كثيرًا ما تستحضر أذهاننا عند الحديث عن الشريعة الإسلامية تلك المناهج الحداثية، وكأنها المخلّص الذي يُخرج الإسلام مما يزعمون أنه جهل انتشر فيه. لكن مشكلة هذه المناهج أنها تبنى على الهوى لا على المنهاج، ويمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أصول يتفرع عنها ما سواها: المنهج العلماني، والمنهج القرآني، والمنهج التاريخاني.
فأما العلمانية: فهي في أصلها أيديولوجية فكرية لا صلة لها بالدين، فحين تقرأ نصوص الشريعة من منظور علماني فأنت في الحقيقة تقرؤها على هواك؛ تقدّس ما يخدم منهجك، وتُسقط قداسة ما لا يخدمه، وتفسّر النصوص كما يحلو لك بلا اعتماد على منهجية علمية مقبولة. والعلماني أصلًا لا يحق له تفسير نصوص الشريعة؛ لأن العلمانية غير مرتبطة بدين معين. وكذلك الحال مع النسوية، فهي تطبيق اجتماعي للعلمانية، والنسويات لا يحق لهن تفسير نصوص الشريعة بناءً على أيديولوجية فكرية. وهؤلاء جميعًا ممن قال الله فيهم:
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وقال سبحانه في شأن من يؤول النصوص على تشهّيه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
وأما القرآني: فيتحسس من التراث الإسلامي، ولا يقبل الأحاديث النبوية ولا علوم الشريعة، وكأن الله لم يأمرنا بطاعة رسوله والردّ إلى سنته، مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
وأما التاريخاني: فمشكلته في فكر لا يقبله عقل ولا منطق؛ إذ يقول إن القرآن ابن زمانه، وإن نصوص الشريعة قد لا تصلح لهذا الزمان، بل قد يذهب إلى أبعد من ذلك فيكذّب أخبار القرآن، فيقول: إن قصة موسى عليه السلام قصة أدبية وليس شرطًا أن تكون حدثت بالفعل. وفي هذا تكذيب صريح لأخبار القرآن، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص: ٣] ويقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. فالله يخبر أنه حق، ويأتي العبد فيقول: لم يحدث!
والإشكالية الكبرى حين تأتي إلى التراث الإسلامي فتضرب به عرض الحائط، وتقول إن جميع من كان سابقًا لم يفهم الشريعة كما ينبغي فهمها، وأنت وحدك من استطعت فهمها! وقد قال الله محذّرًا من مفارقة سبيل المؤمنين: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فهنا تقع الإشكالية: حين أجهل أنا حكم مسألة ما، فأسأل مَن؟ وعندما يكون النص محمولًا على أكثر من معنى، أيّها نختار؟ ولماذا نأخذ بهذا الحكم ولا نأخذ بآخر؟ المشكلة أن الحداثي يبتغي هدم مناهج السابقين دون أن يأتي بمنهج خاص يمكننا أن نأخذ به نصوص الشريعة بعيدًا عن الهوى.
بل وأعجب من ذلك: من يقول إن كل الأقوال صحيحة! فصلاة الشيعة صحيحة، وصلاة السنة صحيحة، وصلاة من قال إن الصلاة هي الدعاء صحيحة! فماذا تبقى من الإسلام إذًا؟ هل أصبح الدين مجرد تعبير عن هوى كل فرد؟ والله يقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فبيّن أن الأمة طبقات: علماء يتفقهون، وعامة يرجعون إليهم، ويمكننا أن نضيف إليهم طبقة طلاب العلم. فليس الدين فوضى تُترك لكل أحد، بل هو منهاج مرسوم أوضحه الله، وتكفّل بحفظه، وجعل له أهلًا يُرجع إليهم،