كيف تُشكِّل وسائل الإعلام العقول؟
كتب: د. محمود المنير
عميد كلية الاعلام والعلاقات العامة – الجامعة الإسلامية – ولاية مينيسوتا
لا تعمل وسائل الإعلام بوصفها ناقلًا محايدًا للواقع، بل تمارس دورًا أكثر تعقيدًا وخطورة يتمثل في إعادة تشكيل الواقع ذاته. فما يعرض على الجمهور عبر الأخبار، والبرامج، والمنصات الرقمية، ليس انعكاسًا بريئًا ولا نزيهاً لما يحدث، وإنما نسخة مُنتقاة، مصاغة بعناية وفق اعتبارات القوة، والسلطة، والمصلحة، وحارس البوابة والاتجاهات الفكرية السائدة. ومن هنا يصبح فهم تأثير وسائل الإعلام ضرورة معرفية لا غنى عنها لكل من يسعى إلى إدراك كيفية تشكّل الوعي العام.
إن دراسة مداخل التأثير الإعلامي لا تكشف فقط عن حجم النفوذ الذي تمارسه وسائل الإعلام في صناعة الرأي العام، بل تتيح أيضًا فهم الأدوات التي تُسوَّق بها الأفكار وتُزرع القناعات داخل المجتمعات ومعرفة من يصوغ السردية.
وتشير دراسات حديثة، من بينها تقارير مركز Pew Research، إلى أن أكثر من 70٪ من الأفراد يقرّون بأن وسائل الإعلام تؤثر في طريقة تفكير الناس بالقضايا الاجتماعية والسياسية، في الوقت الذي يعتقد فيه معظمهم أنهم شخصيًا أقل تأثرًا، وهو تناقض يعكس مدى خفاء هذا التأثير وعمقه.
في بدايات دراسات الاتصال، ساد الاعتقاد بأن وسائل الإعلام تمتلك قوة مباشرة وساحقة، وهو ما عُرف بمدخل «الرصاصة السحرية» أو «الحقنة تحت الجلد»، حيث افترضت هذه النظريات أن الرسالة الإعلامية تنتقل مباشرة إلى عقل المتلقي وتُحدث أثرًا فوريًا ومتجانسًا. ورغم أن هذا المدخل تعرّض لاحقًا لنقد واسع، إلا أن التجارب التاريخية، خاصة في أوقات الحروب والأزمات، أثبتت أن التأثير المباشر للإعلام يظل ممكنًا في سياقات معينة، لا سيما عندما يقترن بالخوف أو التهديد أو الشعور الجمعي بالخطر.
ومع تطور البحث العلمي، برز مدخل «ترتيب الأولويات» وفق أجندة محددة ليكشف شكلًا أكثر دهاءً من التأثير الإعلامي، إذ لا تسعى وسائل الإعلام من خلاله إلى إملاء ما يجب على الناس التفكير فيه، بقدر ما تحدد لهم القضايا التي ينبغي أن ينشغلوا بها. فالتركيز الإعلامي المكثف على موضوعات بعينها يجعل الجمهور يدركها بوصفها قضايا ملحّة، في حين يؤدي تجاهل موضوعات أخرى إلى إقصائها من الوعي العام. وقد أثبتت أبحاث عديدة وجود ارتباط قوي بين ترتيب القضايا في وسائل الإعلام وترتيبها في أذهان الجمهور، ما يؤكد أن السيطرة على جدول الاهتمام تمثل أحد أقوى أشكال النفوذ الإعلامي.
ويمتد هذا النفوذ الإعلامي المبرمج ليشمل السلوك الاجتماعي ذاته عبر ما يُعرف بمدخل «دوامة الصمت»، الذي يوضح كيف يدفع الخوف من العزلة الاجتماعية الأفراد إلى إخفاء آرائهم المخالفة للرأي السائد إعلاميًا. ومع تكرار هذا الصمت، يتشكل وهم الإجماع، فتتعزز الآراء المهيمنة وتُقصى الأصوات المختلفة، لا بالقمع المباشر، وإنما بالضغط النفسي والاجتماعي غير المرئي.
وفي خلفية هذه العمليات، تؤدي وسائل الإعلام دور «حارس البوابة»، حيث تتحكم فيما يُعرض وما يُمنع من العرض. ولا تكمن خطورة هذا الدور في المحتوى المنشور فحسب، بل فيما يتم حجبه أو تجاهله؛ إذ إن القضايا غير المغطاة إعلاميًا قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد من تلك التي تحظى بالتغطية. وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن نسبة كبيرة من القضايا الاجتماعية لا تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، ليس لافتقارها إلى الأهمية، بل بسبب أولويات تحريرية واقتصادية وسياسية.
كما يتجلى التأثير الإعلامي في مدخل «تدفق المعلومات على مرحلتين»، الذي يوضح أن وسائل الإعلام لا تؤثر دائمًا في الجمهور مباشرة، بل عبر قادة الرأي الذين يعيدون تفسير الرسائل الإعلامية ونقلها إلى محيطهم الاجتماعي. وفي العصر الرقمي، ازدادت أهمية هذا المدخل مع تصاعد دور المؤثرين وصنّاع المحتوى، حيث باتت تفسيراتهم للحدث أحيانًا أكثر تأثيرًا من الحدث ذاته.
وتتقاطع هذه الفكرة مع مدخل «انتشار المبتكرات»، الذي يشرح كيف تنتقل الأفكار الجديدة تدريجيًا داخل المجتمع، بدءًا من فئات محدودة أكثر اتصالًا وانفتاحًا، وصولًا إلى الأغلبية. فوسائل الإعلام لا تفرض القبول الفوري، وإنما تهيئ البيئة الاجتماعية التي تجعل الفكرة قابلة للتبني مع مرور الوقت.
أما على المدى الطويل، فيبرز مدخل «الغرس الثقافي» الذي يركز على الأثر التراكمي لوسائل الإعلام، خصوصًا التلفزيون والمنصات المرئية. فالتعرض المستمر للمضامين الإعلامية يكوّن لدى الأفراد صورة ذهنية عن الواقع الاجتماعي، تصبح مع الزمن مرجعًا لتفسير الأحداث واتخاذ المواقف. وقد أظهرت دراسات أن كثافة المشاهدة ترتبط بتبني تصورات نمطية ومبالغ فيها عن العالم، ما يعكس عمق التأثير الثقافي للإعلام.
ويزداد هذا التأثير تعقيدًا من خلال «تحليل الإطار الإعلامي»، إذ لا تكتسب القضايا معناها من الحدث ذاته، بل من الطريقة التي تُقدَّم بها. فاختيار زاوية التغطية، وتحديد الأسباب، وصياغة الأحكام الأخلاقية، كلها عناصر تُسهم في توجيه فهم الجمهور واستجابته. وتشير أبحاث الاتصال إلى أن تغيير الإطار الإعلامي قد يؤدي إلى تحولات ملموسة في المواقف العامة دون أي تغيير في الحقائق الأساسية.
كما تسهم كثافة التعرض للمضامين الإعلامية في حدوث ما يُعرف بمدخل «التطعيم» أو التبلد الحسي، حيث يؤدي التكرار المستمر للمشاهد والأفكار إلى تقليل الاستجابة العاطفية تجاهها، فتُطبع في الوعي بوصفها أمورًا عادية، حتى وإن كانت في الأصل صادمة أو مرفوضة اجتماعيًا.
وفي نهاية المطاف، يتعامل العقل البشري مع الرسائل الإعلامية وفق آليات معرفية معقدة، كما يوضح مدخل «المعالجة المعلوماتية». فالذاكرة البشرية تميل إلى الاحتفاظ بالمعلومات التي تنسجم مع التصورات المسبقة، وتقاوم ما يتعارض معها، ما يجعل المصداقية والصورة الذهنية للوسيلة الإعلامية عاملين حاسمين في تمرير الأفكار أو رفضها.
خلاصة القول إن تأثير وسائل الإعلام لا يقوم على الإقناع المباشر فحسب، بل يتشكل عبر منظومة متكاملة من التكرار، والانتقاء، والتأطير، والصمت، والتراكم النفسي، والمعرفي. ومن يدرك هذه الآليات يصبح أكثر قدرة على مقاومة التلاعب بالعقول وقادر على قراءة الخطاب الإعلامي بوعي نقدي، بينما يظل من يجهلها خاضعًا لتأثيرات خفية تشكّل أفكاره ومواقفه دون أن يشعر.
التعليقات