إن أعمق بئر في الوجود ليس تلك التي حفرها الإنسان في الأرض، بل هي تلك الصرخة التي حُبست في الداخل ولم تجد طريقاً للخروج.

فالمشاعر حين تُكبت لا تختفي، بل تفقد صوتها فقط، وتبدأ بالتحوّل إلى ثقل صامت يتراكم في أغوار النفس، كما تتراكم الرواسب في قاعٍ لا يراه أحد.

الكبت ليس نسيانًا، بل تأجيلاً قسريًا للحقيقة. هو لحظة يُقنع فيها الإنسان نفسه أن الصمت أقل كلفة من الاعتراف، وأن الاحتمال أهون من المواجهة. لكن ما لا يُقال لا يموت، بل يغيّر شكله؛ يتحول من إحساس واضح إلى قلقٍ غامض، من حزنٍ مُسمّى إلى ضيقٍ بلا سبب، من غضبٍ مُعلن إلى برودٍ يُخطئه الآخرون حكمة.

وكلما طال الكبت، ازداد العمق. فالمشاعر المدفونة لا تبقى عند سطح الوعي، بل تنزلق إلى مناطق أقدم في النفس، حيث تختلط بالذاكرة، وبالخوف، وبصورة الإنسان عن ذاته. هناك، لا تعود مجرد مشاعر، بل تصبح بنية داخلية: طريقة نظر، ردّة فعل، توترًا دائمًا. الإنسان لا يتذكر ما كَبَته، لكنه يعيش آثاره.

المفارقة أن الكبت يُمارَس غالبًا باسم العقل، باسم التوازن، باسم “القوة”. غير أن ما يحدث فعليًا هو نقل العبء من الوعي إلى الجسد، ومن اللغة إلى الصمت، ومن اللحظة إلى الزمن. فالمشاعر التي لم تُعش في وقتها، تُعاش لاحقًا بشكل مشوّه، أو تُطالب بثمنٍ أعلى.

ولذلك، فإن أخطر ما في الكبت ليس الألم الذي يمنعه، بل العمق الذي يصنعه. عمقٌ لا يُقاس بالحزن، بل بالمسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه. كل شعور لم يُعترف به، يحفر بئرًا جديدة في الداخل، حتى يصبح الإنسان محاطًا بفراغات لا يعرف متى حُفرت… ولا كيف يردمها