بعض المشاعر أعمق من الألم

Talal_Maksad

إن أعمق بئر في الوجود ليس تلك التي حفرها الإنسان في الأرض، بل هي تلك الصرخة التي حُبست في الداخل ولم تجد طريقاً للخروج.

فالمشاعر حين تُكبت لا تختفي، بل تفقد صوتها فقط، وتبدأ بالتحوّل إلى ثقل صامت يتراكم في أغوار النفس، كما تتراكم الرواسب في قاعٍ لا يراه أحد.

الكبت ليس نسيانًا، بل تأجيلاً قسريًا للحقيقة. هو لحظة يُقنع فيها الإنسان نفسه أن الصمت أقل كلفة من الاعتراف، وأن الاحتمال أهون من المواجهة. لكن ما لا يُقال لا يموت، بل يغيّر شكله؛ يتحول من إحساس واضح إلى قلقٍ غامض، من حزنٍ مُسمّى إلى ضيقٍ بلا سبب، من غضبٍ مُعلن إلى برودٍ يُخطئه الآخرون حكمة.

وكلما طال الكبت، ازداد العمق. فالمشاعر المدفونة لا تبقى عند سطح الوعي، بل تنزلق إلى مناطق أقدم في النفس، حيث تختلط بالذاكرة، وبالخوف، وبصورة الإنسان عن ذاته. هناك، لا تعود مجرد مشاعر، بل تصبح بنية داخلية: طريقة نظر، ردّة فعل، توترًا دائمًا. الإنسان لا يتذكر ما كَبَته، لكنه يعيش آثاره.

المفارقة أن الكبت يُمارَس غالبًا باسم العقل، باسم التوازن، باسم “القوة”. غير أن ما يحدث فعليًا هو نقل العبء من الوعي إلى الجسد، ومن اللغة إلى الصمت، ومن اللحظة إلى الزمن. فالمشاعر التي لم تُعش في وقتها، تُعاش لاحقًا بشكل مشوّه، أو تُطالب بثمنٍ أعلى.

ولذلك، فإن أخطر ما في الكبت ليس الألم الذي يمنعه، بل العمق الذي يصنعه. عمقٌ لا يُقاس بالحزن، بل بالمسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه. كل شعور لم يُعترف به، يحفر بئرًا جديدة في الداخل، حتى يصبح الإنسان محاطًا بفراغات لا يعرف متى حُفرت… ولا كيف يردمها

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نبالغ أحيانًا في تقدير تأثير الكبت وكأن كل شعور مكبوت يترك أثر دائمًا. الكبت آلية حماية مؤقتة، ويساعدنا على الصبر والتحكم في النفس. لكن الدراسات النفسية تشير إلى أن مجرد كبت المشاعر لا يزيلها فعليًا، بل يمكن أن يزيد التوتر النفسي، بينما استراتيجيات مثل إعادة تقييم الموقف تساعدنا على التعامل مع مشاعرنا بوعي أكبر دون أضرار جانبية.

أتفق أن الكبت قد يعمل كآلية حماية مؤقتة، وهذا مفهوم نفسيًا. لكن النص لا يناقش الكبت بوصفه تقنية تنظيم انفعالي، بل بوصفه تجربة وجودية: ما الذي يحدث حين تتحول المشاعر غير المُعاشة إلى طبقة صامتة داخل الذات؟

الحديث هنا ليس عن الضرر السريري، بل عن المسافة التي تنشأ بين الإنسان ونفسه.

أتفهم رأيك أن الكبت يبعد الإنسان عن نفسه، لكن أرى أن هذا لا يحدث دائمًا. الكبت أحيانًا يكون طريقة مؤقتة لتنظيم المشاعر والتفكير قبل التعبير عنها. يعني يساعد الإنسان على التحكم بمشاعره حتى يجد الوقت المناسب للتعامل معها بوعي، وهذا يقلل الأضرار بدل أن يزيد البعد عن النفس.مثلًا، إذا شعرت بالغضب أثناء نقاش، كتم مشاعرك مؤقتًا لتفكر بهدوء قبل الرد يقلل من مشاكل أكبر لاحقًا.

ما تصفينه هو ضبط أو تأجيل واعٍ للمشاعر، وهذا صحي وطبيعي. لكن ما أقصده بالكبت ليس التحكم المؤقت، بل الحالة التي يتوقف فيها الإنسان عن الاعتراف بشعوره أصلًا، فيدفعه إلى العمق بدل أن يؤجله. الفرق بين أن أقول «سأتكلم لاحقًا» وبين أن أقول «لا أشعر بشيء». الأول وعي، الثاني انفصال. ونصي يتحدث عن هذا الانفصال تحديدًا