قلّما يشكّ الإنسان في أكثر افتراضاته بداهة:
أنه قادر على معرفة الحقيقة.
نحن نختلف حول محتواها، نعم،
لكننا نادراً ما نشكّ في قدرتنا على بلوغها أصلًا.
نختلف في الطرق والمناهج والتفسيرات،
لكننا نشترك جميعًا في يقين خفي:
أن الحقيقة شيء يمكن الإمساك به.
وهنا يبدأ الوهم.
لأن السؤال الذي لا نطرحه هو:
من أين جاءت هذه الثقة المفرطة في كائن محدود مثل الإنسان؟
كيف لكائنٍ لا يرى إلا شريحة ضيقة من الطيف الضوئي،
ولا يسمع إلا نطاقًا محدودًا من الذبذبات،
ويعيش بضع عشرات من السنين،
ومحكوم بلغة وثقافة وتاريخ وانحيازات نفسية…
أن يزعم امتلاك «الحقيقة»؟
المشكلة أن وعينا لا يلتقط العالم كما هو، بل كما تسمح به بنيته.
نحن لا نتعامل مع الواقع مباشرة، بل مع تمثيلات يصنعها الدماغ، وتأويلات تفرضها اللغة، ونماذج مؤقتة نحسبها معرفة.
حتى أكثر معارفنا صلابة ليست يقينًا نهائيًا، بل صيغًا تقريبية تنجح إلى أن يثبت خطؤها.
ومع ذلك نتحدث بثقة مطلقة،
ونتصرف كما لو أن تصوراتنا تعكس الواقع ذاته لا ظلاله.
إن الفجوة بين محدوديتنا وادعاءاتنا المعرفية مفارقة فادحة.