الوجود مسيرة من المراتب لا تقطع قفزاً🌙

من يُراقب الوجود بعين الراصد لا بعين العابد، سيدرك أن الأشياء لا تُلقى جُزافًا، وأن المراتب ليست اختراعًا بشريًا، بل سنة كونية، فحتى الذرّة لها مدار، وحتى الضوء له طيف، وحتى الماء حين يسيل يختار له منحدرًا لا يرتفع، لأن الصعود يحتاج طاقة، والطاقة لا يمنحها الكون بلا مقابل، ليس هناك كائن يبدأ من القمة، لا جبل ولا فكرة ولا إنسان، كل شيء يصعد يتدرج يخطئ ويعود، ثم يُعاد تشكيله بالتراكم، كما تُصقل الحجارة في مجرى النهر، لا بالقطع، بل بالوقت والاحتكاك، وهذا ما عجز عن فهمه العقل المتعجل في ثقافتنا، الذي يريد من الطفل أن يكون عالِمًا، ومن المؤمن أن يكون قديسًا، ومن المجتمع أن يتحول بين عشية وضحاها إلى مدينة فاضلة، لكن الحقيقة أبسط وأقسى، لا شيء يقفز دون سلالم، والوعي نفسه لا يولد ناضجًا، بل يُغذّى بالتجربة، والشك، والانكسار.

مراتب الوعي ودرجات الإدراك📖

الوعي عند الكثيرين، يُفهم على أنه موقف أو رأي، بينما هو في الحقيقة سلم خفي، نرتقيه ونحن لا ندري، نُخطئ فنفهم، نُعاند فننكسر، نُسحق فنُبصر، حتى نصل إلى مرحلة نضحك فيها على آراء كنّا نحسبها يقينًا، فما يراه الإنسان واضحًا في عمر العشرين قد يبدو له سخيفًا في الأربعين، وما يراه كفرًا في لحظة خوف قد يصبح له تساؤلًا نبيلاً بعد تجربة شقاء، الوعي لا يتكوّن من الكتب وحدها، بل من الجراح، من الفقد، من علاقات انهارت، من أوهام تبخّرت، من خيبات أمل صارت مرآة، نحن لا نستيقظ ذات صباح وقد صرنا فلاسفة، بل نكتشف أننا في كل مرّة انهزمنا، كنّا نربح درجة جديدة في سلّم الإدراك، ولذلك، فإنّ محاولة إقناع من لم يختبر ستكون دائمًا مضيعة للوقت، فليس كل من قرأ هيدغر قد فهم معنى الوجود، ولا كل من حفظ شعر المتنبي قد جرّب خيانة الملوك.

التراكم لا الانفجار🪶

العقل العربي في لحظات كثيرة يريد حلولًا انفجارية، ثورات، انقلابات، حركات دينية، حركات لا دينية، كأنّه لا يحتمل بطء التاريخ، ولا يعترف بقيمة التراكم، يريد العدالة الآن، والحقيقة الآن، والحرية الآن، دون أن يملك أدواتها، أو يدفع ثمنها، ولذلك تتكرر الكارثة، يبدأ كل شيء بحماس وينتهي بانتكاسة، بينما الأمم التي فهمت قاعدة الوجود تمشّت بخطى ثابتة نحو التطوّر، لم تستعجل النتيجة، بل استثمرت في التعليم، في الفكر، في الحوار، حتى حين اختلفت النخب لم تُخرج السكاكين، بل دفاتر الملاحظات، هنا الفرق بين من يرى التراكم بُطئًا مملاً، ومن يراه طريقًا لا بديل له، فإن كنت لا تصبر على التراكم، فسوف تضطر للبدء من الصفر كل مرة، وهذا هو العذاب الذي نعيشه نحن، نبدأ نثور نُسقط نملّ، ثم نعيد الأخطاء بأسماء جديدة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

العقل العربي في لحظات كثيرة يريد حلولًا انفجارية، ثورات، انقلابات، حركات دينية، حركات لا دينية، كأنّه لا يحتمل بطء التاريخ، ولا يعترف بقيمة التراكم، يريد العدالة الآن، والحقيقة الآن، والحرية الآن، دون أن يملك أدواتها، أو يدفع ثمنها، ولذلك تتكرر الكارثة، يبدأ كل شيء بحماس وينتهي بانتكاسة، بينما الأمم التي فهمت قاعدة الوجود تمشّت بخطى ثابتة نحو التطوّر

تحليل دقي وذكيي ومتوافق معه شكلاً وموضوعاً ، وأزيدك من الشعر بيت، أن الدين الإسلامي عندما بلغ الرسول بالرسالة لم تظهر فجأة للعلن بل قام الرسول (ص) بتحضير الصحابة وأهل بيته بشكل يؤهلهم لمجابهة العالم لعدة سنوات ، ثم بدأت الدعوة، التي لم تنتشر بين يوم وليلة ولم تنتشر حتى بحد السيف كما يزعم الغرب ، والعلم والتقدم له أدواته ، ولكن ما يخيف حقاً أننا في غفلة وانتكاسة وهزيمة نفسية ، والأغلب لا يؤمن أن لديه أي قدرة في التأثير أو التغيير.

Rafik_bn أضف ردا

وماذا يقصد ب:

بينما الأمم التي فهمت قاعدة الوجود تمشّت بخطى ثابتة نحو التطوّر

أنا أوافقك تماما فيما قلته لكن أليس هذا منتشرا عند الجميع؟ لماذا يستثني بعض الامم ويلقي باللوم على العقل العربي فقط وكأنها مشكلة محدودة محليا عربيا... أظن هذا نوعا من جلد الذات الذي لا داعي له

هذا لأننا بالفعل نحتاج لمزيد من جلد الذات ليس لشيء سوى إيقاظ العقول المغيبة ، نظراً لأننا نحتاج لوقفة حقيقية مع أنفسنا بدل الغرق في عيش النمط الغربي والتفكير الاستهلاكي ، والذهاب للخطب الرنانة ومحاولة عمل تغييرات ثورية لن تؤثر في الحقيقة بل تزيد من الأمر سوء .

جلد الذات ليس صحوة، بل هروب بشكل آخر وإرضاء للذات والضمير، العقل لا يُوقَظ بالإهانة، بل بالحوار، بالتعليم، ومحاولة التغيير والاصلاح بالانتقال لدور العامل المتوكل بدل الركون لدور المذنب الجالد لنفسه القاعد المتقاعس

محاولة تجاوز السلم تعني السقوط

لكن لماذا العقل العربي وحده يحمل مسؤولية التسرع وكأن باقي الشعوب لم تمر بمرحلة مشابهة؟!