مغالطة التكلفة الغارقة، لماذا نكمل بالأمور رغم علمنا بأنها لا تناسبنا؟

نسبة كبيرة من دارسي الطب يستمرون لسنوات في دراسته رغم عدم رغبتهم به، فقط لأنهم استثمروا به سنة أو أكثر واستثمروا به كذلك معدلهم العالي وأشياء أخرى. على الرغم من أنهم قد يحققون مكاسب أكبر إذا قرروا بشجاعة البدء من جديد والاستثمار في تخصص آخر.

المثال السابق ينطبق عليه مصطلح "مغالطة التكلفة الغارقة أو Sunk Cost Fallacy" والذي يتم تعريفه بأن الفرد يفضّل الاستمرار في مشروع ما أو قرار ما فقط لأنه قد استثمر فيه موارد (مالية أو غيرها) سابقًا، دون النظر إلى ما إذا كان مستمرار الاستثمار سيؤدي إلى نتائج إيجابية في المستقبل.

في الواقع، يتعين على الشخص أن يفكر بشكل منفصل في قيمة استمرار الاستثمار مقارنة بالفوائد المتوقعة في المستقبل، بغض النظر عن الموارد التي تم استثمارها بالفعل؛ فكيف يمتلك الشخص الوعي الكافي لعدم الوقوع في هذا الفخ الخفي؟

خصوصًا وأنها في جوانب مختلفة من حياتنا، بدءً من العلاقات الشخصية وخيارات الحياة المهنية إلى استراتيجيات الأعمال والاستثمارات المالية، إلخ.

من خلال تجربتي أرى أن الخطوة الأولى للتحرر من هذا الفخ هي معرفة "السبب"، فأحيانًا يكون الدافع للإبقاء على المشاريع الحالية هو الخوف من الخسارة أو تجنب الاعتراف بالهزيمة، والخطوة التي تليها هي بذل جهد واعي ومواجهة تحيزاتنا بكل أشكالها، واتخاذ قرارات استنادًا إلى الرؤى المستقبلة بغض النظر عن الوضع الحالي.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

في كتاب التفكير الواضح حكى المؤلف موقفا يوضح تلك المعضلة وهو أن زوجته رفضت ترك السينما رغم أن الفيلم سيئا وكان تبريرها أنها دفعت أموال مقابل مشاهدة الفيلم فستأخذ حقها وتشاهد الفيلم، وبالنظر لهذا الموقف وغيرها من المواقف فإن الشخص لا يريد تقبل خسارة أخرى فهو يفاضل ما بين الخسارة القريبة وهي ما دفعه من وقته وماله لفعل شيئا ما وبين الخسارة البعيدة وهي خسارة المزيد من الوقت والجهد تعويضا عن الخسارة القريبة، والحل في هذه المعضلة التي يقع فيها الشخص أن يذكره نفسه بالهدف الأساسي الذي يفعله فلو كان يريد الدراسة والحصول على الشهادة المعينة عليه أن يحدد هدفه الأساسي منها سواء كان الترقي في المجتمع أو تقديم إفادة للمجتمع وتطويره أو حتى أن تكون هذه الدراسة مجرد خطوة أوليه لدراسات أعلى وهكذا، والنقطة الثانية عليه أن يضع في حسبانه مبدأ "تقبل الخسارة والاستعداد للانسحاب" بأن يضع لنفسه مؤشرات خاصة ومحددة ويتابعها كل فترة محددة ليرى هل يسير مشروعه بشكل جيد سواء كان (دراسة - مشروع ناشئ- تعلم مهارة جديدة) ويحسب ويراجع نقاط القوة والضعف فيها ويحدد هل فعلا يستمر أم ينسحب من المشروع بأكمله.

وآخر شيء هو التخلي على الروابط الشخصية وجعل العاطفة هي التي تقوده لأن في مثال التعليم أو العمل يكون الشخص يفكر في أهله ومن حوله ونظرتهم له مما يحمله أعباءا تجعله لا يأخذ قرارات صحيحة تجاه مشروعه فأتذكر صديق لي كان يمتلك مشروعا ما وهذا المشروع يخسر بشكل دائم ولكن تعليقه دائما بأنه يحب هذا المشروع ولا يكترث لكم الخسارة التي يتعرض لها وبعد فترة من الزمن أغلق مشروعه بشكل نهائي بسبب الخسارة المتالية رغم أنه نظر للحقائق والحسابات الدقيقة لكان أدرك الخسارة واستطاع أن ينشئ مشروع مختلف تماما وخاصة أنه يمتلك العديد من القدرات التي تأهله لبناء مشروع جديد ويحقق ربحية واستمرارية أكثر من المشروع الأول.

هو التخلي على الروابط الشخصية وجعل العاطفة هي التي تقوده لأن في مثال التعليم أو العمل يكون الشخص يفكر في أهله ومن حوله ونظرتهم له.

أعتقد أن هذا هو السبب الأكبر، فهل يمكن على سبيل المثال وفي مجتمعاتنا أن يقف الابن أو الابنة أمام أسرهم ويقولون لهم أنا أريد ترك كلية الطب؟ أعتقد أنك تعلم جيدا رد فعل كيف سيكون، إذا هل يمتلك الشخص ما يمكنه من دفع فاتورة الاصرار على قراره ومعارضة أهله؟ أغلبنا فلا، والأسباب مختلفة، ونقيس على هذا قرارات كثيرة بخصوص الزواج أو العمل وأي شيء حرفيا، لهذا رفاهية التراجع وفعل ما يناسبنا حقا ليس من السهل أن يمتلكها الجميع.

 لهذا رفاهية التراجع وفعل ما يناسبنا حقا ليس من السهل أن يمتلكها الجميع

تعبير رفاهية صحيحا في كثير من الحالات ولكن لو فكرنا فيه جيدا فهو ضرورة وليس رفاهية ولكن لأن العديد يتفاعل عاطفيا وخوفا على أهله يغرق في التكلفة ويقوده هذا الغرق إلى تقديم تضحيات كثيرة في المستقبل ربما تقوده بعد الانتهاء من دراسته إلى تغيير مجاله بشكل كامل وهذا نراه كثيرا وخاصة ممن درسوا الطب والهندسة فلدي على شخصيا أكثر من 5 أصدقاء غيروا بشكل كامل كاريرهم بعد الانتهاء من الكلية التي لم يحبوها يوما.

rana_512 أضف ردا
وخوفا على أهله

الخوف ليس على الأهل ولكن من الأهل أنفسهم، أغلبنا يعيش مع أهله إلى أن يتزوج، أو ربما يستطيع الاستقلال بنفسه ولكن هذا الخيار ممكن للرجال فقط، وبالتالي نحن تحت سيطرة وتحكم أهالينا إلى أن نخرج من بيوتهم ونستقل بحياتنا، وتحكمهم ليس في كونهم من ينفقون فقط ولكن حتى إذا كنت تعمل وتنفق على نفسك، طالما تعيش معهم فأنت محكم بقوانينهم وقواعدهم صحيحة كانت أم خاطئة، لا يسمح لك كثيرا الاعتراض، ولهذا وصف من يمتلك حرية قراره بالرفاهية وصف في محله تماما، ثقافة مجتمعنا وعاداتنا لا تسمح بغير ذلك، في الغرب لا يعانون من ذلك الأمر مثلنا، لأن مفهوم الاستقلال هو أساسي وشائع لديهم، وإن كانت الأهالي تضغط في بعض الأمور، إلا أن الاعتراض لديهم أسهل، لأن الحرية مكفولة لديهم بشكل أكبر.

الخوف ليس على الأهل ولكن من الأهل أنفسهم،

هذا يرجع للأسرة التي تنتمي إليها بالفعل الشائع هو الخوف من الأهل ولكن الأصح هو الخوف على الأهل وعلى مشاعرهم وطماحتهم التي وضعوها على عاتق ابنهم، فالبعض حتى لو كان خائفا من أهله فهو أيضا في جزء من تفكيره خوفه عليهم وعلى ما قدموه له لهذا يستمر في الخسارة.

إنه الخوف يا رنا. والأبشع من ذلك أنه خوف مقرون بكسل، أي أن هناك صفتين سلبيتين اجتمعتا إلى جانب بعضهما. هما كافيتان لتجعلا الإنسان واقفًا في مكانه لا يود أن يحدث التغيير الذي يرغب فيه ولا يود أن يواجه به نفسه حتى.

ولعل لهذا السبب النسبة الأكبر من الناس محابيس في المصفوفة، ويفيقون في أواخر العمر حين يتنبه الشخص إلى أنه لم يفعل ما يريد في الحياة وأنه كان يحقق ما يريده له الناس.

ولا يفوز باللذة إلا كل مغامر بالتأكيد كما هو معروف.

من المهم إدراك أن الوعي بمغالطة التكلفة الغارقة ضروري لتجنب الفخ، كمان ذلك يتطلب تقييم قيمة الاستمرار في أي مشروع أو قرار بشكل منفصل عن الموارد المُستثمرة سابقًا، والتركيز على الرؤى المستقبلية دون الارتباط بالماضي، كما أنه من الضروري تحليل دوافع الاستمرار في المشاريع، مثل الخوف من الخسارة أو تجنب الاعتراف بالهزيمة، ومواجهة التحيزات التي تُعيق اتخاذ القرارات السليمة، لذلك فإن التحرر من هذا الفخ يُمكن أن يُفتح أبوابًا جديدة نحو النجاح.

فكيف يمتلك الشخص الوعي الكافي لعدم الوقوع في هذا الفخ الخفي؟

شهدت أشخاصًا يمتلكون الوعي الكافي لإدراك أن هذا ليس ما يشغفهم وأنهم لا يرغبون به بالكلية، أحدهم في استكمال كلية الطب والآخر في استكمال حياة زوجية، وفي الحالتين على السواء لم يمتلكا القوة والجرأة الكافية لاتخاذ القرار الأكثر منطقية والأقل خسارة، أقول القوة والجرأة لأن الحالتان استمرا ومستمران فقط لأنهم مدفوعون دفعًا من قبل المجتمع والأهل لهذا المسار قسرًا، إذًا فالوعي وحده ليس كافيًا في مجتمعنا على الأقل للعدول عن المسار الخطأ.

إذًا فالوعي وحده ليس كافيًا في مجتمعنا على الأقل للعدول عن المسار الخطأ.

ربما هناك ضوابط أخرى تتحكم في مسار الحياة وتصنف الإختيارات الفردية، فبالنسبة للفرد تلك نقطة فاصلة في الحياة واتخاذ قرار بالعدول أو تغيير نهج يحتاج صلابة في قوة البديل المحتمل، وتوفير حلول فعالة للمعضلات التي ستواجهها في حين قررت التخلي على مسار قد رسمته لتعيد من جديد، فمثال الزواج الفاشل الذي تستمر فيه رغم أنه غير مناسب هو شائع للغاية وخاصة من جانب المرأة لأنها قد تقدر الوضع الذي هي فيه مقابل ما ستنقلب إليه بعد اتخاذ القرار بالخلاص، كما أن قرار إنهاء علاقة زوجية تحكمها ارتباطات إجتماعية أكثر منها فردية أو شخصية.

وأحيانًا يكون الاستمرار في الوضع الحالي من منطق اللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش، فتلك المرأة التي تستمر في زواج فاشل، وتعرف أنه فاشل، ولكنها تأقلمت مع الوضع وتتعايش معه نوعًا ما، بينما المستقبل مجهول، والمجهول غالبًا ما يوضع في خانة سيئة.