في ربيع عام 2007، هبّت العاصفة التي لم تكن في الحسبان. رحل والدي عن عالمنا، ورحلت معه معاني الطفولة الآمنة. كان الفقد حينها أكثر من مجرد خبر حزين...كان تحولًا جذريًا في بنية الحياة انكسارًا داخليًا صامتًا لا يُرى، لكنه يُشعر به في كل نفس، في كل زاوية من البيت، في كل صمت طويل يملأ المساء.

فقد الأب ليس كأي فقد. هو انهيار السند الذي كنا نركن إليه، حتى دون أن نشعر. هو افتقاد النظرة الحانية التي كانت تحميك من خوف العالم. ومن بعد هذا الفقد، وجدتُ نفسي على أعتاب دار الرعاية الاجتماعية، وهناك بدأت قصة أخرى... مختلفة.

في دار الرعاية: تسع سنوات من التكوين

حين دخلت إلى دار الرعاية، كنت أظن أنني أُقصى عن الحياة الطبيعية، لكنني كنت في الحقيقة أُعاد تشكيل ذاتي. تسع سنوات قضيتها هناك، لم تكن مجرد زمن يمر، بل كانت تجربة تكوينية عميقة. رأيتُ في تلك الجدران كيف يصنع الإنسان قوته من ضعفه، وكيف تولد الأخوّة من غربة المصير.

في دار الرعاية، تعلّمت قيمة الانضباط، والاعتماد على النفس، والصبر على الضيق. لم تكن الحياة سهلة، لكن القلوب التي تشاركنا بها المكان جعلتها أجمل. هناك ضحكنا كثيرًا، بكينا أحيانًا، تقاسمنا الأعياد والامتحانات، الأحلام الصغيرة والآمال الكبرى. كانت لحظاتنا البسيطة تملك قيمة مضاعفة، لأننا عرفنا ما معنى أن تكون محرومًا، وما أجمل أن تشعر بالقليل وكأنه كنز.

كانت تلك السنوات، رغم ما فيها من ألم، من أجمل ما عشت. فيها نضجت، فيها انغرست القيم، وفيها بدأ الحلم يتشكل بهدوء.

ما بعد البكالوريا: القرار الأصعب

مع انتهاء مرحلة الدراسة الثانوية، كنت أمام مفترق طرق. لم يكن الأمر يتعلق فقط باختيار تخصص جامعي أو وظيفة، بل باتساع الرؤية نحو ما هو أبعد: هل أظل حيث الأمان النسبي؟ أم أغامر في المجهول بحثًا عن الأمل؟

اخترت أوروبا. كانت الرحلة محفوفة بكل ما يمكن أن يواجهه الحالمون: صعوبة اللغة، غربة الروح، برودة الطقس والقلوب أحيانًا. تركت أمي وإخوتي خلفي، وحملت معهم شوقًا لا يهدأ. الغربة لا تُعرّف فقط ببعد المكان، بل بطول الليالي التي تمر دون حضن الأم، وصوت الأخ، وملامح الوطن.

في تلك البلاد البعيدة، عشت الصراع اليومي بين بناء الذات ومصارعة الزمان. تعلّمت أن أكون ذاتي دون أن أفقد جذوري. أن أبحث عن الحياة الأفضل دون أن أنسى من أين أتيت. كنت أعيش بين سطور الحنين، وبين تحديات الواقع، أنسج لنفسي مستقبلًا يشبهني، لا يشبه ما فُرض علي.

بين الماضي والحاضر: رواية لم تكتمل

اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أدّعي أنني بلغت النهاية. ما زلت أسير في رحلة طويلة، أحيانًا بثبات، وأحيانًا بتعثّر. غير أن ما مضى شكّلني، وصنع مني إنسانًا يعرف معنى الصبر، وأهمية العائلة، وقيمة كل لحظة جميلة عشتها في أبسط الظروف.

لقد بدأت الرحلة من وجع الفقد، مرورًا بأبواب دار الرعاية، ووصلت إلى شوارع الغربة الأوروبية، وما زلت أبحث عن الضوء. لكنني أدرك اليوم أن هذا الضوء يسكن داخلي، في ما عشته، في ما تعلمته، وفي من أصبحت عليه...