كثيرٌ من الناس يظنون أنّهم لا يُهزمون، وأنهم أقوى من الظروف، وأشد من الألم، فإذا جاءهم الضعف طأطؤوا رؤوسهم أو أنكروا وجعه! ولكن الحقيقة أنّ القوة لا تبدأ من تجاهل الضعف، بل من فهمه والاعتراف به! حين تُدرك نقطة انهيارك، تعرف من أين تبني نفسك! وحين ترى دمعتك، تفهم معنى البسمة! فالضعف ليس عيبًا، بل بداية الحكمة، ومن لم يعرف موضع انكساره، لن يعرف موضع قيامه! فهل يسير من لا يعرف أين سقط؟! وهل يقوى من لم يُجرّب الوهن؟!

الإنسان لا يُعرَف إلا عند الانكسار

في لحظات النجاح يصفّق الجميع، ويتشابه الوجوه، وتختلط النوايا، ولكن حين يهبط الضوء، ويغيب المدح، وتتساقط أوراق المجاملة، هناك فقط تُكشَف الوجوه، وتظهر النفوس! لا يُمتحَن الإنسان في عرسٍ ولا في وليمة، بل يُمتحَن في مأتم وحدته، في فقر روحه، في فشل أحلامه! وهنا ترى الحقيقة كما هي، لا كما تُقال! ترى من يُحبك لأنك أنت، ومن يُحبك لأنك شيء! ترى من يبقى، ومن يختفي كأنه ما كان! وهكذا تعرِف لا بالظنّ بل بالبرهان، من هم أهلك في الضيق لا في الراحة! فكم من قريبٍ كان بعيدًا، وكم من بعيدٍ صار أقرب من الذات!

لا تنهض من جديد إلا إذا غصت في القاع

الإنسان حين يسقط، يبدأ بالسؤال: لماذا أنا؟! ولماذا الآن؟! ولا يدري أنّ السقوط ليس دائمًا نهاية، بل قد يكون بابًا إلى بداية أخرى، لم تكن لتُفتح إلا بعد هذا الألم! كثيرون ارتفعوا لأنهم سقطوا، وتغيّروا لأنهم تألموا، ونضجوا لأنهم عرفوا مرارة الجهل والغرور! فالنار تصقل، والوجع يطهّر، والسقوط يعلّم ما لا تُعلّمه مدارس الحياة! فهل كنت لتفهم نفسك حقًّا لو لم تُجرّب الضياع؟! وهل كنت لتعرف الله بصدق، لو لم تفقد الأمان في الناس؟! إننا لا نولد أنقياء، بل نصير كذلك حين نُحرق شوائبنا بنار التجربة!

الضعف لا يُخفى، لكنه يُهذّب

نعم، كلنا نحمل نقاط ضعفنا معنا، مثل ظلٍ لا يفارقنا، لكن القوي من يُحسن التصرّف في ضعفه، لا من يُنكره أو يتظاهر بعكسه! الضعف ليس لعنة، بل هو الفرصة لنتعلّم كيف نكون بشراً! من لا يُخطئ لا يتعلّم، ومن لا يبكي لا يُشفى، ومن لا يسقط لا ينهض! أما الذين يتشدّقون بالقوة، ويزعمون الثبات في كل حال، فهم أبعد الناس عن التوازن، لأنهم لا يعترفون بإنسانيتهم! وهل نُكرِم أنفسنا إلا إذا صدقنا معها؟! وهل نعالج المرض بإنكاره أم بفهمه؟! الضعف طريقٌ، لا نهاية! فإن مشيتَه بصدق، وصلتَ إلى ذاتك، وإن هربتَ منه، تهتَ عنها! فتعالَ إلى ضعفك، لا تخفْ منه...