ممَّا رأيتُ في التدوين العربي

بَيْنَ مَنْ يَصِفُ فِنْجانَ قَهْوَتِهِ الصَّباحِيَّةِ، وَبَيْنَ مَنْ يُدَوِّنُ عَنْ فَوائِدِ عَصيرِ المِشْمِشِ في الصَّيْفِ.. تَكْمُنُ أَزْمَةُ التَّدْوينِ العَرَبِيِّ المُعاصِرِ. كَيْفَ؟

التَّدْوينَةُ المَنْشورَةُ -مِنْ وِجْهَةِ نَظَري- هِيَ مُشارَكَةٌ ذاتُ قيمَةٍ حَقيقِيَّةٍ لِلْقارِئِ؛ مَعْلومَةٌ مُفيدَةٌ، صَحيحَةٌ وَسَليمَةٌ، يَتَقَبَّلُها المُتَلَقِّي بِوَعْيٍ وَإِدْراكٍ وَيَتَفاعَلُ مَعَها. وَهذا عَكْسُ نِظامِ مَواقِعِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ الَّتي تَفْرِضُ الكَمَّ وَالسُّرْعَةَ دونَ تَحْليلٍ مِنَ المُتابِعِ، وَهَذِهِ ميزَةٌ فاصِلَةٌ.

المُدَوَّناتُ العَرَبِيَّةُ حَقيقَةً -إِلَّا نِسْبَةً شِبْهَ مُنْعَدِمَةٍ- إِمَّا تُنْشَرُ فيها تَدْوينَاتٌ روتينِيَّةٌ لِأَشْباهِ المُثَقَّفینَ؛ أَصْحابِ الفَناجينِ الصَّباحِيَّةِ أَمامَ النَّوافِذِ في الأَيَّامِ المُمْطِرَةِ، وَهذا لَنْ يُفيدَ القارِئَ إِلَّا بِصورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لَكَ وَلِحَياتِكَ العاطِفِيَّةِ. وَإِمَّا عَشَراتُ المَقالاتِ المُهْتَرِئَةِ الَّتي بُنِيَتْ لِتَصَيُّدِ الزُّوَّارِ لِمُشاهَدَةِ الإِعْلاناتِ المُتَشَقْلِبَةِ في كُلِّ رابِطٍ، وَفي كُلِّ صَفْحَةٍ، وَبَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ؛ وَفي الأَخيرِ لَنْ تَجِدَ في تِلْكَ التَّدْوينَةِ لا قيمَةً وَلا فائِدَةً.

المُصيبَةُ في هَذا النَّوْعِ مِنَ المُدَوَّناتِ، أَنَّها بَدَأَتْ تَعْتَمِدُ عَلَى مُحْتَوًى أُنْتِجَ كُلِّيًّا بِالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ؛ فَلا تَعْرِفُ إِنْ كانَتْ فِعْلًا تِلْكَ مُدَوَّنَةً، أَمْ مَجَلَّةً عِلْمِيَّةً!

مِنْ خِلالِ رِحْلَتي المُتَواضِعَةِ في المُدَوَّناتِ العَرَبِيَّةِ، وَالَّتي كانَ كُلُّ مُحْتَواها تَقْنِيًّا وَمَعْلوماتِيًّا، لَمْ تُؤَسِّسْ فِعْلًا لِفِكْرَةِ التَّدْوينِ الفِعْلِيِّ وَالحَقيقِيِّ، وَالَّتي أَصْلًا كانَتْ نِتاجَ الهِجْرَةِ عَنِ المُنْتَدَياتِ.

لِذَلِكَ؛ التَّدْوينَةُ المَنْشورَةُ يَجِبُ أَنْ تَنْفَعَ المُدَوِّنَ أَوَّلًا، وَتَنْفَعَ القارِئَ أَوِ المُشْتَرِكينَ في النَّشْرَةِ البَريدِيَّةِ. حَتَّى لَوْ كُنْتَ تَرْتَشِفُ فِعْلًا قَهْوَتَكَ الصَّباحِيَّةَ عَلَى شُرْفَةِ مَنْزِلِكَ، اجْعَلْها تَحْمِلُ رِسالَةً، تُدَوِّنُ مِنْ أَجْلِ هَدَفٍ حَقيقِيٍّ، تَبْعَثُ الأَمَلَ في القارِئِ في يَوْمِهِ.

أَمَّا التَّدْوينُ العِلْمِيُّ فَهُوَ تَخَصُّصٌ لِأَصْحابِهِ؛ لَوْ فِعْلًا تَنْشُرُ مِنْ تَخَصُّصِكَ العِلْمِيِّ أَوِ المِهْنِيِّ فَهذا فَخْرٌ لِلتَّدْوينِ عُمومًا، وَتَسْتَحِقُّ وِسامَ شَرَفٍ. غَيْرَ ذَلِكَ، أَنَا أُسَمّيهِ "مَصيدَةَ إِعْلاناتٍ" وَلَيْسَ مُدَوَّنَةً.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مرحبا

التَّدْوينُ العِلْمِيُّ فَهُوَ تَخَصُّصٌ لِأَصْحابِهِ؛ لَوْ فِعْلًا تَنْشُرُ مِنْ تَخَصُّصِكَ العِلْمِيِّ أَوِ المِهْنِيِّ فَهذا فَخْرٌ لِلتَّدْوينِ عُمومًا

لدي محاولة بدات قبل سنتين تقريباً .. الرابط في البايو .. سنتشرف بزيارتكم ورائيكم ..

خالص التحية والتقدير

المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي غير ذلك الموجود على المدونات، فعلى مواقع التواصل الاجتماعي يميل المحتوى لأن يكون بسيطًا وسريعًا ، أو أن يكون عبارة عن خواطر أو مشاركة يوميات وأفكار، وهذا قد يفيد الشخص نفسه لأنه يشارك ويخرج مكنونات صدره وقد يجد أيضًا جمهورًا يشاركه.

أما المدونات والمواقع فهي للمقالات باختلاف تخصصاتها وهي المكان الذي يجب أن يقدم معلوم مفيدة أو إجابة لسؤال القارئ، وأنا معك في نقطة أن إدخال الذكاء الاصطناعي في الكتابة قد يقدم محتوى بارد ومعلومات مكررة مستهلكة وهذا ما يجب أن ينتبه له أصحاب تلك المدونات، أما بخصوص الإعلانات فهي مصدر رزق صاحب المدونة، لكن يجب أيضًا أن تكون بالقدر المعقول مع الابتعاد عن الإعلانات المنبثقة الكثيرة المزعجة وذات المحتوى الغير ملائم.

لا أرى المشكلة في نوع المحتوى نفسه البعض يفترض لأي كتابة أن يكون لها فائدة للقارئ أو هدف لكن أحيانًا التدوين يكون مجرد مشاركة للحياة اليومية والتجارب حتى لو كانت بسيطة وهذا ليس ضعف في المحتوى أو مضيعة لوقت القارئ هو شكل مختلف من الكتابة يعتمد على مشاركة الحياة من غير شرحها أو تحليلها

هناكمدونات شخصية لطيفة تنشر تدوينات صغيرة لكن ايجابية تحمل فكرة بسيطة من حياتنا اليومية او تسلط الضوء على شيء منسي وهناك مدونات متخصصة فشيش تى المجالات العلميةوالادبية والفنية تفيد المختصين او الراغبين بدخول المجال ومجتمع لطيف يتبادل الاراء في تخصصه ’ مدونتي متخصصة في الفنون الجميلة سوف يسعدني تفضلكم بزيارتها