مهزلة العقل البشري

رائعة الكاتب وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي التي جاءت ردًا على النقد الذي توجه لكتابه وعاظ السلاطين، في هذا الكتاب يناقش الدكتور علي الوردي مشاكل قديمة ألمت بالمنطقة العربية عمومًا وبالعراق خاصةً، والتي ساهمت في تشكيل العقل البشري الحديث.

يحتوى هذا الكتاب على الكثير من الأفكار والاقتباسات الملفتة ومنها: "الباحث الذي لا يضحك على عقله ويسخر بمألوفاته التقليدية لا يستطيع بعد ذلك أن يكون باحثًا حقًا" 

وفي نظري أجد أن البحث يحتاج عقلًا ناقدًا وفكرًا متقدًا ومتمردًا، حتى يتمكن من البحث بموضوعية وحياد ودون انحيازات للمؤلوفات التي اعتاد عليها في بيئة الباحث، وهذا هو جوهر البحث الذي قد يفضي إلى الحقيقة والتي هي مراد كل باحث في أي مجال.

وهنا تأتي فكرة السخرية والتي لا أظن أن الكاتب عنى فيها السخرية بمعناها الحرفي، وإنما قصد فيها القدرة على نقد الذات والمألوف، حتى ينفتح فكر الباحث ويتمكن من البحث والنبش دون خوف.

ولكنني أجد أن بعضًا من الأشخاص يعتقدون أن الخروج عن كل ما يمثل الهوية والانتقاص من تلك الأشياء التي كانوا جزءً منها تمنحهم صفة الباحث أو المفكّر أو حتى المثقف.

ما رأيكم بقول الكاتب ؟

وإلى أي مدى تجدون أن هذه الظاهرة باتت منتشرة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الأستاذ علي الوردي أشار إلى المؤلفات التقليدية للباحث، وأظنه بذلك يعني أنّ على الباحث السعي لاستخدام الأساليب المتطورة والحديثة في عمليات استقصاء المعلومة والبحث عنها، وليس الأساليب التقليدية أو البسيطة، حتى يتمكن من وضع معلومات بدرجة عالية من الصحة والدقة.

ماذا تعنين زينا بقولك:

الخروج عن كل ما يمثل الهوية والانتقاص من تلك الأشياء التي كانوا جزءً منها

لا أعتقد أنه عنى بها طرق البحث القديمة والحديثة، بقدر ما عنى قدرته على نقد الأمور المألوفة في بيئة الباحث نفسه والتي اعتاد على كونها صواب.

أعني بقولي بعض الأشخاص الذين يهاجمون الدين الذي ينتمون إليه، أو الوطن، أو الهوية التي هم جزء منها بقصد الخروج عن القطيع والاختلاف فقط، تحت مسمى خالف تعرف، وهذا لا يشمل الناقدين الذين ينقدون الواقع ويقدمون الحلول في شتى المجالات وأمور الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية

الظاهرة منتشرة إلى ما لا يمكننا رصده. وبالنسبة لرأيي فيما يقوله الكاتب الكبير والمفكر الرائع على الوردي، فأنا أرى أنه على حق، حيث أن النقد الذاتي والهدم للبنية الفكرية للشخص هي ما تعتمد عليه العملية الإبداعية في إنشاء نسق فكري للشخص نفسه، والتي تمكّنه في الأساس من تكوين رأي بعيد عن أي انحياز، لذاته أو لمعتقداته وأفكاره.

الفكر يأتي من بناء متسلسل ومتتالي وليس من الهدم، يأتي الفكر من تراكم الخبرات والتجارب السابقة والاستفادة منها وليس من هدم كل ما سبق والبدء من الصفر، هذا لا ينتج فكرا أو علما على الاطلاق، بل سيضعنا دائما في حلقة مفرغة ندور فيها دون الوصول لشيء، إذا كنا نشك في كل شيء ونهدم كل شيء فنحن لم ولن نصل لشيء أبدا، سنظل ندور فقط.

لكن ألا تعتقد أننا أحيانًا يجب علينا هدم موروث معين أو طبع حتى يمكن أن نكون اعتدناه منذ ولادتنا لتصبح رؤيتنا للأمور أفضل؟

أنا لا أقصد هدم كل شيء وكل مألوف وإنما التخلي عن بعضها

أتعتقد أن الأمر يجب أن يتعدى كونه سخرية أو نقد إلى أن يصل لمرحلة هدم المألوف وإعادة صياغة الأفكار والآراء لينشئ الفرد مساق فكري خاص؟

أعتقد أن هذا أمر صعب جدًا، وقلة فقط يقدرون عليه أما عملية النقد التي تجعلنا ننظر المألوف نظرك كاشفة فهي مفيدة لتمنحنا القدرة على البحث الفعال

العقل البشري غريب إلي أبعد الحدود، لديه فسيولوجية ثابته من الممكن تهكيرها بالمعني المجازي، بحيث تفعل أو تمارس بعض الأفكار او التمارين البسيطه لتخرج من نطاق التفكير المألوف لديك، وتنظر بعقل شخص آخر لبحثك وتري العيوب والمميزات التي إتسمَ بها بحثك، نقد الذات البناء أمر حسن، ويجب الإعتياد عليه ومعرفة كيفية إستخدامه حقاً.

بحيث تفعل أو تمارس بعض الأفكار او التمارين البسيطه لتخرج من نطاق التفكير المألوف لديك، وتنظر بعقل شخص آخر لبحثك

هذا مثير جدًا للاهتمام بالفعل فالعقل البشري مرن جدًا، ورغم أنه يحب الرتابة إلا أنه يقبل التغيير، هل تعرف بعض أحد هذه الأفكار أو التمارين؟؟

أتفق تمامًا مع أنَّ الشخص ينبغي أن يخرج عن المألوف والمعتاد حتى يستطيع الابتكار والإبداع؛ ومما يؤكد ذلك أنَّه كان هناك لغزٌ قديم لا يحل إلا بالخروج عن الخط.

لكني أعتقد أنّ الكاتب قد جانبه الصواب حين عبر عن ذلك المعنى الذي أراده بقوله:"الباحث الذي لا يضحك على عقله ويسخر بمألوفاته التقليدية لا يستطيع بعد ذلك أن يكون باحثًا حقًا".

فالباحث لا ينبغي له السخرية، وليس من سمات الباحث الموضوعي الانتقاص من رأي الآخرين؛ بل ينبغي أن يعتقد أنَّ رأيه صحيحٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأٌ يحتمل الصواب.

فكل شخصٍ يؤخذ منه ويرد إلا صاحب الروضة الشريفة(صلى الله عليه وسلم).

فالباحث لا ينبغي له السخرية، وليس من سمات الباحث الموضوعي الانتقاص من رأي الآخرين

ولذلك قلت: لا أظن أن الكاتب عنى فيها السخرية بمعناها الحرفي، وإنما قصد فيها القدرة على نقد الذات والمألوف.

نعم، لكن ينبغي على الإنسان أن يختار كلماته بعناية؛ فالكلمة مسؤولية، فقد كان يستطيع اختيار كلمة أخرى أفضل تؤدي المعنى المراد.

ولكنني أجد أن بعضًا من الأشخاص يعتقدون أن الخروج عن كل ما يمثل الهوية والانتقاص من تلك الأشياء التي كانوا جزءً منها تمنحهم صفة الباحث أو المفكّر أو حتى المثقف.

هؤلاء أصحاب نظرة سطحية، يعتقدون أن كل جديد صحيح، وكل قديم بال وعفى عليه الزمن، لكن الحقيقة هي أنّ القديم قد يحوي معاني ومعتقدات جوهرية والعكس.

وإلى أي مدى تجدون أن هذه الظاهرة باتت منتشرة؟

هذه الظاهرة منتشرة وكثيرا مع الأسف، والكثيرون يتغنون بمفاهيم حديثة ويظنونها سليمة.

minablog أضف ردا
ولكنني أجد أن بعضًا من الأشخاص يعتقدون أن الخروج عن كل ما يمثل الهوية والانتقاص من تلك الأشياء التي كانوا جزءً منها تمنحهم صفة الباحث أو المفكّر أو حتى المثقف.

هذا ما يتسم به الراغبين في التميُّز والشهرة، وقد أصبحوا كثُر في الآونة الأخيرة. وغالبًا نجدهم قد اكتسبوا لدى البعض صورة المثقف والمفكر.

لذا أعتقد أن المعيار لمعرفة إن كان مفكرًا أم ساعِ نحو الشهرة هو أسلوب حواره؛ فالسخرية -إن كان يقصدها د. علي الوردي بشكل حرفي- فهي غالبًا تدل على شخصٍ ساعِ نحو التميّز أو أن يكون محط أنظار الآخرين.

وللأسف بشكل غير مباشر ينتشر هذا النوع من الناس مع تزايد أقول البعض -وتحديدًا أتباع التنمية البشرية- بأقوال مثل "كن مختلفًا واخرج عن القطيع"، فالبعض يفهمهم وكأنهم يقولون:"انظر ماذا يفكر أغلب الأشخاص وفكِّر عكسهم" وهو أمر لا علاقة له بكون الشخص فعلًا مفكر وباحث.

أما المفكر والباحث فيغلب عليه طابع الهدوء والحيادية (وليس السخرية) أثناء النقاش حتى لو كانت الآراء التي يعرضها ضد آراؤه الشخصية.