لماذا نعتقد أننا قادرون على امتلاك الحقيقة؟

قلّما يشكّ الإنسان في أكثر افتراضاته بداهة:

أنه قادر على معرفة الحقيقة.

نحن نختلف حول محتواها، نعم،

لكننا نادراً ما نشكّ في قدرتنا على بلوغها أصلًا.

نختلف في الطرق والمناهج والتفسيرات،

لكننا نشترك جميعًا في يقين خفي:

أن الحقيقة شيء يمكن الإمساك به.

وهنا يبدأ الوهم.

لأن السؤال الذي لا نطرحه هو:

من أين جاءت هذه الثقة المفرطة في كائن محدود مثل الإنسان؟

كيف لكائنٍ لا يرى إلا شريحة ضيقة من الطيف الضوئي،

ولا يسمع إلا نطاقًا محدودًا من الذبذبات،

ويعيش بضع عشرات من السنين،

ومحكوم بلغة وثقافة وتاريخ وانحيازات نفسية…

أن يزعم امتلاك «الحقيقة»؟

المشكلة أن وعينا لا يلتقط العالم كما هو، بل كما تسمح به بنيته.

نحن لا نتعامل مع الواقع مباشرة، بل مع تمثيلات يصنعها الدماغ، وتأويلات تفرضها اللغة، ونماذج مؤقتة نحسبها معرفة.

حتى أكثر معارفنا صلابة ليست يقينًا نهائيًا، بل صيغًا تقريبية تنجح إلى أن يثبت خطؤها.

ومع ذلك نتحدث بثقة مطلقة،

ونتصرف كما لو أن تصوراتنا تعكس الواقع ذاته لا ظلاله.

إن الفجوة بين محدوديتنا وادعاءاتنا المعرفية مفارقة فادحة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ربما هذا يقين مفرط لكن من دونه كيف نتقدم؟ لو شككنا في كل معرفتنا لن نتمكن من اتخاذ أي قرار، أو بناء علم أو إقامة نظام اجتماعي أو قانوني. الإنسان محدود فعلاً لكن هذه المحدودية لا تمنعنا من الوصول إلى حقائق نسبية وعملية تساعدنا على الفهم والتحرك في العالم. الحقيقة المطلقة مستحيلة لكن البحث عنها والاجتهاد فيها هو ما يجعلنا نعيش بشكل أفضل ونتجنب الانهيار.

أتفق معك أن الإنسان لا يستطيع العيش في شكٍّ كامل، لكن التقدّم لم يقم يومًا على اليقين أصلًا.

نحن لا نتحرك لأننا نملك الحقيقة، بل لأن لدينا تقديرات مؤقتة تكفي لاتخاذ قرار.

العلم نفسه لا ينتج حقائق نهائية، بل نماذج قابلة للتصحيح.

والحضارة لم تُبنَ على اليقين، بل على قابلية الخطأ.

ما أنتقده ليس البحث عن المعرفة، بل وهم تسميتها «حقيقة مطلقة».

هناك فرق بين أن نقول: هذه أفضل فرضية لدينا الآن،

وبين أن نقول: هذه هي الحقيقة.

الأولى تواضع معرفي، والثانية يقين متضخم.

في محاورات أفلاطون بحث المواضيع المجردة مثل موضوع الحقيقة، ومن الآراء التي تم طرحها أن كلمة "الحقيقة" تحمل معاني واسعة وكثيرة ومن الأفضل تحديدها بشكل أكثر دقة.

فمثلاً كان الناس قديماً يعتقدون أن الشمس إله، أو مركبة نارية تدور حولنا لسبب يخصها، لكننا الآن نعلم أنها نجم من النجوم وهناك كثير مثلها...هذه حقيقة.

أتفق أن المفاهيم تحتاج ضبطًا، لكن مثال الشمس لا يثبت أننا نملك الحقيقة، بل يثبت العكس. كل تفسير اعتبره الناس «حقيقة» في زمنه ثم تبيّن أنه ناقص أو خاطئ. ما يحدث ليس انتقالًا إلى حقيقة نهائية، بل استبدال نماذج أقل دقة بأخرى أدق.

العلم لا يمنحنا الحقيقة، بل أفضل تفسير متاح حاليًا. وكلمة «حقيقة» هنا تعبير عملي عن درجة الثقة، لا امتلاك يقين مطلق