هذه مشكلتي الكبرى ليس مع المعلمين فقط بل مع كل كبير عموماً سواء سن أو منصب أو مقام أو صلة، أنت تضمن الإهانة أو تستخدمها وكأنها اكسسوار أو لزمة ولا يحق لأحد أن يرد عليك أو يغضب أو يطلب منك الاعتذار، عندما كنت صغير كان عندي تلعثم يومها المعلم قال طريقة نطقك تشبه طريقة "الماعز" قالها وهو يمزح، وأقسم لك أن الأمر معه تخطى حودود المدرسة والإدارة ليصل لمكتب الوزير بعدما لم تعترف الأطراف السابقة بحقي في اعتذار منه وفي النهاية اعتذر ولو أن كل إنسان لم يصمت على إهانته ومشى يطلب حقه بصورة صحيحة لامتنع المخطئ عن خطأه فمن لم يربيه الأهل والضمير تربيه العقوبة
برأيي يا أخي المحترم يتعب في حياته، عادات شعوبنا تتراوح بين الاحترام وقلة التهذيب، ومن الطبيعي مقابلة غير المهذبين في وقت ما، لذلك من الجيد إعداد الطفل لهذه المراحل.
في بلادنا يجعلون الطفل ينزل يلعب في الشارع حتى يقابل المجتمع الحقيقي الذي سيواجهه عاجلاً أم آجلاً، وحتى لا يكون ضحية الاحترام.
أذكر أنني في المرحلة الابتدائية انتقلت بسبب ظرف لمدرسة لنقل مستوى الاحترام فيها متدني، كان المدرسون والمدرسات يمزحون معاً بطريقة تماثل مزاح أطفال الشارع، وكان الطلبة نفس النظام، تأقلمت بعد فترة.
بعدها بسنتين في المرحلة الإعدادية أفادتنا الشقاوة التي تعلمناها في أشياء مثل معاقبة كل من يتجرأ ويخرب لنا لعبتنا لكرة القدم..وكان هذا نوع من فرض الاحترام.
حين يُجلد العقل باسم التربية،لمدرسة هي مكان يتعلم فيه الإنسان كيف يصبح إنسانًا، فنحن لا نريد أن نصورها على أنها مسرح لتجارب قاسية يختلط فيها التعليم بالعقاب، والمعرفة بالخوف.
يحمل الطفل الصغير دفاتر وأحلام، لكنهم في مثل هذه الحالة يحمل أيضًا قلبا يرتجف عند سماع صوت المسطرة، أو عند نظرة غاضبة من المعلم .
التنابز بالألقاب ليس حكرًا على الشارع، بل كان جزءًا من الدرس اليومي. كلمات مثل حمار، بغل، بهيمة كانت تُقال وكأنها أدوات تعليم، تُزرع في العقول الصغيرة لتعلّمهم أن الخطأ لا يُصحّح بالحوار، بل بالإهانة. فما أصعب أن تكون أول من يهينك هو من يفترض أن يعلمك معنى الكرامة. لكن الإهانة اللفظية لم تكن سوى وجهٍ من وجوه الجرح.
ففي مراحل مختلفة من حياتي الدراسية، رأيت بعيني الضرب يُمارس كوسيلة تربوية مشروعة، لا كجريمة. أتذكر معلمة ضربت تلميذة حتى كسرت ذراعها، ثم برّرت ذلك بأن الفتاة “رفعت يدها” وأخرى كانت تضرب رؤوس أصابع التلاميذ بالمسطرة حتى تتشقق أظافرهم. وثالثة تحوّل عدد الآيات غير المحفوظة إلى عدد من الضربات! أما المعلم الذي رفع تلميذًا ثم رماه بالحائط حتى تورم رأسه، والشهود قلائل ولا يملكون حيلة، ثم نُسي الأمر وكأنه حدث طبيعي.
بل وصل الأمر لاستخدام ما أسميه موروث استعماري أحدها وضع اليدين فوق الرأس والأخر التوجه للحائط ورفع الذراعين وفي أحيان أخرى رفع أحد القدمين.
تلك المشاهد لم تكن حالات شاذة، بل كانت تجد قبولًا اجتماعيًا مدهشًا، تحت مبرر “هكذا يتعلم الطفل الأدب”. بل الأسوأ أن بعض أولياء الأمور كانوا يبررون تلك الممارسات بعبارة: “أكيد لم يضربه بلا سبب”، وكأن المعلم يملك الحق المطلق في العقاب.
و أكتب هذا تذكرت تجربة سجن ستانفورد الشهيرة، حيث أُعطي طلاب عاديون سلطة مطلقة على زملائهم، فتحولوا في أيام إلى جلادين. التجربة أثبتت أن السلطة غير المقيدة تقتل الضمير، وهذا بالضبط ما كان يحدث في مدارسنا.
حتى بعد أن تم التضييق على استخدام العنف الجسدي، بقيت تلك الممارسات تُمارس في الخفاء، مدعومةً بصمتٍ اجتماعي.
الأمر لم يكن مجرد عنف بدني، بل كان تشويهاً نفسيًا، إذ جعل من الخوف جزءًا من التربية، ومن الإهانة وسيلةً للتقويم.
لقد صُمّمت المدرسة لتكون منزلًا ثانيًا للطفل، مكانًا للتربية على القيم وبناء الوعي وتنمية القدرات، لا لتكون ساحة حربٍ نفسية.
المدرسة يجب أن تُعلّم الطفل كيف يُدافع عن نفسه، لا كيف يتلقى الصفعات بصمت. هناك مؤسسات أخرى يمكن أن تغرس الانضباط – مثل مدارس الدفاع عن النفس أو الكشافة – لكنها لا تُعلّمه الخضوع، بل القوة بضبط النفس.
إننا اليوم بحاجة إلى ثورة في مفهوم التربية والتعليم، ثورة تعيد للمعلم مكانته الحقيقية كقدوة، وللطفل مكانته كإنسان.
فالعقاب لا يُنتج احترامًا، بل خوفًا. والتربية ليست في رفع اليد، بل في رفع الوعي.
كما أن مسألة العنف ضد الأساتذة هو نتيجة لتلك الممارسات ولجهل الاساتذة السالفة الذكر واشباههم من المدرسين الحاليين الجاهلين لاساسيات التدريس الذين لديهم الرغبة في العودة إلى الطرق القديمة إضافة إلى أن الإدارة لا يهمها طريقة التدريس بقدر ما يهمها عدم وجود مشاكل من طرف الأولياء. وكل واحد يعوم بحره.