معجزة التجدد البشرية

نقسم أن لا نقع في الحب بعد الخيبة الأولى ثم نهوي مستسلمين راضين بمجرد ما أن يداعب نسيم حب جديد ستائر قلوبنا. تصرخ الحامل أثناء الوضع أنها لن تكرر فعلتها ولن تسمح لجنين آخر باحتلال أحشائها مرة ثانية، ثم تعيد الكرة مرة واثنتين تصرخ خلالهما بنفس الوعد والوعيد.

نفقد أبا أو أما، فيتحول الكون أمامنا لحفرة مظلمة لا يزورها الهواء، يصبح الاختناق رفيقنا الدائم، ونظن أن كل شيء بلغ منتهاه، الفرح والضحك والغناء. وينقضي عصر الحزن والنحيب لنعلن أخبار النجاحات ونقيم الأعراس والأمسيات وننجب الأطفال ونقدم الهدايا والوعود. ثم نتذكر في زخم البهجة الآباء والأمهات النائمين تحت التراب ونبتسم.

قدرة الإنسان على التجدد تكاد تكون معجزته الحقيقية. قابليته للانبعاث بعد الخراب وإصراره على المواصلة يجعلان منه كائنا فريدا من نوعه.

أذكر اليوم الذي حملت الهاتف لأخبر فتاة في عقدها الثاني بأن تلتحق فورا بالمستشفى، كنت أحمل لها أسوأ خبر قد يحمله شخص لآخر. والدها الخمسيني يفارق الحياة بعد صراع ضار مع المرض، مرض مفاجئ وموت سريع لم يمنحا للفتاة المغرمة بأبيها الوقت الكافي لاستيعاب ما يحصل. كانت تنظر نحوي كما ينظر سجين منهك لقاض ظالم، كأني تحالفت مع الموت ضدها. تركتها تبكي أباها وتنعي بطلها ورحلت. صادفتها أخيرا تنتعل حذاء بكعب وفستانا بهيا يلفها كوردة عطرة، تضع حمرة على خديها اللطيفين، وتتناول طبقا شهيا رفقة صديقات لها وتضحك. تبادلنا التحية ونظرات الامتنان، أخبرتني أنها أنهت دراستها والتحقت بوظيفة جديدة طالما تمنتها. بينما هي تتكلم بهدوء ورقة كنت أنا أبحث عن الشابة الحانقة الحزينة التي رأيتها آخر مرة، ترثي أباها الذي رحل فجأة فلم أجدها. وجدت إنسانة متجددة لها مشاريع وخطط جديدة، سعدت جدا لأجلها، لأجل الأنثى الحية التي خرجت من جسد أخرى محطمة فارقت الوجود.

أنا أيضا عشت مراحل اعتقدت فيها أنه ما عادت هناك فرصة ثانية ولا ثالثة. توهمت لأيام طويلة أن كل ما يمكن فعله هو العيش إكراما لما فات، وبأن الحطام الذي ينتشر داخل عقلي والخراب الذي يحتل كياني سيبقيان حليفين غير مرغوب فيهما على الدوام، لأستيقظ في يوم من الأيام أتحسس بروز شخص متجدد يحاول بسط نفوذه بكل هدوء وإصرار، يحترم كل ما قد كان ويحمل بين يديه مخططا جديدا وآمالا جديدة ورؤى مختلفة. يدعوني بحكمة واتزان لطي الصفحات المهترئة وحمل قلم جديد ثم كتابة شطر مختلف. كنت أشعر بشعور المرأة التي أقسمت أن لا تكرر عملية الإنجاب وهي تزف للناس بفرح شديد خبر حملها الجديد.

الرغبة العارمة في الحياة تنتزع الإنسان انتزاعا من آلامه وعثراته، تنازع فيه استسلامه لدوائر اليأس والقنوط وتخرج للوجود كائنا جديدا يعيد تشكيل قصص جديدة، بآمالها وآلامها وآثامها.

تتجدد خلايانا كل يوم، وتتغير ملامحنا فتظهر بثور وتختفي أخرى وتبرز تجاعيد وخصل بيضاء ويتغير ملمس جلدنا وتتجدد الدماء السابحة بداخلنا. كل يوم ينبثق للوجود منا شخص جديد يختلف عن ذلك الذي كان بالأمس، شئنا أم أبينا لسنا الكائن نفسه على الدوام، لا نحمل المشاعر نفسها ولا نداعب الأحلام نفسها ولا نؤمن بالأوهام نفسها. أجسادنا تتجدد، أرواحنا تبعث من الخراب وأحاسيسنا تقذف بداخلها نفحة الحياة من جديد، نولد مرة ونتجدد كل مرة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

 أخبرتني أنها أنهت دراستها والتحقت بوظيفة جديدة طالما تمنتها. بينما هي تتكلم بهدوء ورقة كنت أنا أبحث عن الشابة الحانقة الحزينة التي رأيتها آخر مرة، ترثي أباها الذي رحل فجأة فلم أجدها. وجدت إنسانة متجددة لها مشاريع وخطط جديدة، سعدت جدا لأجلها، لأجل الأنثى الحية التي خرجت من جسد أخرى محطمة فارقت الوجود.

البارحة خديجة صادفت ابنة شخص توفي قبل سنتين. وفاة لم تكن عادية كونه قتل على غدر. أتذكر أن الفتاة كانت قد صدمت في ذلك على إثر وفاة أبيها. الفتاة تزوجت خلال سنة وسعيدة كثيرًا بعائلتها الجديدة، وعندما جاء الحديث عن أبيها من قبل الحضور. قالت بأنه الآن عند ربه وأن رحمة الله تنزل عليه فقط. لم أشعر بأنها متأثرة. اعتقد أن عامل الوقت والرضى بما قدره الله هو الذي جعلها هادئة ومطمئنة بل سعيدة. يبدو أنها تكيّفت مع فقد أبيها بل مع ذكراه أيضًا. هكذا تسير الحياة.

نولد مرة ونتجدد كل مرة.

هذه سنة الحياة. لأننا نعرف أن الحزن على فقدان الحب للأبد لن يعود به أحياء. نحن أناس نعشق الحياة وخوض غمارها وتحقيق ما هو مطلوب منا.

إن المحافظة على القوى العقلية ضد المآسي التي نمر بها، يمنحك المعرفة فالمعرفة يمكن تحصيلها بطريقتين عن طريق الألم وهي الطريقة الأسمى، ومن دون ألم وهي الطريقة النادرة، ونحن إذا ما حطت علينا الآلام فتحت أمامنا تساؤلات لا تنتهي عن وجودنا وماهية ما حولنا، ويشق على المرء بعدها أن يتخلى عن الحياة (أي بعد المعرفة) فيبدأ بالنظر للحياة بعين الرغبة، فتراه يزهر من جديد بعد الفواجع و بطريقة مختلفة.

هناك مقولة نرددها كثيرا، هي أن الوقت كفيل بالشفاء، قصة الفتاة هذه ذكرتني بقصة سيدة مغربية

رأت والدها يقتل أمها أمام أعينها وهي بنت الست سنوات، وتأزم حالها كثيرا وتشردت وفي النهاية هاجرت إلى المانيا.

وهناك درست علم النفس وفتحت مركزا تأوي فيه الاطفال الذين تخلوا عنهم أهلهم وتساعدهم وتقدم استشارات نفسية لهم.

الإنسان قادر على تجاوز كل الصعوبات، لأننا نستند على قوة عظيمة كما يقول سعيد النورسي في إحدى رسائل النور الخاصة به.

نحن نستند على الله، أي أن فكرة وجود الله هي الأمان حتى في غياب الأهل.

في حياتنا اشياء لا نفهمها الا لاحقا .. هكذا كانت الام تقول لابنتها والاب يقول لابنه ان بعض الامور تاتي لاحقا حين يكبر. ما يحدث هو عملية تكيف ومداوة من الزمن للجرح ولكن يجب في نفس الوقت الا ننخدع بالمظاهر فالندبات التي تصبغ حياتنا لا تزول ولكن يتم مداراتها ويمكن ان تظهر فجاة واكثر قتامة .

حكمة الله في ان نعيش حياتنا ونمضي الى طريق وتبقى كل الامور الاخرى ذكريات تعيش معنا ولا نتخلى عنها ولكننا ايضا لنا رسالة ونحن رسالة لن نتوقف عند الماضي ونرثي حاضرنا ونوقف مستقبلنا ..

 شئنا أم أبينا لسنا الكائن نفسه على الدوام، لا نحمل المشاعر نفسها ولا نداعب الأحلام نفسها ولا نؤمن بالأوهام نفسها. أجسادنا تتجدد، أرواحنا تبعث من الخراب وأحاسيسنا تقذف بداخلها نفحة الحياة من جديد، نولد مرة ونتجدد كل مرة

حزنت لما حصل مع الفتاة، ولكن كما قلتي شئنا ام أبينا هذه هي الحياة، لا يمكن تغييرها للتلاىم مع متطلباتنا وحاجياتنا، الحياة تستمر ولا تتوقف على حزننا وألامنا، لذلك ما يتبقى علينا سوى ان نتعود ان نلملم على جرحنا ونستعيد طاقتنا والوقت وحده كفيل بالشفاء.