مجتمع يرى في الإهانة قوة، وفي الاحترام ضعفًا

  • demane

منذ الطفولة، نتعلم أن المدرسة هي المنارة التي تُضيء دروبنا نحو الفهم والمعرفة، وأن المعلّم هو رمز الحكمة . لكن ماذا لو كانت أولى الدروس التي تلقيناها هناك ليست في القراءة والكتابة، بل في إهانة الإنسان؟

أتذكر جيدًا اللحظات الأولى في المدرسة، حين تعلمنا أسماء الأشياء من حولنا: الإنسان، الحيوان، الجماد. كانت المفردات بسيطة وبريئة. غير أنني فوجئت فيما بعد بأن بعض تلك الكلمات يمكن أن تتحول إلى سلاح لغوي في أفواه من نفترضهم مربّين. نعم، من الأوائل الذين علموني أنه من الممكن إطلاق أسماء الحيوانات على البشر لم يكونوا أطفالاً مشاغبين في الحي، بل معلمون في مؤسسة يُفترض أنها منبر العلم.

كانت الصدمة أكبر حين اكتشفت أن بعض المعلمين – وليس جميعهم بالطبع – يتعاملون مع التعليم كما لو كان وظيفة عابرة، لا رسالة. رأيت أساتذة مختلين في تصرفاتهم، وآخرين يتغزلون بالطالبات في سنّ حساسة، في زمن كان فيه أغلبنا لا يزال قاصرًا. لا أنكر فضل الكثير من المخلصين الذين تركوا فينا أثراً طيباً، لكن وجود هذه النماذج المسيئة جعلني أتساءل: كيف يتحول من أُوكلت إليه مهمة التهذيب إلى من يغرس في عقول الأطفال بذور الإهانة؟

لقد تعلمت من بعض المعلمين أنه يمكن إطلاق أسماء الحيوانات على البشر، فكبر في ذهني سؤال: إن كانوا يرون في ذلك سلوكًا عاديًا، فما المانع من أستخدامه ضدهم يومًا؟ أليس الطفل مرآة لما يتلقاه؟

لنتخيل الآن طفلًا لم يتجاوز الثانية عشرة، يتعرض لاعتداء من بالغ يفترض أنه معلم بتهمة بدون محاكمة أو حتى استيعاب السبب نت المتهم، بل قد يكون السبب أن الغالبية قامو بسلوك غير مرغوب ليدفع الجميع الجميع الثمن. أي وصف يمكن أن يُطلق على صاحب هذا الفعل؟ بهيمة؟ أم أن هذا اللفظ صار أقل من أن يصف وحشية كهذه؟ بل إنني متأكد من أن مثل هذا السلوك ينبع من عقلية مستبدة تهدف لفرض السيطرة عبر تصفية سلوك معين يعتبر تهديدا لسلطتها بغض النظر عن الاساليب أو النتائج على الفرد ما دامت النتيجة الظارة ترضيها.

المؤلم أن هؤلاء لا يُحاسَبون كما يجب، رغم أنهم درسوا لسنوات تقنيات التعليم والتعامل مع الأطفال، لكنهم استبدلوها بتقنيات القمع والترهيب، وكأنهم تلاميذ في مدرسة يوسف ستالين. ناهيك عن النفاق عندما يتم اخفاء وسائل التأديب الجسدي في اليوم الذي يأتي فيه المفتش.

إن استخدام طرق ترهيبية من الاعتداء اللفضي أو الجسدي ليس مجرد كلمات تُقال أو ردود فعل عابرة في لحظة غضب؛ إنها سلوك يجرّد الإنسان من كرامته، ويغرس في الأجيال المقبلة ثقافة الإهانة بدل الاحترام. والأسوأ حين يصدر هذا من معلم، ليتحول ذلك إلى درس غير مباشر في القسوة.

إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير المناهج فقط، بل بإعادة تعريف من هو المعلم الحقيقي. المعلم ليس من يلقّن، بل من يحتضن. ليس من يُسقط غضبه على الأطفال، بل من يعلّمهم كيف يعبّرون عن مشاعرهم دون خوف.

فمن المؤلم أن يتحول المربّي إلى مصدر أذى، وأن يكون أول من يزرع في العقول بذرة سلوكيات غير أخلاقية، تلك البذرة التي تُنبت مجتمعًا يرى في الإهانة قوة، وفي الاحترام ضعفًا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

برأيي يا أخي المحترم يتعب في حياته، عادات شعوبنا تتراوح بين الاحترام وقلة التهذيب، ومن الطبيعي مقابلة غير المهذبين في وقت ما، لذلك من الجيد إعداد الطفل لهذه المراحل.

في بلادنا يجعلون الطفل ينزل يلعب في الشارع حتى يقابل المجتمع الحقيقي الذي سيواجهه عاجلاً أم آجلاً، وحتى لا يكون ضحية الاحترام.

أذكر أنني في المرحلة الابتدائية انتقلت بسبب ظرف لمدرسة لنقل مستوى الاحترام فيها متدني، كان المدرسون والمدرسات يمزحون معاً بطريقة تماثل مزاح أطفال الشارع، وكان الطلبة نفس النظام، تأقلمت بعد فترة.

بعدها بسنتين في المرحلة الإعدادية أفادتنا الشقاوة التي تعلمناها في أشياء مثل معاقبة كل من يتجرأ ويخرب لنا لعبتنا لكرة القدم..وكان هذا نوع من فرض الاحترام.

حين يُجلد العقل باسم التربية،لمدرسة هي مكان يتعلم فيه الإنسان كيف يصبح إنسانًا، فنحن لا نريد أن نصورها على أنها مسرح لتجارب قاسية يختلط فيها التعليم بالعقاب، والمعرفة بالخوف.

يحمل الطفل الصغير دفاتر وأحلام، لكنهم في مثل هذه الحالة يحمل أيضًا قلبا يرتجف عند سماع صوت المسطرة، أو عند نظرة غاضبة من المعلم .

التنابز بالألقاب ليس حكرًا على الشارع، بل كان جزءًا من الدرس اليومي. كلمات مثل حمار، بغل، بهيمة كانت تُقال وكأنها أدوات تعليم، تُزرع في العقول الصغيرة لتعلّمهم أن الخطأ لا يُصحّح بالحوار، بل بالإهانة. فما أصعب أن تكون أول من يهينك هو من يفترض أن يعلمك معنى الكرامة. لكن الإهانة اللفظية لم تكن سوى وجهٍ من وجوه الجرح.

ففي مراحل مختلفة من حياتي الدراسية، رأيت بعيني الضرب يُمارس كوسيلة تربوية مشروعة، لا كجريمة. أتذكر معلمة ضربت تلميذة حتى كسرت ذراعها، ثم برّرت ذلك بأن الفتاة “رفعت يدها” وأخرى كانت تضرب رؤوس أصابع التلاميذ بالمسطرة حتى تتشقق أظافرهم. وثالثة تحوّل عدد الآيات غير المحفوظة إلى عدد من الضربات! أما المعلم الذي رفع تلميذًا ثم رماه بالحائط حتى تورم رأسه، والشهود قلائل ولا يملكون حيلة، ثم نُسي الأمر وكأنه حدث طبيعي.

بل وصل الأمر لاستخدام ما أسميه موروث استعماري أحدها وضع اليدين فوق الرأس والأخر التوجه للحائط ورفع الذراعين وفي أحيان أخرى رفع أحد القدمين.

تلك المشاهد لم تكن حالات شاذة، بل كانت تجد قبولًا اجتماعيًا مدهشًا، تحت مبرر “هكذا يتعلم الطفل الأدب”. بل الأسوأ أن بعض أولياء الأمور كانوا يبررون تلك الممارسات بعبارة: “أكيد لم يضربه بلا سبب”، وكأن المعلم يملك الحق المطلق في العقاب.

و أكتب هذا تذكرت تجربة سجن ستانفورد الشهيرة، حيث أُعطي طلاب عاديون سلطة مطلقة على زملائهم، فتحولوا في أيام إلى جلادين. التجربة أثبتت أن السلطة غير المقيدة تقتل الضمير، وهذا بالضبط ما كان يحدث في مدارسنا.

حتى بعد أن تم التضييق على استخدام العنف الجسدي، بقيت تلك الممارسات تُمارس في الخفاء، مدعومةً بصمتٍ اجتماعي.

الأمر لم يكن مجرد عنف بدني، بل كان تشويهاً نفسيًا، إذ جعل من الخوف جزءًا من التربية، ومن الإهانة وسيلةً للتقويم.

لقد صُمّمت المدرسة لتكون منزلًا ثانيًا للطفل، مكانًا للتربية على القيم وبناء الوعي وتنمية القدرات، لا لتكون ساحة حربٍ نفسية.

المدرسة يجب أن تُعلّم الطفل كيف يُدافع عن نفسه، لا كيف يتلقى الصفعات بصمت. هناك مؤسسات أخرى يمكن أن تغرس الانضباط – مثل مدارس الدفاع عن النفس أو الكشافة – لكنها لا تُعلّمه الخضوع، بل القوة بضبط النفس.

إننا اليوم بحاجة إلى ثورة في مفهوم التربية والتعليم، ثورة تعيد للمعلم مكانته الحقيقية كقدوة، وللطفل مكانته كإنسان.

فالعقاب لا يُنتج احترامًا، بل خوفًا. والتربية ليست في رفع اليد، بل في رفع الوعي.

كما أن مسألة العنف ضد الأساتذة هو نتيجة لتلك الممارسات ولجهل الاساتذة السالفة الذكر واشباههم من المدرسين الحاليين الجاهلين لاساسيات التدريس الذين لديهم الرغبة في العودة إلى الطرق القديمة إضافة إلى أن الإدارة لا يهمها طريقة التدريس بقدر ما يهمها عدم وجود مشاكل من طرف الأولياء. وكل واحد يعوم بحره.

هذه مشكلتي الكبرى ليس مع المعلمين فقط بل مع كل كبير عموماً سواء سن أو منصب أو مقام أو صلة، أنت تضمن الإهانة أو تستخدمها وكأنها اكسسوار أو لزمة ولا يحق لأحد أن يرد عليك أو يغضب أو يطلب منك الاعتذار، عندما كنت صغير كان عندي تلعثم يومها المعلم قال طريقة نطقك تشبه طريقة "الماعز" قالها وهو يمزح، وأقسم لك أن الأمر معه تخطى حودود المدرسة والإدارة ليصل لمكتب الوزير بعدما لم تعترف الأطراف السابقة بحقي في اعتذار منه وفي النهاية اعتذر ولو أن كل إنسان لم يصمت على إهانته ومشى يطلب حقه بصورة صحيحة لامتنع المخطئ عن خطأه فمن لم يربيه الأهل والضمير تربيه العقوبة

الأمر ليس بتلك البساطة فهو يحتاج إلى تضحية، هل تعلم أيها أصعب، أن تحرر العبيد أم تقنع العبيد بالحرية؟ تعلمت أن أعامل كل شخص حسب عقله إلا في حالة حاول الأذية وجب إيقافه عند حده.

أفهم قصدك ولكن ربما لم يفهم العبيد أنهم عبيد ولو فهموا لما رضوا بذلك يا أخي، في بلد عربي ما كنت هناك اسبوعين وتاخرت لأنني لا أعرف الطرق فوبخني مسؤول هناك وقتها امتنعت عن العمل وتواصلت مع مدرائي وحدثت أزمة واعتذر الرجل كان يظن أنني من فريقه ولست مندوب، بعض العاملين هناك تعجبوا وقالوا أنني أول شخص أفعل ذلك، وأنهم يتعرضون لمثل هذه الأمور بسبب وبلا سبب ويرون هذا نظام وصرامة العمل فماذا لو فهموا أنها إهانة !

أتفق تماما مع ما طرحته، وأكثر ما يؤلم أن بعض المعلمين لا يدركون أن كلماتهم تبقى في الذاكرة سنين طويلة أتذكر معلما في الابتدائية سخر من خطي أمام زملائي، وقال لي ببرود: لن تنجح حتى تتعلم الكتابة مثل الناس.

تلك الجملة وحدها جعلتني أترك الرسم والكتابة فترة طويلة، فقط لأن من يفترض أنه المربي جعلني أرى نفسي عاجزًا لكن الغريب أن معلما آخر جاء بعده غير كل شيء. لم يمدحني كثيرا، لكنه كان يسألني رأيي ويعاملني كأن لي عقلا يستحق أن يسمع الفرق بينهما بسيط لكنه عميق: الأول رأى طفلا يحتاج تهذيبا، والثاني رأى إنسانا يحتاج ثقة.

لهذا أؤمن أن إصلاح التعليم لا يبدأ من المناهج ولا المباني، بل من تلك اللحظة التي يدرك فيها المعلم أنه يملك بكلمة واحدة أن يهدم نفسًا أو يبنيها.

صحيح، تصرفات بعض المعلمين تكون كارثية على الأطفال كلمة واحدة سيئة تقال بسخرية أو غضب تبقى في ذهن الطفل طويلًا وتضعف ثقته بنفسه. المعلم لا يعلّم درسًا فقط، بل يشكّل شخصية الطفل ويعلّمه كيف يثق بنفسه. أي كلمة أو تصرف بسيط منه قد يبني طفل واثق أو طفل خائف. المشكلة أن كثيرًا من المعلمين لا يعرفون تأثير كلامهم على الطلاب. لذلك، تحسين التعليم لا يقتصر على الكتب والمناهج، بل يشمل تعليم المعلمين كيف يتعاملون مع الأطفال بكلمة طيبة تشجعهم وتدعمهم.

مقال رائع وعظيم، تحياتى لحضرتك

نعم اتفق معك لان شخصية الشعوب ونشاتها تبدا من شخصية الطفل الاهانة والتطاول من المدرس او الابوين هي عبارة عن محو هوية الطفل وزعزعة ثقته في نفسه وان ارى هذا واضح في شخصية الشعوب وعلى سبيل المثال في الرياضة تجد الدول المهتمة بشخصية الطفل

والحفاظ على كرامته بل بالعكس تمدحه ( الدول المتقدمة ) تجد اللاعب صغيرا لكنه يتمتع بثقة عالية بالنفس تجعله يفوز والدليل ان جميع البطولات العالمية تفوز بيها الدول التي تهتم بشخصية الطفل وكبرياءه ويمكنك قياس ذلك في جميع المجالات