فيما يلي أنشر لكم جزء من كتاب ضحكة في وجه الموت
إلى الذين يضحكون في وجه الموت، إلى الذين يواجهون الغياب كأنه حضور، إلى الذين يفتّشون عن الحياة في البيت والمنفى، في الطريق والبحر والغابة والصحراء، إلى الذين يكتبون هويتهم في الرمل والريح، ويتركون أثرًا لا يُمحى في النصوص.
إلى القارئ الذي يفتح هذه الصفحات، ويجد نفسه بين السطور، إلى الإنسان الذي يصرخ في وجه الموت: «أين الحياة التي جئت لتسرقها مني؟»
هذا الكتاب ليس لي وحدي، بل لكل من حمل قلبًا يبحث عن المعنى، لكل من رأى في النهاية بدايةً أخرى، ولكل من آمن أنّ الضحك هو أصدق مقاومةٍ أمام العدم.
الفصل الأول: الرماد
الرماد ليس بقايا احتراقٍ فحسب؛ إنّه لغةٌ ثانية للحياة حين تنطفئ، كتابةٌ بلا حروف، أثرٌ يصرّ على البقاء بعد أن يغيب كل شيء. حين تلمس الرماد بأصابعك، لا تلمس غبارًا فقط، بل تلمس تاريخًا متحوّلًا، تلمس أصواتًا صارت صمتًا، ووجوهًا صارت ظلًا، وبيوتًا صارت ذاكرة معلّقة في الهواء. الرماد هو اعتراف النار بأنّها مرّت من هنا، وأنّها تركت وراءها نصًّا لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُقرأ بالقلب الذي يعرف معنى الفقد.
دخل الراوي بيتًا قديمًا التهمته النيران قبل سنوات. الجدران ما زالت قائمة، لكنها بلا ملامح، كأنّها فقدت القدرة على أن تكون جدرانًا. الأرض مغطاة بطبقةٍ كثيفة من الرماد، تتطاير مع كل خطوة، كأنّ البيت يتنفس من جديد، لكن بصوتٍ خافت. رفع الراوي قطعة خشبٍ متفحّمة، فانهارت بين يديه كأنّها اعترافٌ متأخر. قال في داخله: «الرماد ليس موتًا، بل كتابة أخرى للحياة—كتابةٌ بلا حبر، لكنها لا تُمحى.»
في زاوية الغرفة، وجد بقايا موقدٍ صغير. تذكّر طفولته حين كان يجلس أمام النار، يراقب اللهب وهو يلتهم الحطب، ثم يراقب الرماد وهو يتكوّن ببطء، كأنّه نهايةٌ هادئة لقصيدةٍ صاخبة. كان يسأل نفسه: لماذا يتحوّل الضوء إلى غبار؟ لماذا تتحوّل الحرارة إلى صمت؟ أدرك أنّ الرماد هو الوجه الآخر للنار، وأنّ كل حضورٍ يحمل في داخله بذرة الغياب، وأنّ كل ضوءٍ يكتب نهايته بنفسه.
تخيّل الراوي أنّ الرماد يتحدث إليه. قال له الرماد: «أنا لست نهاية، أنا أثر.» أجابه: «لكنّك بلا حياة، بلا صوت.» ابتسم الرماد في خياله وقال: «صمتي هو صوتي. أنا أذكّرك أنّ كل شيء يزول، لكن لا شيء يختفي تمامًا. أنا ذاكرة النار حين تعجز عن الكلام.» شعر الراوي أنّ الرماد ليس مجرد بقايا، بل هو نصٌّ حيّ، نصٌّ يكتب الغياب بلغةٍ جديدة، لغةٍ لا تُقرأ إلا حين نقترب بما يكفي لنرى ما لا يُرى.
خرج إلى الشارع، فوجد المدينة نفسها رمادية. الواجهات متفحّمة، النوافذ بلا زجاج، والأبواب مفتوحة على فراغٍ طويل. الهواء مشبع برائحةٍ لا تُنسى—رائحة احتراقٍ قديم لا يزال يتردّد. شعر أنّ المدينة كلها تحوّلت إلى نصٍّ رمادي، نصٍّ يروي قصة غيابٍ جماعي. أدرك أنّ الرماد ليس فرديًا، بل يمكن أن يكون ذاكرة جماعية، ذاكرة مدينةٍ كاملة تحوّلت إلى أثر. كل حجرٍ بدا كأنّه يحمل سطرًا من كتابٍ لم يعد موجودًا، وكل شارعٍ بدا كأنّه فصلٌ من روايةٍ انتهت فجأة.
في المساء، عاد إلى البيت المحترق وجلس في منتصف الغرفة. كان الضوء يتسلّل من فتحةٍ في السقف، فيرسم على الأرض خطوطًا من ذهبٍ فوق بحرٍ من الرماد. قال في داخله: «ربما الرماد هو الطريقة الوحيدة التي تقول بها الأشياء إنّها كانت هنا. ربما نحن أنفسنا رمادٌ مؤجّل، نصوص مكتوبة على جدار الزمن، تنتظر لحظة الانطفاء كي تتحوّل إلى أثرٍ لا يُمحى.» تذكّر وجوهًا رحلت، وأصواتًا انطفأت، وأحلامًا صارت غبارًا، لكنه شعر أنّ كل ذلك لم يختفِ، بل تغيّر شكله فقط—صار رمادًا يتردّد في ذاكرته كلما لمس هذا الغبار الخفيف.
في حلمٍ تلك الليلة، رأى النار تعود إلى البيت. لم تكن نارًا مدمّرة، بل نارًا هادئة، كأنّها تعيد كتابة ما محته. كانت تتسلّل إلى الزوايا، تلمس الجدران برفق، ثم تنسحب تاركةً وراءها رمادًا جديدًا، رمادًا يشبه الكلمات حين تُقال ثم تذوب في الهواء. استيقظ وهو يشعر أنّ النار ليست عدوًا، وأنّ الرماد ليس عقابًا، بل هو شكلٌ آخر للحياة—حياةٌ تتعلّم أن تكون صامتة دون أن تتلاشى.
في الصباح، قرّر أن يجمع حفنةً من الرماد في كيسٍ صغير. لم يكن يعرف لماذا، لكنه شعر أنّه يحمل معه نصًّا لا يريد أن يتركه هنا. حين خرج من البيت، كان يحمل الكيس كأنّه كتابٌ ثمين. في الطريق، رأى طفلًا ينظر إليه باستغراب. سأله الطفل: «ما هذا؟» أجاب: «ذاكرة.» ضحك الطفل وقال: «لكنها رماد.» ابتسم الراوي وقال: «الذاكرة أحيانًا تكون رمادًا، لكنها تظل ذاكرة.» شعر أنّه يعلّم الطفل درسًا لا يُنسى: أنّ الأشياء لا تنتهي حين تنطفئ، بل تبدأ حين نتعلّم أن نقرأ أثرها.
جلس لاحقًا في حديقةٍ عامة، فتح الكيس، ونثر قليلًا من الرماد على الأرض. كانت الريح خفيفة، فحملت الغبار بعيدًا، كأنّها توزّع النصّ على العالم. قال في داخله: «الرماد لا يحبّ أن يبقى في مكانٍ واحد. هو نصٌّ يريد أن يُقرأ في كل مكان، يريد أن يتردّد في الهواء، يريد أن يذكّرنا أنّ الحياة لا تُختزل في حضورٍ واحد، بل تتوزّع على غياباتٍ كثيرة.» شعر أنّه يشارك العالم قصةً لا يعرفها أحد، لكنه يعرف أنّها ستصل بطريقةٍ ما، لأنّ الرماد يعرف طريقه دائمًا.
عاد إلى البيت الذي يسكنه الآن، ووضع الكيس على رفٍّ قرب نافذةٍ تطلّ على شارعٍ مزدحم. كلما نظر إليه، شعر أنّه ينظر إلى كتابٍ مفتوح، كتابٍ لا يحتاج إلى صفحات. كان يقول لنفسه: «هذا هو النصّ الذي لا يُغلق. هذا هو الدليل أنّ كل شيء يزول، لكن لا شيء يختفي. هذا هو الاعتراف الأخير للنار، وهذا هو الاعتراف الأول للذاكرة.» كان يشعر أنّه لم يعد يخاف من الانطفاء، لأنّه تعلّم أن يرى في الرماد بدايةً لا نهاية.
في المساء، كتب على ورقةٍ صغيرة: «الرماد هو اللغة التي تقول: كنت هنا، وما زال أثري يتردّد.» وضع الورقة قرب الكيس، ثم أغلق النافذة. كان الليل هادئًا، والمدينة أقل رماديةً تحت ضوء القمر. شعر أنّه مستعدٌّ أن يواصل الكتابة، لا ليملأ الصفحات، بل ليواجه الغياب بصفحاتٍ جديدة، صفحاتٍ تعرف أنّها ستتحوّل يومًا ما إلى رماد، لكنها لا تخاف من ذلك، لأنّ الرماد نفسه نصٌّ حيّ، نصٌّ يظل يتردّد حتى بعد أن تنطفئ النار.
الكتاب كاملا على منصة امازن كيندل