هل الزمان غدار.. أم نحن الغافلون؟
تبرئة الزمن
لم يكن الزمن يومًا كائنًا أخلاقيًا كي نطالبه بالوفاء، ولا خصمًا واعيًا كي نتهمه بالغدر. ومع ذلك، ظل الإنسان، عبر قرون طويلة من الخيبات والانكسارات، يتعامل معه كما لو أنه ذات خفية تتآمر عليه من وراء الستار. وحين تتداعى العلاقات، وتتبدل الوجوه، وتتعرى النوايا، يتكرر المشهد ذاته: يرفع البشر أصابع الاتهام نحو الزمن، لا نحو قراءاتهم المرتبكة للآخرين، ولا نحو تواطؤهم الداخلي مع الإشارات التي تجاهلوها عمدًا.
تبدو عبارة “الزمان غدار” للوهلة الأولى مجرد استعارة عاطفية بريئة، لكنها في عمقها تمثل واحدة من أكثر آليات التهرب النفسي ذكاءً وانتشارًا. فهي لا تمنح الإنسان فقط عزاءً سريعًا، بل تعفيه أيضًا من مواجهة سؤال أكثر قسوة: ماذا لو أن الحقيقة كانت واضحة منذ البداية، لكننا لم نرد رؤيتها؟
هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
فالإنسان نادرًا ما يُصدم بالحقيقة للمرة الأولى عند الانهيار؛ غالبًا ما يكون قد التقاها مبكرًا، على هيئة إشارات صغيرة، تناقضات عابرة، ارتباكات لغوية، برود غير مبرر، أو تصرفات حاول عقله تأويلها حفاظًا على الصورة التي يريد الاحتفاظ بها. وما نسميه لاحقًا “خذلانًا مفاجئًا” لا يكون في كثير من الأحيان إلا لحظة سقوط الإنكار، لا لحظة اكتشاف الحقيقة.
التعليقات
أنت محق كثيرًا، وفي الحقيقة المشكلة لا تكون في الزمان بل في الإنسان وفيالناس وتصرفاتهم وأفعالهم التي يتخذونها بعد إعمال عقلهم، فهم ليسوا مسلوبي الإرادة.
وربما ذنب الزمان يتجلى في الكبر والمشيب، لكن نرجع ونقول أنه مجرد عامل مساعد، بينما أجسادنا وخلايانا هي من تشيخ وتتخلى عنا أو تغدر بنا، لكن كل ذلك طبيعي أيضًا مع التقدم في السن 🤷🏻♀️
أهلاً بك سيدتي، وقراءتك الواعية هي الإضافة الحقيقية لهذا النص.
لقد وضعت إصبعك على المفصل الأهم: الإرادة البشرية. فالناس ليسوا مسلوبي الإرادة، وتحميل الزمن مسؤولية خياراتهم هو نوع من التواطؤ مع الذات للهروب من كلفة القرار وسوء التقدير.
أما التفاتتك الذكية حول "المشيب" ووصفك لشيخوخة الجسد بأنها نوع من "الغدر"، فهي تفتح أفقا وجوديا بالغ الأهمية. لكن دعيني أواجه هذه الفكرة بنفس البرود التشريحي للمقال:
الجسد لا يخوننا بالمشيب، بل يمارس قانون الطبيعة بصدق صارم. نحن نعلم منذ البداية أن الأجساد مبرمجة على التلاشي، لكننا نمارس معها نفس "التغافل الدفاعي" الذي نمارسه مع العلاقات، نتفاجأ بالضعف كأنه حدث طارئ، بينما هو الحقيقة المؤجلة الأكبر.
الزمن بريء حتى من تجاعيدنا.. هو فقط يمنح جيناتنا وقتا كافيا لتقول كلمتها الأخيرة.
الإنسان له سيطرة على أفعاله وإيقاعها ومواقيتها، فلو تأخر في فعل معين، أو قام به مبكراً، أو اختار له وقت غير مناسب فهذه مسؤوليته، لكن الإنسان ليس مسؤول عن أفعال الآخرين بأي شكل من الأشكال، الإنسان غير مسؤول عن قراءة كل إشارة والتنبؤ من خلالها بالمستقبل فنحن لا نعلم الغيب ولا نستطيع تحليل كل إشارة وتنجيم المستقبل بناء عليها..
لذلك كل شخص مسؤول عن أفعاله وما علينا إلا أن نتعامل مع الحدث عند وقوعه.