لا تقتصر المعرفة على القراءة. عنوان قد يبدو صادمًا ومستفزًا في نظر البعض! فكيف يتجرأ أحد على التقليل من المكانة الفريدة للقراءة؟!

ولكن الواقع فعلًأ يقول أن القراءة (قراءة الكتب) لم تعد الوسيلة الوحيدة والفريدة لاكتساب المعرفة أو الوصول إلى المعلومات.

في السابق، وقبل انتشار تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال وتطورها، كان اكتساب المعرفة والثقافة الشخصية يكاد ينحصر في الكتب المطبوعة. فحتى الوسائط الأخرى كالتلفزيون والإذاعة لم تستطع أن تستبدل هذه المكانة الحصرية، ببساطة لأنها مصادر (موجَّهة) في نظر البعض. في مثل هذه البيئة، من الطبيعي أن يقترن الكتاب المطبوع بالثقافة وبناء الذات الواعية. وهذا بالفعل ما حدث، فلا زالت هذه الفكرة منتشرة ومسيطرة حتى اليوم. فأي محاولة لاستبدال الكتاب المطبوع قد تُجابه باستنكار ورفض لكونها تسعى للقضاء على الثقافة والوعي.

في الحقيقة، الكتاب ليس إلا وسيلة لنقل المعلومة، أي أن الأوراق والحبر الذي عليها لا يشكّلان أي قيمة في حد ذاتهم، بل يكتسبون تلك القيمة -والقداسة- من النصوص والمعارف المطبوعة عليهم. أما اليوم، حيث انتقلت بنا التقنية إلى عالم آخر غير مسبوق في إمكانية تدوين المعلومات وتخزينها ونقلها واستعراضها، وحيث تجاوزت وسائط نقل المعرفة حدود الكتاب فصارت مسموعة ومرئية، لم يعد الكتاب الورقي يحتل مكانة فريدة في أهميتها من الناحية العملية. كما لم تعد القراءة هي الوسيلة الحصرية لاكتساب المعرفة.

لا أفهم هذا الحرص الشديد على القراءة والتركيز عليها وحدها، وهي ممارسات نراها على مستوى المجتمع وعلى مستوى المؤسسات. لا أفهمها لأننا جميعًا متفقون على أن كل إنسان له مواهبه وقدراته ومزاجه الخاص، فهناك من يتعلم عن طريق القراءة وهناك من يتعلم عن طريق الاستماع، وهكذا. قد نشعر بالأسى على من أراد التعلم ولكنه لم يكن يهوى القراءة في الزمن الماضي، ربما قبل 15 سنة. أما الآن وقد تعددت مصادر التعلم، ما الذي يجعلنا متمسكين بالقراءة دون غيرها؟ القراءة ليست إلا هواية، بغض النظر عن نتائجها الإيجابية على مستوى الفرد، وإعطاء هذه الهواية فوق قدرها مع تجاهل غيرها لم يُنتجْ لنا سوى محتوى عربي ضعيف ومُخجل على شبكة الإنترنت.

أنا شخصيًا، أستمتع جدًا بمشاهدة المحاضرات ومقاطع الفيديو التعليمية القصيرة على اليوتيوب وغيره من المواقع، وقد اكتسبت الكثير من المعرفة منها؛ كما أنني استفدت الكثير من خدمات الكتب المسموعة Audible المقدمة من أمازون أو برامج البودكاست المنتشرة. من المحزن أن نرى ضعف المحتوى العربي وقلة الخدمات التي تعمل على تنويع المصادر الجيدة للمعرفة.

في زيارتي الأخيرة لمعرض الكتاب في البحرين (معرض الأيام الثقافي)، رأيت في أحد الأركان المشاركة ركنًا لمؤسسة اسمها (الراوي). في البداية ظننت أنها دار نشر وتوزيع كغيرها، ولكنها في الحقيقة كانت مؤسسة شبيهة ببرنامج Audible للكتب الصوتية، ولكنها تقدم كتبًا عربية. البرنامج جديد، ولم يتم تسجيل الكثير من الكتب حتى الآن، ولكنه سينطلق بقوة في تدشينه الرسمي قريبًا. البرنامج يبدو واعدًا جدًا، خصوصًا بتشجيع الشيخ محمد بن راشد شخصيًأ. نتمنى أن يلاقي هذا التطبيق النجاح الملائم لحجم الخدمة المعرفية التي سيقدمها.

http://www.alrawi.com