كلما تذكرت ما حدث للفيلسوف فردريك نيتشه أرى بوضوح ما حدث لإنسان كان يسعى للقوة ويؤمن بها بشراسة، كان نيشته يمجد صورة الإنسان الأعلى المتفوق في كل شيء والنتيجة: انهياره الحاد عقلياً.
أكثر من شخص حدث معهم ذلك حيث يبدو أن الإنسان عندما يتحدى حدوده قد يسقط صريعاً، ربما فنسنت فان جوخ أصيب بالاكتئاب بسبب سعيه القوي للصدق مما أدى أن يحاول الانتحار، وإرنست همنغواي الذي آمن بفكرة القوة والتحمّل الرجولي وأنكر ضعفه طويلًا فانتهى بالاكتئاب والانتحار.
ربما سعي الإنسان بشدة وقوة لشيء معين يحفز داخل نفسه عوامل الهشاشة، كأنها رسالة داخلية من النفس الإنسانية أن يلتزم الإنسان بحدوده ولا يحاول تجاوزها إلا بحرص، ولو لم يحترس الإنسان وبالغ في طموحه يتحول سعيه إلى ثقل يضغطه من الداخل وكلما أنكر الإنسان ضعفه وحاول كبته في طريق سعيه للقوة كلما زادت طاقة الضيق والثقل المصاحبة لسعيه إلى أن تنفجر وتدمره!
التعليقات
جنون نيتشه كان بسبب تطور حالة الزهري لديه, وهو مرض جنسي يسبب في مراحه الأخيرة انهيار العقل، ولم ينقلب سعيه إلى ضعف كما تقول. وانتحار فان جون كان بسبب خوفه من فقدان عقله تماما، بالإضافة إلى معرفته بأن أخاه( إلى كان يصرف عليه)، لن يستطيع فعل ذلك من الآن فصاعدا
كمان أن هناك شكاً في أنه انتحر أصلا؛ نظرا لسوء حالة العقلية في حالة الوقت.
أما هيمنجواي، فقد انتحر لعكس السبب الذي تقوله تماما، وقد كان انتحاره رفض للضعف العقلي والجسدي الذي أصابه في الشيخوخة، كما أن هناك شائعات أنه اضطر لذلك؛ نظرا لملاحقة ال FBI له بتهمة التعامل مع النظام الكوبي.
أما هيمنجواي...رفض للضعف العقلي والجسدي الذي أصابه في الشيخوخة
هذا ما تفعله الرغبة الشديدة في القوة: تفضيل الموت عن ضياع القوة!!
جنون نيشته فيلسوف القوة غير مؤكد أنه بسبب الزهري، ودعنا نتذكر سيجمند فرويد الذي ملأ الدنيا بكتاباته عن عدم وجود إله وبالتفسير النفسي للأديان كان خائفاً على فراش الموت.
هتلر بعد توحشه في القوة تهاوى، كتب التاريخ والقصص اليومية تمتلئ بأشخاص كان سقوطهم بسبب تجبرهم وتعاظمهم وكثرة شموخهم، بل غالباً كلما تكبّر وتعاظم الإنسان كان سقوطه أقسى!!
اعتقد أن الاسنان اذا صدق فكرة ما فلن يتوقف عنها الى ان ينتهي به الأمر كهؤلاء. وعناد الانسان هذا هو ما قد يؤدي به للتهلكة كما أنه أيضا قد يكون طريقه للنجاح والتغلب على المعوقات التي تواجهه في طريقه، وبالتالي فالأمر من وجهة نظري ليس في أن يعرف الانسان طموحه ويلتزم به بقدر ما هو أن يختار معاركه
الإنسان لا يختار معاركه أو أهدافه من الصفر بل كثيراً ما تملي عليه عواطفه أهدافه، فالهدف المختار بعملية عقلية لن يكون شديد اللمعان، لكن العاطفة هي التي تفرض أكثر الرغبة في الهدف، وبالتالي يكون لهذا الهدف بريق خاص وجاذبية لا تقاوم وقد يمر الإنسان بمصاعب كثيرة في سبيله، فلو حققه فهو قد قام بمعجزة، ولو لم يحققه غالباً سيتهاوى.
ربما نيشته يمجد صورة الإنسان الأعلى المتفوق في كل شيء لأنه أصلا كان مريض وهزيل
هل لاحظت شاربه الضخم المبالغ فيه وكأنه يخفي ملامحه الصغيره الرقيقة ؟
لقد كان نيتشة مريض وهزيل وربما أفكاره من دوافعها الرغبه في القضاء علي الضعف والمرض أو عدم السماح بميلاد أشخاص مثله ليعانوا .
هذا تفسير جيد لحالة نيتشه وهو افتراض أن السعي بشدة للقوة دليل على الضعف الأصلي الذي يظهر بعد فترة وهذا قد يكون صحيح جزئياً، لكن على الجانب الآخر نجد في كل الأدبيات الدينية تحذيرات من الإفراط في أي شيء، وتحذيرات من التكبر والغرور والسعي بطمع للقوة، بل أن الأمثال والأدبيات الدينية تذكر بصراحة أمثلة لأشخاص سقطوا بسبب غرورهم وسعيهم للتجبر والقوة.
ولكن نيتشة مختلف ، أنا قرأت شذرات من كتابة هكذا تكلم زرادشت ، هو أقرب للبحث عن الكمال وليس الإفراط .
القوة التي يبحث عنها ليست قووة نابليون أو هتلر .
ليست مركز أو مكانة معينة ، بل بحث عن الكمال و نفي صفات الشعف والمرض والسلبية .
حتي في رفضه للأخلاق هو برفض أخلاق القطيع وتكرار ما تدرب الإنسان عليه ، بل يرغب في الوصول لمعايير نابعه من صميم الإنسان لم تصمم لترويضه او الحد من قدراته أو إخضاعه لسطله معينة .
هو أقرب للبحث عن الكمال وليس الإفراط .
هو برفض أخلاق القطيع
المثل يقول: طلب الكمال من مهلكات الرجال، فطلب الكمال فعلاً من الإفراط.
ومن حيث رفض أخلاق القطيع، فنيتشه وضع نفسه على كرسي السيادة ومن موضعه هذا رأى الناس كقطيع من الضعاف وهو القوي السيد فهذا غرور مهلك أولاً، وثانياً أن الأخلاق التي رفضها كانت بعضها فضائل كالتواضع والتسامح والتعاون.
لو لم تكن فضائل التواضع والليونة وخفض الجانب من الفضائل المفيدة لما دعت إليها الأديان، والعكس مع صفات التكبر والغرور..
تجاهل الإنسان وانكاره لشيء لا تعني أبداً عدم وجوده، وكذلك الحال مع شعور الضعف، فالضعف هو شعور آدمي يجعل الشخص يرتب أوراقه، ويعلم نطاقه جيداً، وفى كل مرة حاول أن يتجاهل هذا الشعور ويستبدله بشعور مزيف من القوة المطلقة أسقط نفسه بنفسه، فالإعتراف بالضعف قوة ومعرفة حدودك كإنسان قوة، ليس مطالب منك أن تكون خارقاً أو مثالياً بقدر أن تكون حقيقياً وتتعامل بإنسانيتك.
التعامل بالإنسانية أحياناً رفاهية لا يملكها الإنسان، فالجندي في الحرب يود أن يهرب حسب إنسانيته، والرجل الذي يعمل 18 ساعة حتى يكفي الحد الأدني من مصاريف أولاده يود حسب إنسانيته أن يترك هذه العبودية.
ولكن الأمثلة التي ذكرتها في مساهمتك هم أشخاص غير مضطرة لذلك، الضرورة تجبر الإنسان على فعل اشياء كثيرة، هو في الغالب لن يفعلها في العادي، حتى ذلك الجندي الذي ذكرته او العامل ما الخطأ في اعترافه بضعفه في لحظة ما؟ اعترافه بضعفه قمة الإنسانية وما يفعله الاثنين قمة في الإنسانية لأنه في النهاية يحمل هدف شريف يخدم به غيره، ولكن الغير انساني في مساهمتك هو رغبة البعض أن يصل إلى القوة المطلقة أن يعبر اللا حدود حتى ينهار داخلياً وخارجياً.
الإنسان لما يربط حياته كلها بهدف واحد أو صورة معينة عن نفسه، أي تعثر بسيط بالنسبة له بيكون هزة كبيرة. مش معترض على فكرة الطموح لكن لما يتحول للغاية الأساسية من حياتك ساعتها بيتحول لضغط عليك مش أكتر وهو اللي بيقلب السعي من قوة لضعف.
اختلف معك قال أينشتاين إذا أراد الإنسان أن يعيش حياة سعيدة، فيجب عليه أن يربط حياته لا بشخص أو بشي بل بهدف.
فعلا ربط حياتك بهدف ثابت ممكن يكون مفيد لكن لو أصبح الهدف هو كل شيء بالنسبة لك أي عثرة بسيطة هتحس بانكسار رهيب. التوازن مهم بس من غير ما نحصر سعادتنا كلها في نتيجة واحدة.