أتفهم وجهة نظرك، لكنني أرى أن الاعتراف بحدود المعرفة لا يقود بالضرورة إلى التوقف عن التساؤل. فلو كان كل ما نجهله يجب ألا نبحث فيه، لما نشأت الفلسفة أصلاً.
أنا أتفق أن الغيبيات، بحسب الإيمان الديني، لا يمكن التحقق منها تجريبياً، لكن هنا يكمن الفرق بين الإيمان والمعرفة. المؤمن يقبلها بوصفها يقيناً مستنداً إلى إيمانه، أما الفيلسوف فيسأل: كيف نميز بين ما نؤمن به وما نعرفه؟
بالنسبة لي، القول إن علم الغيب عند الله لا يحل الإشكال الفلسفي، بل ينقله إلى مستوى آخر. لذلك أرى أن التساؤل حول الموت وما بعده ليس عبثاً، بل محاولة لفهم حدود العقل الإنساني وحدود ما يمكن لنا معرفته.
قد لا نجد جواباً نهائياً، لكن مجرد الاعتراف بأننا لا نعرف أحياناً يكون أكثر صدقاً من ادعاء اليقين فيما لا يمكن التحقق منه.
أحترم وجهة نظرك، وأتفهم أن الإيمان يمنح صاحبه يقيناً داخلياً. لكن من الناحية الفلسفية يبقى هناك فرق بين اليقين النفسي واليقين المعرفي.
فأتباع الديانات المختلفة يشعرون أيضاً بيقين كامل تجاه معتقداتهم، مع أن هذه المعتقدات قد تكون متعارضة. لذلك فإن وجود شعور قوي باليقين لا يكفي وحده لإثبات أن موضوع اليقين أصبح معرفة.
أنا لا أعارض أن يكون للإيمان مساره الخاص، لكن عندما نتحدث عن الغيبيات أرى أن أقصى ما يمكنني قوله هو: أؤمن أو لا أؤمن، أما أن أقول أعرف، فهنا يبدأ الإشكال.
وربما يكون أجمل ما علمتنا الفلسفة أن الاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً في اليقين، بل احتراماً للحقيقة أينما كانت.