حليب أسود، هموم الكتابة والأمومة
تظنّ بعضُ النّسوة المتزوجات حديثاً، أنّ إحداهنّ عندما تُنجب مولودها الأوّل ستغمرها السعادة لدرجة أن تحمل صغيرها وتقفز به من فرط الفرح والسرور حتى يصطدم رأسها بالسقف، مهلاً.. الواقع غير ذلك..
تقولُ المُنجباتُ حديثاً أنهنّ وعُقيب ولادتهنّ داهَمَتهنّ كآبةٌ حادّة جعلت الحياة في أعينهنّ سوداء حالكة، وإذا لم تصدّقوا فاسألوا الجدّات وكبيرات السنّ اللواتي عايشن مثل هذه التجارب ويدركنَ ذلك، فيتحايلنَ على النّفساءِ بتخفيف وطء الكآبة عليها بأن يجلبنَ لها الصديقات العزيزات ليحففنَ بها حول السرير، يغنينَ لها ويرقصن ويزرعنَ البهجة في صدرها، بل يفعلنَ ما هو أكثر من ذلك، إنّهنّ يزيّنَّ فراشها الأبيض بالشرائط القرمزيّة والبالونات الملوّنة، ويقدمنَ لها الشوكلاتة المحشوّة بالكريمة، والحلوى والرز بحليب، ثمّ يوهمونها أنّ ما يفعلونه ما هو إلا ابتهاجٌ بالمولودِ الجديد والواقع أنهنّ ما فعلنَ ذلك إلا لدفع الكآبة التي تتربّص بها، والتي ستقلب عمّا قريبٍ حياتها رأساً على عقب.
تابع المقال : https://hussein-katerji.com...
التعليقات
في علم النفس هناك ما يعرف باكتئاب ما بعد الولادة، و هناك من تتعرض له بقوة لدرجة ترفض طفلها، أتذكر أنني شاهدت فلما تدور أحداثه حول اكتئاب ما بعد الولادة و تتخلى الام عن طفلها و تغادر البيت كليا، و خاصة أولئك اللواتي يعشن فقط مع الزوج و تزداد حالتهن بسبب عدم وجود هذه الثقافة عند الرجل، و اعتقد ان من تكون ضمن عائلة بها جدة قد يكون وقع ذلك عليها أهون، بحيث ان الجدة تعتني بكليهما... في البداية ظننت أن قصة الفلم مبالغ فيها و انه من غير الممكن أن تتخلى أم عن قطعة من فؤادها، فسألت زوجة خالي حينها فأخبرتني أنها بعد ولادتها كانت تبكي طول الليل، و لا تتحمل طفلها و تتمنى لو يأخذه أحد ما، وأخذ الأمر وقتا طويلا حتى تعودت عليه، ولحسن الحظ أن أم زوجها كانت تعتني بالطفل حين تأتيها نوبات البكاء الطويلة. حينها أدركت أن الفلم يعكس جزء بسيط من واقع مسكوت عنه.
شكرا على مشاركة المقال الجميل حسين.
من الصدفة أنني كنت أتحدث قبل يومين فقط عن هذا الموضوع مع أحد الأصدقاء، وقلت أن أحد العوامل التي تزيد من سوء اكتئاب ما بعد الولادة، قلة الوعي.
لا تعلم كل الأمهات أن هذا الاكتئاب هو فعلا شيء حقيقي وموجود، فتجد إحداهن لا تعلم كيف تواجه الأحاسيس السلبية التي تداهمها، ولا تدري سبب كرهها لهذا الرضيع البريء الذي خرج من رحمها هي، وحملته قبل ذلك تسعة أشهر وانتظرت قدومه إلى الحياة بفارغ الصبر. وهكذا تجد نفسها بين قوتين متصارعتين: الاكتئاب، والشعور بالذنب تجاه هذا الاكتئاب.
أرى أن من اللازم توعية الأمهات خاصة اللواتي لهن مستوى تعليمي واجتماعي متواضع، أو صغيرات السن، وتوفير المساعدة لهن وحثهن على طلبها عند الحاجة، وهذا يعني تجنيد أطباء ومختصين نفسانيين لمتابعة النساء بعد الولادة والأخذ بأيديهن.
أرى أن الأمومة واحدة من أهم المداخل الإنسانية التي يمكن للأديب والأديبة النظر من خلالها لكشف العديد من المشاعر الإنسانية المختلطة، والتي تقوم على أساسها العديد من البنيات النفسية في المجتمع الإنساني. وكما وضعتُ أنا كتاب حليب أسود في الحسبان لأنني لم أسمع به من قبل، فيسعدني أن أرشّح لكم كتابًا رائعًا في الاتجاه نفسه، وهو كتاب كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها للكاتبة والشاعرة إيمان مرسال، حيث أنها ترصد تجربتها المؤلمة مع الأمومة بسرد شعوري رائع ولغة قوية وراسخة المعنى.
تصبح المرأة بعد الولادة مرهفة الحس ودقيقة التركيز لا تمرر شئ إلا وقد علقت عليه، يتعكر مزاجها بسبب الهرمونات، وقد تعرف هذه الظاهرة باسم اكتئاب ما بعد الولادة، وتظهر عادةً في الفترة ما بين ما بين اليوم الرابع واليوم العاشر من الولادة، من المهم معرفة أنه يمكن للاكتئاب ما بعد الولادة أن يعاود الظهور في الحمل التالي بنسبة 50% من الحالات، بمعنى أنه ليس له علاقة بولادة الأولى وفقط.
وأهم شئ يجعلنا نقتنع بأن ما يحدث للأم بإكتباب من خلال ظهور لأعراض متفاوتة ك: اضطرابات في الشهية والنوم، صداع وقلق زائد، أفكار سلبية تجاه المولود الجديد.
تتم علاج حالة الاكتئاب ما بعد الولادة بواسطة أدوية الطب النفسي المختلفة حيث يتم اختيار الدواء وفقًا للأعراض الجانبية لكن أخذها قبل من إستشارة الطبيب لأن أدرى بالحالة المعروضة امامه.