حين لا يكون التغيّر تخليًا عن الذات

صادفني قبل فترة مقطع "ريلز" على إنستغرام يتحدث عن علاقة الملكة ليتيزيا بفيليب السادس، ويربط بين آرائها السابقة المنتقدة للنظام الملكي وبين موقفها اللاحق بعد الزواج. لا ريب أنها كانت تنتقد النظام الملكي قبل تعرفها على فيليب، لكن هذا التحوّل يبدو لي مفهومًا. فالحب، شئنا أم أبينا، قادر على إعادة تشكيلنا؛ لا كتنازل سلبي بالضرورة، بل كقوة تغيّر زاوية نظرنا، وتعيد ترتيب أولوياتنا.

أستحضر هذا المعنى كلما فكرت بتجربتي الشخصية. بدأت تطوعي في مدرسة ابتدائية بدوافع عملية بحتة: مال، شهادة، خبرة، ومحاولة للانشغال عن واقع ضاغط. لكن مع الوقت تغيّر كل شيء. تعلّقت بالأطفال، ثم بالمهنة نفسها. وجدتني أبحث، أتعلم، وأعيد رسم مساري الأكاديمي، لا بدافع الواجب، بل برغبة صادقة في أن أكون أفضل لهم، الآن ومستقبلًا. وكأنني، بطريقة ما، وقعت في حب التعليم ذاته.

الحب، برأيي، قوة فوضوية وخطِرة في آن واحد؛ لأنه الوحيد القادر على العبث بقناعاتنا الراسخة. وربما لهذا أستغرب كيف يُستهان به أحيانًا، رغم أن كثيرًا من القرارات المفصلية عبر التاريخ كانت بدوافع عاطفية أكثر من كونها عقلانية.

في النهاية، لم تتخلَّ الملكة ليتيزيا عن ذاتها، بل استخدمت موقعها لتوسيع أثرها، فدعمت قضايا كانت تؤمن بها أصلًا، كالتعليم وحقوق المرأة. لم تلعب دور الملكة التقليدية، بل بدت كامتداد لهويتها السابقة داخل سياق جديد، وهو ما أجد فيه شيئًا يستحق الإعجاب فعلًا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Abdelrahman_985 أضف ردا

الحب قوة لا يستهان بها، لا يوجد حد لتأثيره، ولكن أرى أن الحب أحياناً قد يجعلنا نتخلى عن الأمانة والموضوعية في حكمنا على الأشياء، بل للأسف أحياناً يجعلنا نتخلى عن أخلاقنا.

لأن الشيء الذي نحبه لن نعاديه أو نقف ضده بسهولة، فلو هناك قاضٍ مثلاً وقع أمامه قضية الحكم الصحيح عليها هو الإعدام ولكن هذا المتهم هو ابن القاضي، ماذا سيحدث؟!

كذلك قد يجعلنا ذلك الحب مستضعفين بلا إرادة

فمثال مدرستك استوقفني بعض الشيء، ربما أحببتِ المدرسة، لذا ستكونين أقل اكتراثاً بتحقيق أحلامك التي دخلتِ من أجلها مجال التدريس، فلو تم الإنتقاص من حقك أو راتبك أو هناك شكوى ضد المدرسة، أعتقد ستكونين مترددة بشأنها، لأن هناك هدف آخر تذهبين بسببه إلى المدرسة وهو الأطفال وحب التدريس.

الحب لا يعني دائمًا ضعف الإرادة. أحيانًا يجعلنا أكثر حرص ووضوح فيما نؤمن به. القاضي في مثالِك يواجه اختبار أخلاقي لكنه لا يلغي قدرته على الاختيار الصحيح. وبالمثل حبهت للتدريس والأطفال لا يضعفها بل يجعلها أكثر تفاني وإصرار على تحقيق ما هو صائب وعادل لأنها تحرك رغبة صادقة في الخير.

صادفني قبل فترة مقطع "ريلز" على إنستغرام يتحدث عن علاقة الملكة ليتيزيا بفيليب السادس، ويربط بين آرائها السابقة المنتقدة للنظام الملكي وبين موقفها اللاحق بعد الزواج. لا ريب أنها كانت تنتقد النظام الملكي قبل تعرفها على فيليب

هذا المثال تحديداً يقول لنا أنه إذا دخل الحب القلب علينا أن نتحسس مبادئنا لأنه قد تتسرب منا دون أن ندري ورغماً عن إرادتنا.

طبعاً قد تكون تلك المبادئ خاطئة، ولكن التراجع عنها يتطلب اقتناع عقلي وليس شعور قلبي.

معكِ حق، بما أن الحب رغبة صادقة ونية طيبة من أصلها؛ فلما تتحول لشئ آخر!

كيف للحب أن يجعلنا نتخلى عن أخلاقنا ؟!

والحب نفسه "قيمة" أنسانية .. ربما عليك أن تعيد تعريف الحب وتسميته، لأن الحب الذي أعرفه يرتقي بالإنسان لا يحبط به.

لو كان القاضي يحب أبنه كما تقول فهناك مسائل هكذا مشابهة لمهن أخرى كالطب الذي لا يُسمح أحيانا للطبيب بإجراء عملية جراحية لشخص مقرب منه مثلا وهكذا دواليك" ذكرني ما ذكرت بمقطع من مسلسل شاهدته" وفعلا يمكن أن يكون الحب أحيانا أنانيا ولكنه لا يتركنا نتخلى عن أخلاقنا بل العكس أنه يرتقي بنا.

أما عن ما قلته بخصوص المدرسة، فمعك حق فعلا كنت أفكر بترك المدرسة والتدريس قبل أكتشافي للأطفال والإعجاب بهم نسبة لظروف عمل لم أكن أحتملها ولكن مع حبي للأطفال قل أكتراثي لهذه الظروف؛ ولا يعني هذا بالضرورة أني أنسانة غير طموحة أو ما شابه ولكن أيضا هو تذكير بأن هاؤلاء يستحقون الأفضل "فلما لا أكون ذلك الأفضل لهم".. ما يعني بأني أن توفقت فأنشا الله سأبدع بهذا المجال وأتوسع فيه.

هذا ما يربط بين التحول الشخصي والتحول الاجتماعي بطريقة واقعية جدًا. زاوية مختلفة يمكن كثيرين لا بينتبهوا لها: الفكرة ليس أن الحب يغيّرنا لمجرد التنازل أو الاستسلام، بل أنه يحوّل دوافعنا ويعيد ترتيب أولوياتنا بشكل يجعلنا نكتشف شغفنا الحقيقي، مثل ما حدث مع تجربتك في التعليم.

واري انه يجب الاعتراف بأن هذا النوع من التحول العاطفي أو المهني ليس مجرد حظ أو حالة مؤقتة، لكنه عملية واعية تبدأ من التفاعل اليومي مع الواقع، ثم تتحول إلى التزام واهتمام عميق. الملكة ليتيزيا مثال حي على أن الإنسان ممكن يدمج الماضي مع الحاضر، ويظل وفياً لقناعاته الأصلية، لكنه يستخدم الفرص الجديدة لتوسيع أثره، بدون أن يفقد ذاته.

لكنه عملية واعية تبدأ من التفاعل اليومي مع الواقع، ثم تتحول إلى التزام واهتمام عميق.

كيف لها أن تكون عملية واعية؟

ففي مثال التدريس المذكور منذ البداية لم تدرك هذه العملية وإنما كانت تهدف لأشياء أخرى من وراء التدريس، وبعدها تكونت هذه المشاعر (تلقائياً) مع الممارسة والتعامل مع الأطفال ثم أدركتها فيما بعد.

سؤالك في محله، لكن هناك خلط بسيط بين بداية الوعي ولحظة الاكتشاف.

ليس كل عملية واعية يجب ان تبدأ بوعي كامل من أول خطوة. أحيانًا الوعي بيتكوّن بالتدريج

في مثال التدريس، الدافع الأول كان عملي فعلًا، لكن التحوّل نفسه كان واعيًا: لحظة ما انتبهتِ إن ما يحدث داخلك غير عابر، وإنك ترغبي في استكماله وتعيدي توجيه مسارك من اجل الأطفال… هنا اصبح هناك اختيار، وليس مجرد شعور تلقائي.

فالعملية لم تبدأ بوعي، لكنها نضجت بوعي، وهذا ليس تناقض، لكنه تطوّر طبيعي لأي تجربة إنسانية حقيقية

هذا النوع من التحول العاطفي نعم موجود، ولم أكن لأنظر إليه من هذه الناحية لولا تجربتي الشخصية في التعليم وربط هذا بمثال الملكة ليتيزيا .. هذه النقطة التي رغبتُ بتوضيحها ليس كل تنازل في الحب سلبي بالضرورة ،أحيانا هي بذرة لنسخ أفضل من ذواتنا. ان لاحظتي مثال الملكة ليتيزيا فهي لم تذب داخل المؤسسة الملكية، بل أستطاعت حتى تغير صورة الملكة التي كانت راسخة في عقول الناس قبلا "وهو أمر يحتسب لها" أي قامت بالعمل داخل المؤسسة ذاتها بدل الذوبان فيها فقط ببساطة، فأن كانت فعلا تنازلت بالصورة الحرفية وكما يروج له دائما بالحب والعلاقات لكان كل ظهور لها أندثر ولم تكن الا صورة عن واجهة لملكة أخرى كغيرها من الملكات لا أكثر.