أخلاقيات تربية الأبناء

خلق الله لكل شيء سبباً، ولكل سبب أخلاقيات وأدباً؛ فالمرض شفاؤه مقدر، وهذه الأقدار خُطَّت بالأسباب، فإن كتب الله لك الشفاء وفقك للأخذ بأسبابه، وإذا لم يكتبه لك حال بينك وبين الأسباب وأرهقك التعب دون الوصول إليها.

وهذا الأمر ينسحب على تربية الأبناء، ومع أننا نؤمن أن الهداية من الله وحده، إلا أن من مقتضى هدايته أن يجعل الأب موفقاً في تربية أبنائه.

وهذه التربية لها أسس عريضة وأخلاقيات أساسية تشمل:

الرحمة والود:

إن من أهم أسباب التأثير في الأرض هي القلوب الصادقة في مشاعرها، الرحيمة في تعاملها؛ تلك التي إن قست لم تقسُ إلا لأنها تحنو، كأبٍ يشد ابنه إليه بقوة عندما يراه على حافة جبل يوشك على السقوط.

الفعل والقدوة تبعاً للنصح والتوجيه:

في زمنٍ لم يعد فيه الوصول إلى المعلومة بصعوبة الأمس، حتى أن "غانية" لم تشغل نفسها بقراءة كتاب أو التأمل في جملة من عدة سطور، باتت تستطيع إلقاء محاضرات علمية أو دينية لساعات بمساعدة الوسائل الحديثة.

كما ظهر على الشاشات ممثلون يدرّون دموع المشاهدين بتمثيل لا يمت لواقعهم بصلة، مما عزز من انتشار وتطور وسائل الغش والخداع؛ لذا فإن التأثير المستدام يكاد يكون محصوراً في الفعل والقدوة الصادقة التي نمط حياتها يترجم أقوالها.

وهذا يحتم على الآباء التربية بالقدوة، قبل أن يجيدوا استخدام سياط الألفاظ، خصوصاً عندما يتنافى مع واقع حياتهم.

جناحا التربية:

من رحمة الله أنه جعل في الدنيا أسباباً متاحة لمن أرادها، سواء لمن عبده وآمن به أو لمن كفر وجحد؛ فمن عمل بها نال من الدنيا ما شاء الله.

فإذا عرفها الإنسان واستعان بالله في العمل بها، جُمع له حظ الدنيا والآخرة.

حيث أن العلوم النفسية عندما يُستفاد منها وفق مقتضى حكمة الشريعة الإسلامية، تصنع الإنسان الذي تحبه الناس ويكون خيراً لهم.

أما من يدرك جانباً من جوانب العلم ويعمل به ثم يترك الآخر، فغالباً ما تكون النتيجة أشبه بجسد شُلَّ نصفه أو بُترت أطرافه.

وأما من يعرف ويرغب ويتمنى لكنه لا يسعى أبداً، فقد وقع في سجن الأماني والوهم.

شكراً لتفاعلكم، ومساهماتكم البناءة...

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أحسنت وأجزت في الوصف بارك الله فيك أستاذ الحسن، فكما وضحت خصوصاً نقطة الفعل والقدوة فالآباء عليهم قبل أن يربوا أولادهم في البداية عليهم بتربية أنفسهم جيداً حتى يكونوا قدوة ومثال جيد لابنائهم ومرجع لهم، وسط تقلبات الدنيا والأوضاع الخارجية من انتشار انحطاط أخلاقي وغيره.

اسلوبك ونظمك للجمل يشبه كتابات الخطباء القديمة والكتب التراثية ، هل تقرأ الكثير منها ؟

شكراً لكلماتك، هذه الكتب على اهمالنا لها فيها معلومات أصيلة وفكرية عميقة متصلة بواقع الحياة دون تزييف، ومع دمجها مع الوسائل الحديثة وتنقيحها تظهر لدينا اعمال تخدم القارئ.

شكراً إيمان.

أشكرك على هذا البيان وهذا الفكر المستنير. لقد لخصت في مقالك فلسفة التربية وسنن الاستخلاف في الأرض بأجمل عبارة وأعمق دلالة.

أكثر ما استوقفني في طرحك هو الربط الذكي بين القدوة وبين زمن سيولة المعلومات؛ فنحن بالفعل نعيش عصراً لم تعد فيه المشكلة في معرفة ماذا نقول، بل في كيف نكون. وكما تفضلت، فإن سياط الألفاظ لا تجدي نفعاً إذا كان الواقع يناقضها، فالطفل يقرأ سلوك والديه قبل أن يسمع نصائحهم.

أما حديثك عن جناحي التربية، فهو تشخيص دقيق لحال الكثيرين اليوم. إن الجمع بين علوم النفس الحديثة وبين مقاصد الشريعة الغراء هو السبيل الوحيد لإعداد إنسان سوي، متصالح مع نفسه ومع خالقه، وقادر على نفع مجتمعه. فالوقوف عند جانب واحد دون الآخر هو بالفعل بتر للتكامل الإنساني الذي أراده الله لنا.

ختاماً، سجن الأماني هو المقبرة التي تضيع فيها أعظم النوايا، ولا يكسر قضبان هذا السجن إلا العمل بالأسباب مع تمام التوكل.

سلمت يدك على هذا الإثراء، وننتظر منك دائماً هذا المداد القائم على الحكمة والاتزان.