كنا جالسين في تلك الزاوية المعتادة من المقهى، وصوت الملاعق يرتطم بالأكواب ليقطع حبل الصمت بيننا من حين لآخر، بينما يتصاعد دخان السجائر ليرسم دوائر رمادية تتلاشى في الهواء كأفكارنا. بدأ الحديث بسؤال رميناه وسط الطاولة: هل الله عادل حقاً بمقاييسنا التي نفهمها؟. انطلق النقاش من مثال واقعي يواجهنا في كل زاوية ،كيف نفهم العدل حين نرى طفلاً يولد في حروب ومجاعة وآخر في قمة الرفاهية؟ هل العدل هو أن يتساوى الجميع في العطاء، أم أن هناك ميزانًا خفياً للحساب لا نراه نحن؟ ربما لا يحاسب الخالق الجميع بنفس المسطرة، فمن غير المنطقي أن يطالب من عاش في الظلام بنفس ما يطالب به من عاش في النور.

ومع كثافة الدخان، استعدنا فكر "المعتزلة" الذين وضعوا العقل حكماً في كل شيء. كانوا يتساءلون: هل العدل هو مجرد قرار إلهي لا نناقشه، أم أن العقل البشري قادر على تمييز الحق والظلم بالفطرة؟ المعتزلة يميلون لقول إن الإنسان حر تماماً، وإلا لما كان للعدل معنى ،فكيف يمكن تصور إله يجبر شخصاً على مسار معين ثم يحاسبه عليه؟ بالنسبة لهم، العقل هو "الرسول" الأول الذي يخبرنا أن الظلم مستحيل في حق الخالق، لكن هذا يفتح باباً آخر للتساؤل: إذا كان العقل هو الحكم، فلماذا تختلف عقول البشر في رؤية ما هو عادل؟

هنا تعمق الحديث ووصلنا إلى معضلة تعدد الأديان. تساءلنا بجدية: إذا كان الله عادلاً، فكيف سيتعامل مع ملايين البشر الذين ولدوا في ثقافات وأديان مختلفة تماماً عنا؟ هل يعقل أن يعاقب شخص لمجرد أنه ولد في جغرافيا معينة واتبع دين آبائه بصدق ونية طيبة؟ طرحت فكرة أن الهدف من كل هذه الأديان قد يكون واحداً في النهاية، وهو الوصول للخير والسمو الروحي، بينما تظل الطقوس والممارسات مجرد طرق مختلفة تفرضها البيئة والزمان. فإذا كان العدل هو الجوهر، ألا يقتضي ذلك أن ينظر لقلب الإنسان وعمله الصالح بدلاً من دينه أو الطريقة التي يصلي بها؟

في النهاية، تركنا المقهى والأسئلة لا تزال معلقة في الهواء مثل بقايا الدخان. لم نصل لجواب يريح عقولنا، بل خرجنا ونحن نتساءل: هل الحقيقة ملك لأحد؟ أم أن الله العادل ترك الحقيقة موزعة بين الجميع، ليظل البحث عنها هو الاختبار الحقيقي لكل إنسان مهما كان طريقه؟