهم ونوازعهم الداخلية فهؤلاء يحتاجون الكثير من الجهد والمتابعة والمراقبة والبرامج ولكن في كل الاحوال يمكن ان يسيطر على الشخص المخطيء ويمكن تحفيزه ليكون الافضل ولكن يجب ان يمنح فرصة وان يتم توجيهه باستمرار.

جميل

لابد من إعطاء الفرصة مع عدم إغفال التوجيه

أختلف معكَ اختلافًا جذريًا في هذا الصدد يا مازن. إن الاعتماد على مبدأ الجريمة المتوارثة أو الشر المتوارث غير ممكن، لأنه ببساطة يفتح المجال أمامنا كي نطلق أحكامًا مطلقة على كل من أخطأ أبوه أو أمه في السياق نفسه، وبالتالي يمكننا أن نحاول بعض الأشخاص إلى مجرمين، على الرغم من أنهم ما كانوا ليصبحوا كذلك.

وفي السياق نفسه، أنا أعزو الأمر دائمًا إلى التنشئة، حيث أنني أرى أن التنشئة هي الخط الأول الذي ينتج عنه مثل هذه التشوّهات، ولا أستطيع بالتأكيد أن أتجاهل طبيعة الشخص نفسه في هذا الصدد. لكنني أرى أن الاعتماد على هذا الميزان هو أمر مستحيل، وقد يؤدي إلى العديد من الكوارث الاجتماعية والأحكام المسبقة التي لا تخضع للمنطق.

هل يمكن المخطئ أن يصبح شخصا نقيًا ويتخلص من لوثة الخطيئة؟

دون أدنى شك نعم، البشر جميعهم خطّائون وليس بينهم شخص نقي كالجوهرة الثمينة، وكلهم يمتلكون سيئات على أعتاقهم، ولكن فقط الذين تتضح سيئاتهم هم الذين يبدون مخطئين مع أن الواقع المرير هو أننا جميعنا نخطئ، وهذا ما لا يعترف به الأشخاص النرجسيون الذين يرون الكمال في شخصياتهم وذواتهم.

وأما عن المجرمين الذين يرتكبون الجرائم فهم أيضًا بشر، وبالطبع يستحقون إعطائهم فرصة لإثبات صلاحهم، ففي الأحيان تحتمل المعاملة الحسنة تحسين سلوك الشخص المخطئ، ولكن بالطبع إعطاء فرصة للمجرمين لا بد أن تحت المراقبة.

نعم بالفعل

هل يمكن للإنسان المخطئ أن يصبح نقيًّا؟ إلى أي مدى يمكن أن يتخلص الإنسان من شوائب الخطيئة؟ هل من الصواب أن يعفوا المجتمع عن المذنب أم أن ذلك يصنع المزيد من المجرمين؟

سأجيب عن السؤال بداية إجابة مباشرة:

بالطبع يمكن للإنسان المخطئ أن يكون نقيا، فلا يمكن للخطأ أن يجعل بين الإنسان والنقاء حاجزا، طبيعة الإنسان جبلت على الخطأ، والإنسان الحقيقي هو من يمنعها عن ذلك الخطأ لكن إن وقع فيه فلا يعني هذا أبداً أن يعيش دائما في ظلام خطيئته هذه بل عليه أن يتوب عنها ويرجع إلى طبيعته النقية، وعلينا نحن كبشر أن نساعده على ذلك، لكن هذا لا يعني أبدا تنصله من العقاب على فعلته، بل على العكس فإن أول علامات صدق النقاء هو ان يعترف بخطئه ونيله العقاب، وتقبله بصدر رحب.

ويمكن للإنسان التخلص من شوائب خطيئته إلى أبعد مدى، لكن لا يجب أن ينساها نهائيا، فإن نسيانها نهائيا يجعله فريسة للوقوع في الخطيئة مرة أخرى.

إن العفو التام عن المذنبين يجعل المجتمع عرضة لكثرة الجرائم وانتشارها، لكن يجب أن يحصل المجرم على عقابه ما دام قد اعترف بجرمه أو اكتشفه الناس، خصوصا إذا تم اكتشافه دون اعتراف منه، لكن حصوله على العقاب لا يعني نبذه التام من المجتمع طالما تاب عن جرمه، بل يجب على المجتمع تقبله من جديد، وهذا نوع من العفو.

وبمثال بسيط، كل رواد مواقع التواصل الاجتماعي سمعوا عن حريمة الإسماعيلية بمصر، ومما تراءي لي أن المجرم ندم عن فعلته أشد الندم وتاب توبة نصوحا بدليل أنه انتظر الحكم عليه بالإعدام ولم يفزع لأنه أحس بجرمه ورأى أنه العقاب العادل عليه، وطلب من أهله أن يسدوا ديونه، فأنا شخصيا تقبلت ندمه وسألت الله قبول توبته، وترحمت عليه، لكن لم أكن لأقبل لو تغير الحكم أبدا رغم ما قلت.

وماذا عن إعطاء المجرم فرصة لإثبات توبته وتحسين سلوكياته؟ هل تجدون أنه خيار يجب أن يُطرح بشكل جدي ويُدرَس؟

إذا تلقي المجرم عقابه فأرى أن الأفضل أن يعطى الفرصة لأثبات توبته وتحسين سلوكه، إذا أن هذا سيعود بالنفع على المجتمع بالطبع لذا فأنا أتمنى أن يطرح هذا الخيار بحدية ويدرس.

هل يمكن للإنسان المخطئ أن يصبح نقيًّا؟

وكانك تسألين هل يمكن للإنسان أن يتوب.. بالطبع نعم ولكن لفظة "نقي" قوية لتصف أي إنسان ناضج؛ فلا أحد في هذا الكون نقي إلا الاطفال.

إلى أي مدى يمكن أن يتخلص الإنسان من شوائب الخطيئة؟

الإنسان قد يتخلص من الخطيئة ولكن تبعاتها يظل أغلبها؛ وهذا ما يصعب التوبة في نظر كثيرين.

هل من الصواب أن يعفوا المجتمع عن المذنب أم أن ذلك يصنع المزيد من المجرمين؟

هذا يرجع إلى نوع الذنب وأسبابه التي قام عليها؛ فقد يرتكب أحدهم جريمة قتل للسرقة أو المتعة وقد يرتكبها أحدهم دفاعًا عن النفس فشتان بين الأمرين.

لكن ماذا لو طغت إحدى النزعتين على الأخرى؟ هل سيعود بالإمكان على الإنسان أن يسيطر عليها؟

سيظل الإنسان مخيرًا وإن كان يعيش في مجتمع آثم، لهذا فهو من يختار الجانب المنتصر ويكسر الجانب المهزوم.

وماذا عن إعطاء المجرم فرصة لإثبات توبته وتحسين سلوكياته؟ هل تجدون أنه خيار يجب أن يُطرح بشكل جدي ويُدرَس؟

بالطبع في كل شيء عدا الكبائر.

الجميع يستحق فرصة ولكن ليس على حساب الآخرين، في كل الأديان شرعت العقوبة كجزء من التأديب ولغتح الفرصة للتوبة والغفران، لكن المذنب بقصد تختلف عقوبته عن المذنب بغير قصد، لذلك الفرصة للتحسين من الذات متاحة ولكن ليس على حساب أن لا نأخذ بحق المظلوم. كأن يسرق أحدهم ثم يعلن التوبة، سنغفر له ولكن من يعوِّض من سُرق. أو أن يعلن القاتل توبته، من يعيد الروح التي سلبت!! العقوبة حق للتحسين من السلوك، ولتلقين الناس درسًا.

إذا تعتقدين بفرض العقوبة وتعويض المتضرر ومن ثم إعطاء فرصة ؟

وماذا عن إعطاء المجرم فرصة لإثبات توبته وتحسين سلوكياته؟ هل تجدون أنه خيار يجب أن يُطرح بشكل جدي ويُدرَس؟

أنا أؤمن بالفرصة الثانية، والثالثة ولاكن بشروط ...

  1. الاعتراف بالخطأ هو حجر الأساس
  2. أن يبدي المخطي أسفه الواضح والمتناسب مع قدر خطأه
  3. أن ينتوي عدم تكرار هذا الخطأ
  4. أن يكون هناك تغيير حقيقي وفعلي في السلوك لأن الندم وحده لا يكفي

رفض اعطاء فرص ثانية هو أمر مؤذي نفسيا جدا للشخص المرفوض، بل أحيانا يحوله لشخص أسوأ نتيجة شعوره بعدم التقبل

أتحدث هنا عن أن تطغى نزعة الخير على الشر أو الشر على خير، ففي كلا الحالتين يكون الإنسان في خطر.

لم أفهم قصدك بأن يكون الانسان في خطر حتى اذا طغت عنده نزعه الخير، أليس النزوع للخير أمر محمود؟

لم أفهم قصدك بأن يكون الانسان في خطر حتى اذا طغت عنده نزعه الخير، أليس النزوع للخير أمر محمود؟

الحقيقة أنه قد يبدو لنا النزوع الخير أمر محمود.

لكن الإفراط في ذلك ليس صوابا، يحتاج الإنسان الاعتدال.

نحن لا نتحدث هنا عن شر خالص مثل ارتكاب جريمة قتل مثلا أو خير خالص مثل الاحسان للناس، نحن نتحدث عن النزعة التي تدفع الإنسان لأي خير ممكن والنزعة التي تدفعه لأي عمل غير خيّر.

مثال توضيحي: تعامل الأب مع أبناءه، اذا كان احسانا لا متناهيا ودائم سيضع ذلك الأمر الابناء تحت خلل تربوي كبير، نزعة الشر لابد أن تكون موجودة بحكمة فهي من تجعلك تعاقِب وهي من تجعلك -كمدير في العمل مثلا- تفصل الموظف المتقاعس وهكذا.

وأتذكر راسكوانيكوف من رواية الجريمة والعقاب حيث كان أنسانا خيّرا جدا ومحسنا، وارتكب جمريمة قتل قتل فيها قتل امرأة غنية، لأنه يعتقد أن قتل هذه المرأة الغنية وتوزيع أموالها على عشرين فقير هو خير من أن تظل هذه الأموال حبيسة خزانة شخص واحد فقط !

آمل أن المثال أوضح رأيي

المثال أوضح رأيك ولاكني أختلف معك في عنونه وتسمية الأمور

لا يجب تسمية "الحكمة" والتوازن بين المنع والمنح كما ذكرتي في مثال الأب مع أبناءه بأنها نزوع للشر بل هو عين الخير

Tyba_Elfatih أضف ردا

أجد أن القسوة جذورها من بذرة الشر المتأصلة فينا واستخدامها بحكمة في التربية هو توظيف لها.

هذه وجهة نظري، وقد نختلف فيها بطبيعة الحال وهذا أمر مقبول ، شكرا لك على طرح وجهة نظرك ونقاشها

رواية البؤساء أول رواية قرأتها في سن المراهقة، كما أنني درستها في الجامعة عندما تخصصت في الأدب الفرنسي. بدايةً يجب تعريف معنى الجريمة و متى يصبح الفعل جريمة؟ و هذا ما اختلف عليه علماء الإجتماع إذاً هل فعل جان فالجان بسرقة رغيف الخبز هو جريمة؟ أما عن الإشكالية المطروحة هل يمكن للإنسان المخطئ أن يصبح نقياً؟ لا يوجد إنسان خالي من الشوائب إذاً لا يوجد إنسان نقي. أما عن تصحيح الخطأ بالطبع هناك عدد كبير من الأفراد قد يغيرون من أفعالهم بعد مواجهة العواقب النجمة عن فعل الخطأ.

جميل زهراء

أنا لم أتطرق لقضية الجريمة التي اتهم بها جان فال جان لكنها فعلا قضية مهمة.

أنا أرى أن جان فال جان من الأساس لم يرتكب ما يستحق العقاب، الخلل ليس فيه بل في المنظومة المجتمعية كاملة.

لماذا يضطر مواطن يعيش في وطنه لسرقة خبز ليطعم أخته وأطفالها الستة؟ أليس هذا أمر يدل على فساد المنظومة الحكومية وعدم إعطاءها مواطنيها حقوقهم الأساسية للعيش ؟

لو سرق مالا لاختلاف رأيي حينها، لكنه خبز!

وأنت ما رايك، أتطلع لمعرفته

هل يمكن المخطئ أن يصبح شخصا نقيًا ويتخلص من لوثة الخطيئة؟

استشهد هنا بقصة الرجل الذي قتل مائة نفس ثم تاب، وسعى في الهجرة إلى مدينة أخرى تعينه على التوبة حتى قُبضت روحه في الطريق إليها ... إلى نهاية القصة

الأمر ليس هينًا ولكنه ممكن، وما يجعله ممكنًا هو المجتمع المحيط بالإنسان، فكيف لإنسان يريد أن يتطهر من سوئه ولكنه يحيا في مجتمع لا يقبل توبته ولا تطهره أن يستمر على ما هو عليه؟

 إلى أي مدى يمكن أن يتخلص الإنسان من شوائب الخطيئة؟ 

الأمر يتوقف على حجم الخطيئة وشوائبها، فبالتأكيد خطيئة سرقة رغيف خبز لأجل الجوع - وهي جريمة بطل الرواية على ما أذكر - لا تقارن بجريمة قتل إنسان، ومن ثم فالتعافي من كلتيهما يختلف في كل شيء بداية من الوقت المطلوب للتعافي نهاية بمدى قابلية المجتمع لتقبل توبة الشخص ...

هل من الصواب أن يعفوا المجتمع عن المذنب أم أن ذلك يصنع المزيد من المجرمين؟

أرى أن العفو لا يجوز أن يكون مُطلقًا من البداية، بل يجب أن يكون مشروطًا لفترة حتى يتبين مدى ندم المذنب وتوبته، أضف إلى هذا أن يكون هناك إشراف نفسي كامل على المذنب، فلربما تكون توبته مجرد أكذوبة حتى يحصل على العفو الكامل

إن هذه الفكرة يجب أن توضع محل الدراسة الجدية والتطبيق؛ لأنها كفيلة بتوفير الخير الكثير للمجتمع إن هي نجحت

فبالتأكيد خطيئة سرقة رغيف خبز لأجل الجوع - وهي جريمة بطل الرواية على ما أذكر - لا تقارن بجريمة قتل إنسان،

لا تُسقطها على جريمة البطل في هذه الرواية لانه من وجهة نظري لم يرتكب جرمًا أصلا، بل عقابه عليه كان ظلما غير مقبول البتة.

بدلا من عقابه كان يجب أن تمنحه حكومته وظيفة ما ليشتري الخبز بدلا من سرقته.

انا أيضًا ارى هذا وكنت حانقة طوال الرواية أو حتى وانا اسمع الفيلم من اعتباره مجرمًا لأجل هذا الأمر التافه

الفضيل بن عياض من الأسماء البارزة في القرن الثاني الهجري، وهو من رموز الإيمان والخلق، لكن قبل هذا الفضيل التقي كان يوجد فضيل آخر! كان شاطرًا يقطع الطريق، ويخشى الناس وجوده؛ لأنهم يعلمون أنهم سيكونون ضحايا لا محالة. وتحولت حالته من قاطع طريقٍ إلى عابدٍ تقي.

إن فكرة الحكم على البشر من أخطر الأدوات على الإطلاق؛ وقد ذكر ذلك المعنى دوستويفسكي في رائعته (الأخوة كارامازوف) وقال:  «إن في البشر -وحتى في أعتى المجرمين- من السذاجة والطيبة فوق ما قد نتخيل» فلا أرى استحالة تحول صاحب الشر إلى رمز الخير، وكذلك صاحب القلب النقي إلى مجرمٍ عتي؛ ففي الأخير نحن بشر؛ فلسنا ملائكة ولا شياطين.

شكرًا لك.

هل يمكن المخطئ أن يصبح شخصا نقيًا ويتخلص من لوثة الخطيئة؟

نعم يمكنه أن يصبح نقيًا، لكن بشرط أن يغادر بيئته التي أخطأ فيها فأهلها سيحاسبونه على أخطائه ويقتصون منه، ويذكرونه بالنسخة المخطئة منه على الدوام وسيعود للخطأ ربما حتى يدافع عن نفسه، لذلك من باب أولى ترك البيئة الأولى.

ففي كلا الحالتين يكون الإنسان في خطر.

هل تقصدين أنه حتى عندما تطغى نزعة الخير يكون في خطر؟ لكن لماذا أليس هذا ما يسعى إليه الإنسان؟

هل تجدون أنه خيار يجب أن يُطرح بشكل جدي ويُدرَس؟

أنا أؤمن أنّ الإنسان حين يجد الحب والثقة والامان الكافي سيكون شخصًا أفضل فهو ليس بحاجة لانتهاج أساليب الشر ليأخذ ما يريد ولا حتى أن يكون مؤذيًا

أهلًا بك يا طيبة في حسوب

لا أدري ما معنى كلمة نقي المقصود!

فكل شخص يتأثر بكل تجربة وأخطاؤنا هي جزء من تكويننا مهما عظمت، ولا يمكننا مسحها أو التطهير منها بل ما يجب أن نفعله هو تقبلها والتعلم منها لنصبح نسخ أفضل من أنفسنا ذاتها، ولا أعرف شخصًا لم يخطئ في حياته، لذا فللجميع الحق بالمغفرة و المحاولة مجددًا، لكن هذا لا يعني ألا يعاقب الفاعل على فعلته فجزء مهم من تقبل الخطأ هو دفع ثمنه، ويجب أن يكون الجزاء من جنس العمل.

أعتقد أن الإنسان قابل للتغير على جميع المستويات، وهذا أمر نلمسه جميعا في واقعنا، ففكرة المجرم بالفطرة(السيكوباتي) مسألة فيها نظر كبير، وهي محض افتراضات وتجارب ناقصة.

بتأمل حال الإنسان نجد أن التحول جزء من وجوده أصلا!

اليوم يحب هذا الشيء وغدا يكرهه! واليوم يكره وغدا يحب!

اليوم قوي وغدا ضعيف!...وهكذا

فالإنسان بطبيعته كائن متحول، ومن هنا فلا نستبعد أبدا أن يعود نقيا بعد اللوث!

أما فكرة إعطاء المجرم فرصة، فهذا يدعونا إلى أن أن نجعل أماكن العقاب نفسها(السجون) بيئة صالحة لتحول المجرم إلى الأفضل، فتكون الفرصة قائمة بالتوازي مع العقاب.