طلال مقصد

باحث ومؤلف في الفلسفة، مهتم بدراسة جدلية الوعي والوجود، وصاحب كتاب (فلسفة الضرورة الواعية) وكتاب (الكون كتحقق)

45 نقاط السمعة
1.1 ألف مشاهدات المحتوى
عضو منذ
الطرح الذي كتبتهُ في نقد آليات اتخاذ قرار الإنجاب هو طرحٌ مُثمّن، لكونه يكسر حاجز الصمت حول غياب الوعي في أكثر قراراتنا مصيرية، لكننا يجب أن نذهب بعيداً إلى ما هو أبعد من مجرد "التفكير والمراجعة". إن المسألة لا تتوقف عند حدود الجاهزية النفسية أو التأجيل، بل تمتد لتصل إلى توصيف الفعل نفسه بكونه عدواناً وإجراماً حين يُترك بلا رقابة صارمة؛ فأي مجتمع، مهما بلغت درجته من الإبداع، يرتكب حماقة كبرى حين يسمح بتحول الأفراد إلى مصانع لإنتاج الأطفال دون
طرحك في الصميم ويلامس جوهر المعضلة. لكن دعني أوضح أن الوعي في منطقي ليس "ساعي بريد" ينفذ الأوامر، بل هو المشرّع الداخلي الذي يدرك وحدة المصير الإنساني. المنفعة التي أتحدث عنها ليست "مقايضة" أو أنانية ضيقة، بل هي "المنفعة الوجودية الشاملة". القاتل المتسلسل ليس عقلانياً ولا واعياً، بل هو "جاهل" بالمعنى الفلسفي، لأنه يهدم العقد الاجتماعي الذي يحمي بقاءه هو شخصياً؛ فمن يشرعن الجريمة اليوم، يشرعن وقوعها عليه غداً. أما عن "الجريمة المستترة"، فالوعي الحقيقي يدرك أن تشويه "الضمير" هو
أهلاً أخي أكرم، شكرًا على تعليقك العميق. صحيح أن التركيز على الوعي الفردي يطرح سؤال النسبية، لكن من منظور فلسفي، أخلاق البشر تاريخيًا قائمة على المنفعة المتبادلة، فهي الطريقة التي نظّم بها الإنسان علاقاته مع الآخرين. ما يميز الفعل الأخلاقي الحقيقي هو أن الفرد يستخدم وعيه لإدارة هذه المنفعة بوعي ومسؤولية، بدل أن ينساق وراء رغباته الخاصة أو مكافآت خارجية. المتطرف أو النرجسي قد يظن نفسه واعيًا، لكنه يفتقر إلى القدرة الداخلية على تحويل القاعدة المشتركة للمنفعة إلى فعل أخلاقي
غالبًا ما يُختزل الحديث عن الأخلاق: هل مصدرها الدين، أم العقل، أم المجتمع؟ في الحقيقة، الأخلاق ليست مرجعية واحدة يمكن الرجوع إليها، بل نتيجة تعامل الوعي مع الضرورات البنيوية والجمعية ضمن استعداد داخلي محدد. الوعي الحقيقي هو من يملك القدرة على إدارة القيود الرمزية والاجتماعية وتحويلها من مجرد قيد إلى شرط يمكّنه من الفعل الأخلاقي الواعي. الدين، العقل، والتقاليد كلّها أنماط رمزية يختبر من خلالها الفرد قدرته على التكيّف، لكنها ليست أصل الأخلاق، بل أدوات لممارستها بنضج ومسؤولية. المبادئ بلا
ما تفضلتِ به يضع الإصبع على جوهر النضج الإنساني. الفكرة ليست في الهروب من الارتباط ولا في تمجيد العزوبية، بل في فهم الذات قبل إدخالها في علاقة. حين يكتمل الوعي بالاحتياجات والحدود، لا يعود الإنسان يطالب العلاقة بتعويض نقص داخلي، ولا يحمّل الطرف الآخر ما لا يحتمل. العلاقة الصحية لا تُبنى على اندفاع شعوري، بل على ذات واعية قادرة على المسؤولية والاستمرار.
أتفق معكِ تمامًا في ما يخصّ المسؤولية والالتزام والنضج، خاصة حين تكون العلاقة مرتبطة بآخرين كالأطفال. لكن فقط للتوضيح: النص لا يناقش كيف نُدير العلاقات ولا يبرّر التعامل مع الناس وفق الأهواء، بل يتوقف عند سؤال مختلف تمامًا: ما طبيعة المشاعر نفسها؟ هو محاولة لنزع الوهم عن مطالبة المشاعر بالدوام، لا دعوة لرفع المسؤولية أو تبرير التقلّب. إدارة العلاقات شأن أخلاقي، أمّا النص فهو توصيف وجودي لماهية الشعور وحدوده
ما تصفه ليس تغيّرًا طبيعيًا للمشاعر، بل غياب انتظامها الأخلاقي. المزاجية التي تنقلك من الشعور بالقيمة إلى الإلغاء لا تعبّر عن تغيّر المشاعر، بل عن فشل في ترجمتها إلى سلوك ثابت. في الزواج لا يُطلب من المشاعر أن تكون متوهّجة دائمًا، لكن يُطلب منها أن تكون مُؤطَّرة: أي أن يظل التعبير، والاحترام، والشعور بالأمان في حدٍّ أدنى لا يتأرجح. نعم، التغيّر الطبيعي يكون بين درجات القرب، لا بين الحب والنفي. وهذا لا يناقض الفكرة، بل يؤكدها: لأن ما يضبط التغيّر
أفهم هذا القلق، لكنه ناتج عن الخلط بين تغيّر الشعور وانعدام المسؤولية. القول بأن الحالة الشعورية لا تدوم لا يعني تبرير التقلب أو التخلي، بل يعني أن ما يحفظ العلاقات ليس حرارة الشعور بل الوعي بها والالتزام الناتج عنها. نعم، هناك حدّ أدنى لا تقوم العلاقة بدونه، لكنه ليس شعورًا مستمرًا، بل قيمة مُجسَّدة: احترام، أمان، ثقة. حين يضيع هذا الحد الأدنى لا تكون المشكلة في تقلّب الشعور، بل في انهيار الإطار الذي يحتضنه. العلاقات لا تُهدَّد بالاعتراف بتغيّر المشاعر،
لا أحد يقول بتجزئة الإنسان أو فصل مكوّناته وجوديًا، لكن التمييز المفهومي ليس خطيئة ذهنية، بل شرط للفهم. القول بوحدة الإنسان لا يلغي اختلاف طبيعة ما يقوم به: فالقيمة تُتَّخذ، بينما الشعور يُختَبَر. يمكن تربية الشعور وتوجيهه، نعم، لكن تربيته لا تعني تثبيته كحالة، بل إدخاله في إطار معنى يعاد إنتاجه. حبّ الله – كما تذكر – لا يفقد حيويته حين نفهمه كمعنى محرّك، بل على العكس: ما يمنحه الاستمرار ليس حرارة الشعور، بل قدرته على التحوّل إلى وعي وسلوك.
طرحك دقيق، والفرق هنا جوهري. ما يطلبه الإنسان ليس دوام الشعور بل دوام الاستقرار الذي ينتج عنه. المودة والطمأنينة لا تعيش كحالات وجدانية مكثفة، بل كأجواء داخلية تتكوّن ببطء وتُحافَظ بالفعل والمعنى. هي لا تنمو لأنها مشاعر ثابتة، بل لأنها تتحوّل من إحساس إلى حالة اتزان. فالدوام هنا ليس وهمًا، لكنه لا يكون دوماً للشعور ذاته، بل للصيغة التي يستقر فيها بعد أن يفقد حدّته الأولى.
صحيح أن عمق المشاعر شرط أساسي لعظمتها، لكن ربط العظمة بالدوام يفترض أن الاستمرار صفة شعورية، بينما هو في الغالب صفة أثر لا حالة. فالمشاعر العميقة قد تكون قصيرة العمر، لكنها تترك أثرًا طويلًا يعاد حضوره في الذاكرة والسلوك والمعنى. لذلك ليست الحدّة المؤقتة هي المشكلة، بل السطحية؛ أما العمق فيكفيه أن يتحقق مرة واحدة ليصنع أثرًا يتجاوز زمنه
ما تشير إليه دقيق جزئيًا، لكنه يفترض مساواة بين ما هو شعوري وما هو قيمي. المبادئ والقيم يمكن تبنّيها وتثبيتها بالوعي والالتزام، أما المشاعر فلا تُعتمد كقرار، بل تُعاش كاستجابة. حبّ الله أو الوطن – في هذا السياق – ليس شعورًا خالصًا بقدر ما هو منظومة معنى، وانتماء، وسلوك متكرر، قد يصاحبه شعور، لكنه لا يُختزل فيه. لذلك ما يبقى ثابتًا ليس الحالة الوجدانية، بل الإطار الذي تُعاد داخله صياغة الشعور كل مرة. حتى الاحترام الذي ذكرته بين التلميذ وأستاذه
ما تصفه ليس دوام الحالة الشعورية بل دوام الممارسة والمعنى. المشاعر بوصفها حالات وجدانية كثيفة لا تستقر بطبيعتها، لكن ما يمكن أن يستمر هو تحويل أثرها إلى سلوك، والتزام، وصورة أخلاقية للعلاقة. في الزواج لا تبقى المشاعر كما هي، بل تتحوّل: من انفعالٍ آنيّ إلى معنى مستقر، ومن توهّج لحظي إلى التزام واعٍ يتجدّد بالفعل لا بالشعور وهذا لا يناقض الفكرة، بل يؤكدها: الخلود ليس في الشعور ذاته، بل في الأثر الذي يتركه حين يُعاد إنتاجه في السلوك والوعي.
ما ذكرته عن اللافتة مثال كاشف فعلًا، لأنه يفضح لحظة انفصال العين عن الوعي. نحن لا نخطئ في القراءة بقدر ما ننجح في القفز فوق ما هو حاضر لصالح ما هو متوقَّع. العقل هنا لا يرى… بل يملأ الفراغ بما اعتاد عليه، وكأن الواقع لم يعد بحاجة لأن يُفحَص ما دام مألوفًا. ربما أخطر ما يفعله التكرار ليس أنه يُضعف الانتباه، بل أنه يُقصي الحاضر لصالح نسخة ذهنية مسبقة. فنحن لا نعيش اللحظة كما هي، بل كما ينبغي أن تكون
أتفق معك في نقطة مهمّة: فهم السلوك ضرورة لأي علاقة، وهو شيء مختلف تمامًا عن “فهم الإنسان” بوصفه كيانًا كاملًا. الإشكال يبدأ حين نخلط بين الأمرين، فنحوّل صعوبة فهم السلوك إلى حكم على الوعي ذاته. ما يبدو “غير منطقي” غالبًا ليس غيابًا للمنطق، بل منطقًا لا يعمل بأدوات العقل الأداتي وحده. المشاعر ليست نقيضًا للعقل، بل طبقة أخرى من الإدراك، لها نظامها الداخلي، حتى لو لم يكن قابلاً دائمًا للترجمة إلى أسباب مباشرة. الخطأ الذي وقع فيه الفكر الذكوري لم
هذا ليس بحثًا علميًا ولا ادّعاء حقيقة تجريبية، بل طرح فلسفي تأمّلي. الفلسفة لا تُبنى دائمًا على إحصاءات، بل على تفكيك مفاهيم شائعة وطريقة تفكيرنا بها. حين أقول إن الإنسان لا يُفسَّر اختزالًا فأنا لا أقدم قانونًا علميًا، بل موقفًا فلسفيًا معروفًا في الفكر الوجودي والأنطولوجي، يرى أن الكائن الإنساني أوسع من أي تفسير نهائي. لماذا كُتب عن المرأة تحديدًا؟ لأن المرأة تاريخيًا كانت موضوع تفسير أكثر من كونها ذاتًا مفسِّرة: فقد فُسّرت نفسيًا، بيولوجيًا، أخلاقيًا، ودينيًا، وغالبًا دون أن
لا المرأة تُفسَّر ولا الرجل. الفرق أن الرجل اعتاد التفسير، لا التعرّض له. والنص ينتقد آلية التفسير ذاتها، لا جنسًا بعينه
المقصود بالسيطرة ليس التحكم المباشر أو القمع، بل الرغبة في جعل الآخر قابلًا للتوقع. حين أفسّر الإنسان بالكامل، وأضعه في نموذج ثابت، أشعر أنني ( أمسك به ) فلا يفاجئني ولا يربكني، ولا يهدد صورتي عن نفسي. هذه هي السيطرة في معناها العميق: تحويل الحضور الإنساني إلى شيء يمكن احتواؤه ذهنيًا. أما الطمأنة الوجودية، فهي حاجة الإنسان لأن يشعر أن العالم مفهوم، مستقر، وغير مهدّد. المرأة بما تمثّله من اختلاف وعمق وعدم قابلية للاختزال تضع الرجل أحيانًا أمام حدوده، أمام
ما تقوله صحيح إذا كنا نتحدث عن فهمٍ سلوكي نفسي يهدف إلى تجنّب الأذى وتنظيم العلاقة. لكن النص لا يناقش هذا المستوى، بل ينتقد نزعة تحويل المرأة إلى موضوع تفسير بدافع السيطرة أو الطمأنة الوجودية. هناك فرق بين أن أفهم أنماط السلوك لحماية نفسي، وبين أن أختزل إنسانًا كاملًا في نموذج يمكن التنبؤ به. الخطر الحقيقي لا يأتي من عدم الفهم، بل من وهم أننا فهمنا الآخر تمامًا
أقدر قراءتك للنص وأتفهم الزاوية التي انطلقت منها. لأن نزع الامتياز عن الوعي يُلامس مناطق تُقرأ عادة بوصفها عدمية أو وجودية. لكن النص لا يدعو إلى العبث ولا إلى السخرية من التفكير بل يميّز بين أمرين مختلفين: بين فضول المعرفة بوصفه نشاطاً إنسانياً مشروعاً، وبين تحويل المعرفة إلى مركز كوني أو معنى مُسبق للوجود. القلق أو الاكتئاب لا ينبعان من إدراك ضآلة الإنسان، بل غالبًا من إصراره على أن يكون أكبر مما هو، ومن مطالبته للكون بأن يمنحه معنى، قصدا،
التشابه لغويّ أكثر منه أنطولوجي. هيجل يفترض أن الواقع عقلاني في جوهره وأن التاريخ هو مسار تَكشُّف ( الفكرة المطلقة ) حتى تبلغ وعيها بذاتها في الإنسان، فيغدو الإنسان لحظة امتياز يتكلم فيها المطلق عن نفسه. أما في هذه السطور فالاتجاه معكوس تمامًا لا وجود لفكرة مطلقة تبحث عن وعيها، ولا لجوهر كوني يتجلى عبرنا. الإنسان هنا ليس ذروة التحقق بل أحد أطواره العارضة. ونظرتنا للعالم ليست وعيًا للكون بذاته، بل حدثًا محدودًا داخل تحقق أعمى لا يقصد الوعي ولا
أقدّر لطفك في القراءة. ما أحاول قوله ليس امتلاكًا للحقيقة، بل محاولة لتخفيف ثقل الأوهام المحيطة بنا. فإذا بدا النص قريبًا من الحقيقة، فذلك لأن الوهم حين يتساقط، لا يبقى سوى ما لا يحتاج إلى تزيين.
سؤالك مشروع جدًا، بل هو الامتداد الطبيعي لما يثيره موضوع اللون فعلًا. حين نكتشف أن اللون لا يسكن الأشياء بل ينشأ من ترددات وأطوال موجية، قد يبدو أن العالم كله يُختزل إلى أرقام. وهذا ما جعل كثيرًا من الفلاسفة والعلماء يرون في الرياضيات لغة الوجود. لكن من المهم التمييز بين أمرين: الطبيعة تُوصف بالأعداد، لكنها لا تختزل إلى الأعداد فقط. التردد والطول الموجي قيم عددية، نعم، لكنهما يشيران إلى ظواهر فيزيائية حقيقية: طاقة، حقول، تفاعلات. الرياضيات تصف البنية، لكنها ليست
أشكرك على قراءتك المتأنية وتعليقك الصادق. ما ذكرته عن دقة جهاز الإبصار صحيح فعلًا؛ فالنظام البصري من أعقد ما عرفه العلم. لكن ما يهمني في النص ليس الاستدلال على وجود مصمّم أو نفيه، بل فهم كيف يظهر العالم لنا أصلاً. أي ما هي الشروط التي تجعل الرؤية ممكنة من الأساس. أما استنتاجك المتعلق بعدم رؤية الجن أو الملائكة، فهو ينسجم مع فكرة جوهرية في النص: أن ما لا تتوفر له شروط الانكشاف لا يدخل مجال الرؤية. لكن هذا وحده لا
أن ما ذكرتَه عن التجليات الضوئية الداخلية أو الألوان التي تتجاوز الطيف الفيزيائي يفتح أفقًا جديدًا للنظر إلى اللون ليس فقط كحدث مادي، بل كحضور حيّ في وعي الإنسان. وهذا ما يجعل اللون، كما قلت، نقطة التقاء بين الفيزياء والروح، الضوء والمخيلة. شكراً لك على هذه الملاحظة الدقيقة؛ إنها تضيف بعدًا إنسانيًا ومعاشًا للنص، وتؤكد أن اللون تجربة ثنائية الطبيعة: مادية وفوق-مادية في الوقت نفسه.