الأسبوع الماضي كنت أكتب مقالاً بعنوان “كيف تنشر تطبيقاً في AWS باستخدام Terraform”، وكان هدفي هو تحليل مقال تقني دقيق، البناء عليه، ثم الخروج بمشروع صغير على GitHub مشفوع بمقال يشرح الخطوات بوضوح. لكن، خلال يومين متتاليين، وصلت لصفحتين من الكتابة ولم أحلل سوى 5% فقط من المقال الأصلي. حينها أدركتُ أنني لو واصلت بهذا النسق، فلن أستطيع المضي قدماً، وكان لزاماً عليّ أن أُعيد هندسة طريقتي في التعلم.
أنا شخص يتعلم بالمشاريع؛ وحدها النتيجة هي ما يحفزني لأتعلم أكثر. دائماً ما أقوم بتنفيذ الأشياء أولاً، ثم أحاول أن أفهم التفاصيل لأبني عليها وأحسن المخرجات. لكن، بدون قواعد توجهني في هذه الرحلة، يصبح الفضول يأخذني من نقطة إلى نقطة، ولهذا وجدت أنني بحاجة إلى وضع حدود واضحة لهذا الفضول حتى لا أضحي بإنتاجيتي.
وهنا ولدت قاعدة 60/30/10.
تشريح المكونات: كيف يعمل النظام؟
لكي لا يظل هذا القانون مجرد شعار، قمت بتفكيكه إلى عمليات إجرائية تضمن لي الاستمرارية:
مرحلة التنفيذ (60%): منطقة العمل الميداني هنا أرتدي قبعة “المهندس”. التركيز ينصب بالكامل على بناء البنية التحتية، كتابة الكود، وإصلاح الأخطاء (Debugging). الهدف هنا هو الوصول لنسخة عاملة (Working Prototype). في هذه المرحلة، الفضول مسموح به فقط إذا كان يخدم “تشغيل المشروع”، أما الاستكشاف المعمق فيتم ترحيله للمراحل التالية.
مرحلة التدوين (30%): منطقة التوثيق المعرفي هنا أرتدي قبعة “الموثِّق”. بعد أن ألمس النتيجة بيدي، أبدأ في تفكيك ما حدث. لا أكتب كُتباً، بل أدوّن “المنطق البرمجي”: لماذا اخترت هذا الحل؟ ما هي التحديات التي واجهتني؟ التدوين هنا هو استثمار طويل الأمد يجعل خبرتي قابلة للاسترجاع والمشاركة.
مرحلة التعريب (10%): منطقة التأصيل اللغوي هنا أرتدي قبعة “الباحث”. أراجع المصطلحات التقنية التي استخدمتها، وأسأل نفسي: هل هناك مقابل عربي أصيل يصف هذا المفهوم بدقة؟ إذا لم يوجد، أعمل على صياغته أو استحضاره من معاجم اللغة، موثقاً ذلك في مشروعي (Taarib). هذه الـ 10% ليست مجرد لغويات، بل هي “هندسة للمصطلح التقني العربي” لضمان بقائه حياً.
في كل جلسة عمل، أخرج بمحصلة علمية، أسردها بالأفكار المترابطة؛ وتلك الأفكار في كثير من الأحيان قد تفتقد لمصطلحات عربية أصيلة تليق بعمق المادة، وهنا تأتي مرحلة التعريب لتغطي هذا الجانب وتمنح المحتوى روحاً وهويّة.
التمديد الإبداعي:
إن هذا القانون ليس مجرد توزيع رياضي للوقت، بل هو فلسفة تعيد ترتيب أولويات “المهندس المفكر”. حين نخصص 60% للتنفيذ، نحن نؤمن بأن البرمجيات تُبنى بالأيدي قبل العقول. وحين نمنح 30% للتدوين، فنحن نمارس “الفعل المعرفي” الذي يحول المعاناة التقنية إلى حكمة مكتوبة. أما الـ 10% التي نخصصها للتعريب، فهي رسالتنا الأسمى؛ فالمصطلح التقني ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو وعاء للفكر، وحين نعرب التكنولوجيا، نحن لا نترجم الكلمات فحسب، بل نوطّن المعرفة في بيئتنا.
بهذه المنهجية، لم يعد التعلم رحلة عشوائية بين الروابط والمصادر، بل أصبح مساراً منظماً يبدأ ببناء “البنية التحتية” (Infrastructure)، ويمر عبر “جسور التوثيق” (Documentation)، وينتهي بـ “تأصيل اللغة” (Arabization). إنها دعوة لكل مطور لكي لا يكتفي بكونه مُستخدماً للتقنية، بل أن يكون صانعاً لها، ومؤصلاً لمفاهيمها، ومسؤولاً عن الحفاظ على هويتها في عالمٍ لا يتوقف عن التسارع.