22

بين الذاتيّة والموضوعيّة (الجزء الأوّل)

" كُنْ موضوعيّاً "، جملة نسمعها كثيراً في أوساطنا الثقافيّة المختلفة، وباتت " شططاً "علامةً تشير إلى ثقافة ورحابة صدر المتفوّه بها. لكن ما هي الموضوعيّة وما هي الذاتيّة؟ ولماذا ينأى بعضنا عن وصف نفسه بأنه ذاتيّ، ويرى كلمة " الذاتيّة " كلمة مفخَّخَةً ملآنة بالأخطار؟ وهل ندرك حقاً اسقاطات وتراكب مضامين ما نتفوّه به حين ينصح بعضنا بعضاً بأن نكون موضوعيين؟... هذه وغيرها من التساؤلات تدور في مستويات وعيّ منذ فترة طويلة، ولا أستطيع الجزم أني امتلكت الرصيد المعرفيّ الكافي للتصدّر للكتابة عن إشكاليّة كهذه؛ لذلك سنتشارك سويّاً بعضاً مما أعرفه عنها، محاولين تعميق نظرات وأفكار بعضنا البعض.

لن أتطرّق للتفصيل " الأكاديميّ " الذي يهتم بمحاولة وضع تعريفات وأنماطٍ للذاتيّة والموضوعيّة؛ فلا أظن هذا يفيد نقاشنا بشيء، لكني سأعرض لكم شذرةً مكثّفة من شذرات نيتشه، حواها كتابه " هذا هو الإنسان " يقول فيها: " ليس بإمكان أحد بالنهاية أن يسمع من الأشياء - بما في ذلك الكتب - أكثر مما يعرف مُسْبقًا. فما لم يكن للمرءِ من معرفةٍ به عن تجرِبة معاشة لا يمكن له أن يسمعه. لنتصور الآن حالة قصوى حيث يروي كتابٌ أحداثًا تقع "خارج الإمكانات " التي " تمنحها التجارب المتداولة "، بل وحتى النادرة منها، بحيث يغدو لغة أولى لسلسة جديدة من التجارب، في مثل تلك الحالة سيكون من المتعذّر سماع أي شيء وبفعل التوهم السمعي يغدو ما هو غير مسموع غير موجود أيضًا... كل من يعتقد أنه فهم شيئًا من كتاباتي فقد فهم مني ما فهم طبقًا لصورته الخاصة، وفي أغلب الأحيان شيئًا مناقضًا لي تمامًا مثل اعتباري "مثاليًّا ". أما من لم يفهم مني أي شيء فقد أنكر حتى مجرد أن أدخل في الحسبان".

بهذه الكلمات المقتضبة، أرى الفيلسوف الألمانيّ أبطل ثنائيّة الذاتيّ والموضوعيّ، وعرض فكرة جديدة تعبّر عنهما، هي الديالكتيك. الديالكتيك الذي لا يرى أيّاً من الموضوعات قائمةً بذاتها في ثنايا الوجود؛ بل يرى التداخل والصيرورة الزمنيّة لكل موضوعٍ على حدة، ثم يضمُّ المواضيع بعضاً إلى بعض، في سبيل تكوين رؤية. والمقصود بالموضوع هنا: الشيء الموجود في العالم الخارجيّ؛ فهو كلُّ ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة، وله إطار خارجي، ويُوجد مستقلاً عن الإرادة والوعي الإنسانيّ.

لكن من خلال كلمات نيتشه، هل يكون العقل صفحةً بيضاء قابلةً لتسجيل الوقائع ورصدها بحيادٍ شديد كما يزعم البعض؟ أم أنَّ كلماته - المبرهَنة في موضعها الذي اقتطعتها منه – تخبرنا عن ذاتيّة تغزو وتملأ كل رؤية/ قناعة نسميّها موضوعيّة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

حينما كتبتُ في الأدب الرمزي، كان لدي إيمان أنّني انتهجت هذا النهج لأنني لا أريد أن أشكّل صورة مسبقة لدى القارئ، أرغب بأن يرى الأمور بالشكل الذي يريد هو أن يراها به، فالقارئ يتأثر، وإن لم نتعمد ذلك.. لهذا ربما أكون متوافقة نوعاً ما بأنّ القارئ يفهم ما يريد أن يفهمه تبعاً لما تشكل داخله ووفق رؤيته الخاصة.

" ليس بإمكان أحد بالنهاية أن يسمع من الأشياء - بما في ذلك الكتب - أكثر مما يعرف مُسْبقًا. فما لم يكن للمرءِ من معرفةٍ به عن تجرِبة معاشة لا يمكن له أن يسمعه.

ربما لو لم تقل أنها لنتيشه لحاولت قراءتها بتجرد ولكن مع شخص يناقش في العدمية لا يمكن رؤية الموضوع (بموضوعية) والتي هي مناط مقالك بالأصل.

لم أفهم حقاً كيف يمكن للشخص أن لا يسمع أكثر من ما يعرف مسبقاً؟؟

إلا لو كان المقصود بأننا مهما بلغ خيالنا وبلغت قدرتنا على مجاراة الواقع فلن نتمكن من الإلمام بالأمر إن لم نكن على دراية به..

ولا أعلم إلى أيّ حدٍ كان فهمي قد جانب الصواب.. ربما تحتاج العبارة نفسها شرحاً حتى يمكن الخوض فيها، فهل يمكنك ذلك نور الدين؟

بالرغم من رواجِ فِريَة الماديّة على نيتشه إلا أنه يصعب توصيف فلسفته في الجسد بأنها مادية لعدة اسباب :

1. لأنه يرى أن المادية في الحقيقة هي نظرة المسيحية للجسد والجنس ؛ إذ يرى أن الهروب من رغائب الجسد وزعم التحرر الناجز منه يقلب مراد الهارب ويجعله راضخًا للجسد أسيرًا لرهبته وحاجاته من حيث ظن أن في هروبه منجاته ، وليس أغبى لديه ممن لم يستجب لرغائب الجسد (الحواس كلها ليس فقط الأعضاء التناسلية) التي بالتجربة لم يصغ إليها أحد إلا كان مبدعًا فنانًا يعرف كيف يعثر على معنى لوجوده وكيف يستنقذ الجمال ويستخلصه من هذا الوجود القاسي الشرير.

2. لأن الحسية غير المادية ، فلسفة نيتشه في الجسد فيها بعد حسي ظاهر لا تخطؤه العين (لاسيما في مؤلفاته المتأخرة في سبعينيات القرن قبل الماضي) الحسية التي تجعل الجسد موطن الطمأنينة والحيوية وطلاقة الجمال والحب ؛ فكلما أصغى الإنسان إلى حواسه فاضت عليه جمالًا من نوع خاص ؛ فالسمع المرهف مثلًا يجلب الإبداع الموسيقي ويستقطب من الطبيعة جوهرها ويقبض عليه في نغم بالغ الجمال .. وهكذا دواليك في سائر الحواس ..

3. لأن المادية بتحديداتها المختلفة (سواء كانت المادية البيولوجية أو الميتافيزيقية أو الجدلية) كانت بعيدة عن اهتمامات نيتشه ولا تمثل حلًا ناجزًا لديه ، ويسعيض عنها بفلسفة الحياة والإنسان الفائق .

4. لأن نيتشه يبطل في الأصل الثنائية الديكارتية (روح/جسد) أو بالأحرى يقلبها (كما قلب ماركس هيجل) ؛ إذ يرى أن الجسد له القوامة على الروح وعبثًا تسعى الروح لتقويض سلطته ، كما أنه يرى أن سلطة الجسد على الروح ليست أبدًا قهرية ، بل هي سلطة حية مطلقة لا تحتاج إلى فحص أو تكلف يعرفها الجميع من أنفسهم ويجدون جماليتها في أنفسهم .

5. كما أنه لا ينكر الروح ولا يقيد بها نزعة مادية مسبقة لديه بل يعيد تأويلها بعد أن يثبت عدم تجوهرها في ماهية مستقلة عن الجسد ، إذ لا تعدو الروح عنده مجموع الغرائز التي لا تجد سبيلًا للنفوذ والتحقيق في الخارج لذا فهي تأوي إلى الداخل وتشكل الروح.

6. السبب الاخير والأهم أنه نص في أصل الأخلاق (غالبًا إن لم تخني الذاكرة) بما يكاد يكون نصه : "أنّه خصم محتشد الهمة ضد كل مادية"

هل اتضحت الصورة الآن؟

الصراع بين الذاتية والموضوعية في الفن يعد صراعًا أزليًا. المسألة برمّتها تعتمد على عملية التفاعل فيما بين المنتج (أو الفنان) من جهة والمتلقي من جهة أخرى. وعليه، فأنا أنحاز دائمًا إلى عمليات التفاعل الذاتية التي لا تعزل نفسها عن المتلقي. أما بالنسبة لمدى صحة الاختيار فيما بينهما فالفن في رأيي لا يعتمد على الخيارات، وإنما يعتمد على قرارات الممارس له، فلا توجد النسبة إلي طريقة أصح من الأخرى.

ألا ترى شذرة نيتشه (التي ضمّنتُها مساهمتي) قد أبطلت هذا الصراع؟

وما إجابتك على تساؤلي: هل العقل صفحةٌ بيضاءٌ قابلةٌ لتسجيل الوقائع ورصدها بحيادٍ شديد كما يزعم البعض؟

ألا ترى شذرة نيتشه (التي ضمّنتُها مساهمتي) قد أبطلت هذا الصراع؟

بالرغم من أنها تبدو كذلك بالنسبة لكل منا، لكنني لم أعنِ بتعليقي إبطال الصراع في المنهج الفكري، وإنما عنيت بالصراع الذي أشير إليه الممارسات الفنية التي تحاكي الواقع أو تحوّله، أيًا كان نوع ذلك الفن أو شكله.

وما إجابتك على تساؤلي: هل العقل صفحةٌ بيضاءٌ قابلةٌ لتسجيل الوقائع ورصدها بحيادٍ شديد كما يزعم البعض؟

بالنسبة إلي، لا أستطيع الجزم بذلك. لكنني من أنصار الطبيعة الفردية للإنسان، حيث أن العقل بالرغم من إمكانياته المبهرة، فهو يعمل بالعديد من الطرق الملتوية وغير الواضحة على صعيد العقل اللاواعي، مما يدفعني إلى الإجابة بلا، حيث أن العقل في رأيي لا يترك الحقائق والذكريات كما هي، وإنما يحولها ويعمل على تعديلها أو تبريرها داخل تكوينه بصورة غير واضحة في كثير من الأحيان.