لماذا لم نرتق روحيا وأخلاقياً وقيمياً كما ارتقينا مادياً وعلمياً وتقنيناً؟
هل تعجبكم حضارة اليوم؟! هل تعجبكم زخارفها وتقدمها التكنو لوجي و المادي؟ هل يروق غرورنا كجنس بشري أننا سنحتل الفضاء قريباً ونسكن الكواكب الأخرى؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فهل يروقكم أخلاق إنسان حضارة اليوم؟!
يقول أحمد بهجت في كتابه ( تأملات مسافر) بعد أن زار أمريكا وراح يزور مريض عربي في مستشفى أمريكي فوجد أمريكياً يخرج صورة ويقبلها وتفيض عينيه. فلما سأله : هل هم أولادك؟ ولم لا يزرك أحد...هل أولادك مسافرون؟ فأخرج الرجل الصورة فإذا هل لكلبيه وقال: هي لكلابي وهي أفضل في معاملتها لي من أبنائي ...إنها تتمسح في أقدامي وترقص إذا عدت للبيت أما أولادي فلا أراهم!!!
يقول أنيس منصور في كتابه ( هناك أمل): ولكن ما الذي أصاب الإنسان؟ من المؤكد أننا نريد الحياة لأنفسنا و الموت لغيرنا.... وإذا كان الإنسان يريد ان يهاجر إلى الكواكب الاخرى كما فعل ذلك من قبل عندما هاجر من قارة إلى أخرى ولكنه بقي هو هو ...فهذه الهجرة لم تغير طبيعة الإنسان...فمجرموا بريطانيا الذين سكنوا أستراليا تحولوا إلى مجرمين أيضاً..
السؤال هنا هو: لماذا لم نرتق روحيا وأخلاقياً وقيمياً كما ارتقينا مادياً وعلمياً وتقنيناً؟
التعليقات
الارتقاء الروحي والأخلاقي مرتبط بالبيئة المحيطة بالإنسان وفي عصر ما بعد الثورة الصناعية صارت المجتمعات أكثر تشتتا وأكثر إرهاقا على المستوى الفكري فقديما كان الإنسان مهموما بحماية نفسه من عدو واضح يعرف ملامحه وحدوده سواء حيوان مفترس أو قبيلة آخرى أقوى منه، أما اليوم فطريقة حماية نفسك أصعب بكثير من قوة جسدية فأنت تحاول حماية نفسك من الانهيار الاقتصادي الذي تمر به البشرية بشكل أكبر فجعلنا هذا ندور في صراعات اقتصادية تحتاج فيها لمهارات عقلية وعلمية تحاول بها النجاة لتوفر احتياجاتك الأساسية من مسكن ومأكل، وهذا جعلنا نهمل الجزء الروحي والأخلاقي وأيضا حينما نرى بشكل فج وواضح أن أغلب الناجحين على المستوى الاقتصادي يا أما جهلاء أو لا أخلاقيين فكيف سيؤثر هذا على الحالة النفسية والفكرية لدى الإنسان؟ سيرى حينها أن أخلاقه هذه لم تفيده على التقدم وتحسن ظروف معيشته وهنا تسقط العلاقة ما بين الارتقاء الروحي والتقدم في المجتمع على جميع الأصعدة فهي حالة انهزام داخلية يتعرض لها الأفراد وبالتالي تؤثر على المجتمعات ككل.
بالإضافة لما ذكرت هناك مغريات كثيرة ومتنوعة ومتشعبة تحوط حتى بالطفل منذ نعومة أظافره، اليوم لكي تربي طفل وتعلمه الأخلاقيات والمبادىء التي تربيت أنت عليها، تحتاج لجهد كبير، لوجود بعض التضاد بيت المغريات وبين الأخلاق التي ترغب بزراعتها بداخله هذا التضاد يخلق نوعا ما حالة من المقاومة، وبالتالي النتيجة إما أن يكون الغرس ضعيف مقارنة بما كنت أنت عليه، أو حتى فشل الغرس فيخرج ما نحن عليه الآن.
أيضا تركيز الكثير على المظاهر يعني تجد العائلات تهتم أن ابنها يدخل مدرسة كذا، ويلعب بنادي كذا، ولكن الأساسيات وما يتعلق بالأخلاقيات قد يكون لا يلقى ربع هذا الاهتمام، وهذا ألاحظه جدا بالأطفال أو المراهقين من عمر 10-16 سنة حاليا.
أيضا تركيز الكثير على المظاهر يعني تجد العائلات تهتم أن ابنها يدخل مدرسة كذا، ويلعب بنادي كذا، ولكن الأساسيات وما يتعلق بالأخلاقيات قد يكون لا يلقى ربع هذا الاهتمام، وهذا ألاحظه جدا بالأطفال أو المراهقين من عمر 10-16 سنة حاليا.
هذا واقع معاش حقاً وهو مما نرثى له! فآباء اليوم والأمهات تريد لأطفالهم أن يتعلموا اللغات فلا يفقهون شيئاً بالعربية ولا حتى بتاريخ بلادهم. الاهم عندهم هو كيف يتقن لكنة أجنبية ويتعلم أكثر من لغة و يتعلم علوم الكمبيوتر وغيرها ولا يهم صلاح أمر آخرته! المهم أمر دنياه فقط لا غير!! المشكلة أن ذلك سيرتد عليهم هم بالسلب؛ فالأخلاقيات الالحقة التي تغرز في الطفل ستنفع الآباء والأمهات في كبرهم وحاجتهم لأطفالهم. يريدون أن يؤمنوا مستقبلهم وهذا لا ضير فيه بل مطلوب ولكن أين هم من صلاح نفوسهم وأخلاقياتهم؟!!
وواضح أن أغلب الناجحين على المستوى الاقتصادي يا أما جهلاء أو لا أخلاقيين فكيف سيؤثر هذا على الحالة النفسية والفكرية لدى الإنسان؟
هل تعتقد يقيناً يا صديقي أن هذا مسوغ للإنحدار الأخلاقي؟ نعم، كثيرون ممن كونوا ثروات لم يكونوا أخلاقيين بالمرة ولكن هل عدمنا اليقين في خيرية الخير و بقاءه؟!! أنا هنا لا أتحدث عنا نحن كشرقيين أو عرب بل على مستوى الجميع. وهل علينا وعلى الناس أن يلزموا الآخرين بأخلاقيتهم ليكونوا هم اخلاقيين أيضاَ؟ أعتقد أن من يمارس الفعل الأخلاقي يمارسه عن اقتناع تام بجدواه ويكفي من ذلك أنه يفعل ما هو به جدير. أذكر أن العقاد قال: تعامل مع الناس بضمير وأمانة لا لأن الناس يستحقون ذلك بل لأنك أنت لا تستحق الضعة و انعدام الضمير....
وهل علينا وعلى الناس أن يلزموا الآخرين بأخلاقيتهم ليكونوا هم اخلاقيين أيضاَ؟
بالتأكيد لا يحق لأحد أن يلزم الآخر بطريقة تفكيره وحياته، ولكن لو لم نساهم نحن كبشر وليس مجتمع بعينه بان نجعل من الحمقى والأغبياء واللاأخلاقيين في الترتيب الأول في محركات البحث وصفحات الجرائد وأن يكونوا واجهات إعلامية، سنجد ضالتنا في التحول الأخلاقي الذي نتحدث عنه، فنحن الأن من النادر أن نجد محتوى علمي أو فني أو أدبي أو ديني على مستوى جيد وأيضا على مستوى من الشهرة، نحن من ساعدنا على هذا كمجموعة بشرية.
وكما أشرت في نقاشك أن من يمارس الفعل الأخلاقي يمارسه عن اقتناع ولو فعلنا جميعا هذا لتغيرت وجوه المجتمعات التي نراها اليوم.
الجواب ببساطة لأنّ هناك علاقة عكسيّة بين الأمرين وهذه العلاقة ليست بالفطرة كذلك ولكنّنا نحن بني البشر من رسمناها بهذه الطريقة البشعة. فنحن نرتقي ماديًّا وعلميًّا وتقنيُّا وننغمس بشكلٍ كامل بالعالم المادّي فننسى الجانب الرّوحي من ذاتنا وأمّا السبب الأساسي فهو واحد ولا غيره برأيي: المال. فالقوّة التي نحصل عليها من العلم والعالم المادّي تزيد من ثروتنا وأموالنا وهو بدوره يزيد من عنجهيتنا وغرورونا فننسى الآخرين وننحدر أخلاقيًّا وروحيًّا .
أتعرفين يا فاطمة؟ كنت أتصفح سريعاً كتاب ( لكنود) فذكر المؤلف إيدي ريكينبير وقد مر بتجربة البقاء 21 يوماً في الميحط معلقين فوق خشبة حينما ضلوا طريقهم في المحيط!! قال إيدي: إن أكبر درس تعلمته هو إنه إذا توافر لدى الممرء المياه العذبة التي يحتاجها و الطعام الذي يريد تناوله فلا يحق له أن يشكو من أي شيئ!! المال قد يحل المشاكل ولكنه لا يصنع السعادة، ولكن المشكلة كما قلت في غرور الإنسان الذي يضل الطريق وينسى نفسه.
لأن العلم والتقنية والمادة توّصل لسعادة حقيقية، لا أحد يشقى في حياته بسبب تلك الأمور إذا حصل عليها، بينما الأخلاق لها جانبان، فأجيانًا يلقى الإنسان خيرًا على أخلاقه الحسنة، وأحيانًا لا يلقى أي شيء على الإطلاق، وأحيانًا يلقى شرًا، والأخيرة هي الأسوأ بالتأكيد، مما جعل الأخلاق تبدو كشيء لا يمكن الرهان عليه وتحمله فالعائد منه لا يساوي الجهد المبذول في الالتزام بها.
هل تقصدين أن الأخلاق مصدر شقاء للأشخاص وبالتالي يتخلوا عنها من أجل سعادة يحصلون عليها من التقنية والعلم؟
بالضبط، هي أحيانًا مصدر شقاء.
أنا لست ضد الأخلاق، وإنما ضد وضعها بالمقام الأول، وجعلها محور الاهتمام. الدين أهم. نعم أعرف أن "الدين الخُلق"، ولكن الأخلاق بمفهومها العصري الحالي فُصلت عن الدين.
صاحب الدين، هو صاحب خُلق، بينما صاحب الخُلق ليس بالضرورة صاحب دين، وأقرب مثال لذلك الملاحدة والعلمانيين.
فكرة الأخلاق هي أكثر فكرة هشة سمعت بها في حياتي، وهي أول شيء يتخلى المرء عنه حين يتعلق الأمر ببقائه على الحياة أو حصوله على أساسياتها من مأكل ومشرب وما إلى ذلك.
كم شخصًا يتظاهر بالأخلاق ولكنه لا يملك منها ذرّة؟ الكثير بالواقع.
والأهم من ذلك، بصراحة نادرًا ما أصادف أشخاصًا يقولون إن أخلاقهم منعتهم من فعل الشيء الفلاني، ولكنكم تصادفوا الكثيرين يضعون أشياءً مثل الدين، والعلم والحصول على المال دافعًا ومبررًا لسلوكياتهم.
لأن العلم والتقنية والمادة توّصل لسعادة حقيقية
ما الضمانة أنها توصل لسعادة حقيقية يا رغدة؟!! يعني هل تعتقدين أن ملايين الأرواح التي أزهقت في الحربين العالميتين كانت لتزهق لو لم يتوصل الإنسان إلى العلم و التقنية التي تتحدثين عنها؟!! لا أقول إلا كما قال شاعر النيل:
لا تحسبن العلم ينفع وحده.......مالم يتوج ربه بخلاق!
فأجيانًا يلقى الإنسان خيرًا على أخلاقه الحسنة، وأحيانًا لا يلقى أي شيء على الإطلاق، وأحيانًا يلقى شرًا، والأخيرة هي الأسوأ بالتأكيد،
المشكلة هنا أن بعض الناس قد ينتظر مردود أخلاقياته أو أفعاله الأخلاقية لحظياً أو حتى لا يحب ان يشقى قليلاً بسبب تلك الأخلاقيات. هنا يحضرني قول عدي بن حاتم حين قال:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ...... لا يذهب العرف بين الله و الناس!