ثقافتنا العربية تربي الضحية، لا تنتج بطلا

حكت لي جارتي أنها في صغرها لو تشاجرت مع ابنة الجيران، كان رد أمها المباشر: "اصبري يا بنتي، الله مع الصابرين". لم تسأل من بدأ، ولم تعلمني كيف أدافع عن نفسي، فقط علمتني أن أتحمل. وكبرت وأنا أصدق أن الصبر على الظلم فضيلة، وأن البطل الحقيقي هو من يتألم بصمت.

في المقابل، حين ذهبت لبيئة أخرى، رأيت أطفالا يتعلمون كيف يقولون لا بجرأة، وكيف يواجهون من يظلمهم، وكيف يطلبون حقوقهم دون خجل.

هنا أدركت أن ثقافتنا تمجد الضحية: تربي الابن ليكون عبدا مطيعا وليس فارسا يقاتل.

حيث تربى البنت لتقول قدر الله وما شاء فعل بدل أن تقف في وجه المعتدي. وتسأل المجني عليه ما الذي فعلته حتى تستحق هذا؟ بدل أن تسأل المعتدي لماذا أذيت؟

أليست هذه هي الطريقة المثلى لإنتاج جيل خائف لا ينتج بطلا ويا ترى يمكن أن نغير هذه الثقافة من جذورها، أم أننا سنظل نربي الضحايا ثم نبكي على ضعفهم

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هناك البعض يتربى على السكوت والتضحية لكن كثير كذلك يتربى على "اللي يضربك اضربه" والمدرس اللي يقولك مد إيدك تضرب قوله "بابا قال أنا مبتضربش كلمه" فينشأ الطفل لا يظلم أحد ولا يرضى بظلم نفسه.

لكن هناك البعض لا يربي أصلاً فيترك أولاده يضربون أولاد الجيران أو يستولون على ألعابهم وكراتهم، ففي هذه الحالة لن ينفع الصبر، بل سينفع الردع المباشر للطفل، وطبعاً يكون أفضل من طفل أكبر سناً ففي النهاية كلهم أطفال، ولا يجب أن يتدخل الكبار مباشرة مع أطفال.

أتفهم وجهة نظرك في ان الطفل الذي يتربى على "اللي يضربك اضربه" قد ينشأ لا يرضى بالظلم. والردع المباشر قد يكون أسرع من انتظار الكبار. لكن اتعليم الطفل الردع بالعنف هو الحل، أم أنه تكرار لدورة العنف نفسها

الطفل الذي يتعلم أن الحل الوحيد للظلم هو القوة، يكبر على يقين أن القوة هي اللغة الوحيدة. هذا ينجح مع معتد ضعيف، لكنه يفشل أمام أقوى.

أما "لا يجب أن يتدخل الكبار"، فهذا يتجاهل فارق القوة. حين يعتدي طفل أكبر على أصغر، أليس من الظلم أن نتركهما يتصارعان دون تدخل

التربية ليست اختيارا بين "اصبر" و"اضرب". هناك خيار ثالث: تعليم الطفل كيف يقول "لا" بحزم، كيف يطلب المساعدة، كيف يتفاوض، وكيف يثق أنه ليس وحده.

نحن نخلط بين الضعف والحكمة، وبين القوة والاندفاع. الأفضل تربية جيل يعرف متى يصبر، ومتى يضرب، ومتى يستعين. وهذا يحتاج إلى كبار يتدخلون بحكمة.

الأهم هو بناء وعي عند الطفل يجعله قادرًا على فهم الموقف والتصرف بحكمة: أن يضع حدودًا واضحة، ويطلب المساعدة عند الحاجة، ويعرف متى يكون الحزم كافيًا ومتى يكون التدخل ضروريًا. بهذه الطريقة لا نُربيه على العنف كخيار أول، ولا نتركه بلا حماية، بل نمنحه أدوات توازن بين القوة والتفكير بدل ردود الفعل التلقائية.

تعلمت مؤخراً أن التحمل الزائد مع عدم قدرة أخذ حقك هو منتهي الضعف، عليَّ أولاً ان أتعلم كيف آخذ حقي ولا اكون ضعيفة في تلك الحالة أنا من سيقرر إذا كان لدى رغبة التحمل والصبر وعدم الرد، أو الرد المباشر والفوري، وكنتُ أتمنى كثيراً لو كنت تعلمت ذلك في الصغر، لأني تربيت أيضاً على التحمل الزائد وعدم أخذ رد فعل مع الآخر، وأن أظل الفتاة اللطيفة الهادئة التي لا يصدر منها أي صوت أو شكوى.

هناك فرق كبير بين الضعف والحكمة في اختيار المعارك. الطفل الذي يتعلم أن يرد على كل من يظلمه، قد يكبر سريع الانفعال، يستنزف طاقته في تفاهات. أما الذي يتعلم أن يصبر أحياناً ويختار مواقفه، فهو ليس ضعيفا، بل ذكي.

المشكلة ليست في "التحمل" كقيمة مطلقة. المشكلة في التحمل العاجز الذي لا يملك القدرة على الاختيار.

أما فكرة أن "الفتاة اللطيفة الهادئة" هي نموذج مكسور، فتحتاج إلى مراجعة. الهدوء ليس عيبا. اللطف ليس ضعفا. كثير من أقوى الناس كانوا هادئين، لكن هدوءهم كان نابعا من قوة داخلية وليس خوفا.

نحن نخلط بين القالب المفروض والاختيار الحر. أتمنى أن تتعلم الفتاة كيف تدافع عن نفسها حين تريد، وألا تخاف من الرد حين تحتاج. لكني أتمنى أيضاً ألا تتحول إلى "مقاتل دائم" لا يعرف للسلام طريقا.

لنتعلم كيفية الاختيار. هذا هو الذي ينشىء البطل الحقيقي

تماماً، فعندما نختار العفو والتحمل يكون ذلك نابعاً من قوة وقدرة على رد الحق ولكننا قررنا أن نسامح ونتخطي، لكن أن نظل طوال الوقت نتحمل لأننا لا نقوي على أخذ حقوقنا هذا منتهي الضعف الحقيقي.

والفتاة اللطيفة الهادئة في الحقيقة الكثير من قريناتها يعتبرونها ضعيفة لأنها لا تستطيع أن ترد وتأخذ حقها وإلا أتهموها بأنها سيئة، فتظل تتحمل ويزدادوا هم في الضغط عليها، في حين أننا قد نرى تلك التي تدافع وتأخذ حقها ويخاف منها الناس لا يستطيعون حتى توجيه كلمة واحدة لها.

الفتاة الهادئة كثيرا ما تنظر إليها على أنها ضعيفة، والتي تدافع عن نفسها بقوة قد يخاف منها الناس. هذا واقع. لكن هل "الخوف" الذي يمنع الناس من توجيه كلمة لها هو علامة على قوتها، أم أن المحيط أصبح ساما

حين يخاف الناس من شخص، قد لا يعني ذلك احترامهم له. قد يعني أنهم يتجنبونه، أو ينتظرون فرصة للانتقام. هذا ليس قوة، هذا رعب. القوة الحقيقية ليست في أن نرهب الناس، بل في أن نلهمهم.

أما الفتاة الهادئة، فقد تكون ضعيفة حقا إذا كان تحملها عاجزا. لكنها قد تكون قوية جدا إذا اختارت التحمل بوعي.

المشكلة ليست في الفتاة، بل في العيون التي تنظر إليها. مجتمع لا يعرف أن يقدر غير القوة الصاخبة، مجتمع عقيم.

أنا مع أن تتعلم الفتاة الدفاع عن نفسها. لكني أخشى أن يتحول الدفاع إلى هجوم استباقي، فتتحول من مظلومة إلى ظالمة.

بدلا من التصنيف بين "ضحية هادئة" و"محاربة مرعبة"، لنتعلم كيف ان نكون أبطالا نختار معاركنا، ونستخدم قوتنا بحكمة.

ربما نستطيع بناء مجتمع يقدر الهدوء الواثق

أتفق معكِ جداً، فالموازنة هنا مهمة ومطلوبة.

حيث تربى البنت لتقول قدر الله وما شاء فعل بدل أن تقف في وجه المعتدي. وتسأل المجني عليه ما الذي فعلته حتى تستحق هذا؟ بدل أن تسأل المعتدي لماذا أذيت؟

رأيت فيديو مؤخرا لقناة اسمها المهاجر، تحدث عن تلك النقطة وأنه يجب على الفتاة التعامل بقوة وعدم خوف وكائنها رجلا في التعاملات الخارجية دائما ووضع حدود صارمة وقول لا وتربية من الصغر على هذا وحقيقة هذه نقطة مهمة أنا لسن ١٢ كنت فتاة مطيعة جدا ولا أقول لا حتى لكن الحمدلله الوضع تغير

لم تسأل من بدأ، ولم تعلمني كيف أدافع عن نفسي، فقط علمتني أن أتحمل.

في الغالب هي تفعل هذا لأنه تم تعليمها لها منذ الصغر أيضا ، فهي أيضا قالت" فلنصبر أن الله مع الصابرين "حين تعرضت ابنتها للضرب.

صحيح فأغلبية الجيل القديم هكذا مثلا أمي عاشت في مثل هذه البيئة وعانت من آثارها كثيرا ، لكنها لم تتبع معنا الحمد لله نفس الأسلوب هذا نتج عنه هذا نتج عنه أننا نشأنا بشخصيات مستقلة ونثق بأنفسنا.

أليست هذه هي الطريقة المثلى لإنتاج جيل خائف لا ينتج بطلا ويا ترى يمكن أن نغير هذه الثقافة من جذورها، أم أننا سنظل نربي الضحايا ثم نبكي على ضعفهم.

أشهد على هذا الكلام وليست البنت فقط بل كذلك الولد، حتى في المدارس لا يُتعبون أنفسهم إذا تعارك اثنان، فقط يهددونهما بالفصل كلاهما أو عقاب للجميع؛ إذا لم يتصالحا دون تدقيق كافي في أساس المشكلة.

الحمد لله على نعمة يوم الحساب.