كنا نسكن في حارة عبارة عن عمائر متراصة عن يمين وشمال يقطعمها شارع رئيسي إلى شطرين
وكان أكثر من يسكن في هذه العمائر اولاد مسؤولين قدموا من مناطق متفرقة وجمعتهم هذه العمائر ....
كان سكان هذه المدينة الاصليين يطلقون علينا لقب أولاد العمائر ....
كانت كلمتنا واحدة ولدينا فريق اسمه فريق العمائر وعندما يعتدي أحد على ولد من أولاد العمائر نخرج كلنا لمناصرته وقامت بيننا وبين أولاد المدينة حروب كثيرة على غرار حرب البسوس وداحس والغبراء كنا ننتصر مرة ونخسر مرة أخرى والحرب سجال كما يقولون وأيضاً كانت تقام بيننا وبين أولاد المدينة مباريات في كرة القدم وكل فريق يحضر معه مجلة ماجد أو مجلتان ونضعهما عند الحكم والفائز في المباراة تكون المجلات كلها من نصيبه..
كنا نفوز في أكثر المباريات ونعود إلى حينا نغني ونرقص أحتفالاً بالفوز وهذا يغيض اولاد المدينة فيغيرون علينا ونخرج من شققنا ونشتبك معهم بالأيدي وفي احدى الرمضانات تم عرض مسلسل الشنفرة وكان يستخدم القوس والسهم في أصطياد أعداءه فاعجبتنا فكرة القوس والسهم وقررنا أن نصنع مثلها وفعلاً صنعنا اقواساً والذي ساعدنا على صناعتها وجود شجرة لها أغصان مطاطية فصنعنا منها أقواساً ثم ذهبنا إلى قمامة المستشفى العام وأخذنا إبر المطارش وصنعنا منها سهاماً وأصبح جميع الاولاد مسلحين وعندما علم أولاد المدينة بإننا بدأنا في تخصيب اليورانيوم سارعوا هم أيضاً وصنعوا لهم أقواس ثم بدأت الحرب الباردة بيننا وبينهم في شهر رمضان وتبادلنا التهديدات وفي إحدى ليالي رمضان تفأجانا باولاد المدينة يجوسون خلال الديار وينتشرون بين العمائر وباعداد كبيرة كأنهم ياجوج وماجوج وكانوا جميعهم مدججين بالاقواس والسهام ....
طلبوا منا تسليم ولد من أبناء العمائر لان بينهم وبينه حسابات يريدون تصفيتها وهذا ما لا يمكن أن نقبل به كنا نتفاوض معهم من البلكونات ونحن مدججين بالسلاح الثقيل وتبادلنا التهديدات وطلبوا منا النزول ولكننا رفضنا وبدأنا في اطلاق النار وكانت السهام تنهمر عليهم كالمطر فبدأوا يعيروننا بالجبن وهذا مالا يمكن أن نقبل به فقررنا أن ننزل اليهم مع أنهم أكثر عدداً منا .....
وما هي إلا لحظات وإذا بالبوابات تُفتح وبدأت حرب الشوارع بيننا وبينهم ...
طبعاً هذه الحروب والمشاكل كانت تحصل في غفلة من الأهل فقد كان للكبار حياتهم الخاصة وحروبهم وكان لنا نحن الاولاد حياتنا الخاصة وقضايانا الخاصة وعالمنا الخاص لم نكن ندري ماذا يدور بين الكبار ولم يكن الكبار يعلمون ما يدور بيننا...
مازلت أتذكر أحد ابناء المدينة بعد أن ولوا الادبار وقد التصق سهم بمؤخرته ولم يستطع نزعه وكان يجري هارباً والسهم يتارجح يمنة ويسرة......
وآه يا زمن
أيام جميلة عشناها في طفولتنا وأهتمامات عندما نتذكرها اليوم نضحك أو على أقل تقدير نبتسم
كنا نهتم بأمور اليوم لم تعد تعني لنا أي شي مع أنها في طفولتنا كانت تعني لنا كل شي وكنا نغفل عن أمور لم تكن تعني لنا أي شي في طفولتنا واليوم أصبحت هي كل شي في حياتنا ....
في طفولتنا لم نكن نسأل عن الأسعار ولا عن الترقيات والعلاوات ولا سعر الصرف ولا أسعار الاراضي والعقارات ولا العلاقات بين الدول ولا التغيير المناخي هذه من اختصاصات الكبار وليست من اختصاصنا....
كنا نعيش في عالم آخر وفي كون آخر موازي...
عندما تقام بيننا حروب عالمية لا يشعر بنا أحد وعندما يتصارع الكبار فعلى الصغار أن يختبئوا
حروبنا لا تدمر بيوتاً ولا تُيتم اطفالاً ولا تقتل شيوخاً ونساءً ولا توقظ نائماً ولا يحدث بسببها نزوحاً أو حصاراً أو أغلاق للطرق والمعابر...
فلا ندري من الاطفال حقاً نحن أم الكبار ؟ .