رمضان ليس مجرد شهر صيام، بل هو ميدان رحب نُدرّب فيه ذواتنا على الصفاء والتسامح، فننفض عن قلوبنا غبار الأحقاد ونرويها بنور الرحمة. عندما نصنع معروفًا، حتى لمن لا تربطنا به صلة، فإننا نغرس بذور الخير في أرواحنا قبل أن تنبت في أرواح الآخرين. فالكرم، ذاك النور الذي يضيء دروب الإنسانية، لم يكن يومًا مجرد عطاء مادي، بل هو سخاء في الشعور، اتساع في الصدر، ومصافحة للقلوب قبل الأيدي.

أسلافنا، الذين فهموا جوهر العطاء، لم يروا في إخراج الزكاة فضلًا، بل اعتبروه حقًا واجبًا، فكانوا يصفون من يخرج الحد الأدنى بأنه "زكاة بخيل"، لأن العطاء عندهم كان أسمى من مجرد التزام. فالأغنياء مدينون للفقراء، والأمم القوية مسؤولة عن الضعيفة، لأن الدنيا لا تستقيم إلا بتوازن الرحمة والعدل.

إن رمضان ليس فقط تدريبًا على الصيام عن الطعام والشراب، بل هو صيام عن الأنا المتضخمة، عن الغضب الذي يحرق القلب قبل أن يحرق الآخرين، وعن الانفعالات التي تجعلنا أسرى رغباتنا. الحرية الحقيقية ليست أن نفعل كل ما نشتهي، بل أن نمتلك القدرة على لجم شهواتنا ورغباتنا، أن نكون سادة أنفسنا لا عبيدًا لها.

وفي هذا الشهر الفضيل، نخطو خطوة نحو الانضباط الداخلي، نحو تهذيب الذات وترويض النزوات، لنتعلم أن السمو لا يكون في الاستسلام لكل رغبة، بل في السيطرة عليها. فرمضان هو الفرصة الذهبية التي تمنحنا درسًا في كيف نكون أحرارًا بحق، أحرارًا من قيود أهوائنا، وأسرى فقط لقيمنا النبيلة.