أحيانًا نتعلّق بأشخاص، أو أماكن، أو حتى ذكريات لا نستطيع تفسير سبب تعلّقنا بها. نظل واقفين عند أبوابها طويلًا، غير قادرين على الرحيل، وكأن بداخلنا حكاية قديمة لم تُغلق بعد، أو جرحًا لم يجد خاتمته التي يستحقها.

نعود مرارًا لمحاولة إنجاح ما فشل، لا لأننا نؤمن حقًا بإمكانية عودته، بل لأن جزءًا منا يريد أن يثبت أن ما عشناه كان حقيقيًا، وأن ما شعرنا به لم يكن وهمًا عابرًا. نبحث عن نظرة، أو كلمة، أو حضور يؤكد لنا أننا مررنا من هنا.

وأحيانًا نستمر في التمسك بما يؤذينا، فقط لأن فكرة الفقد تبدو أكثر إيلامًا من الألم نفسه. فنحتمل الخيبة تلو الأخرى، ونملأ أيامنا بالانتظار، بينما يكبر الفراغ في أعماقنا كلما رحل من تعلّقنا بهم، أو ابتعدت الأماكن التي أحببناها.

وعندما يشتد هذا الفراغ، نجد أنفسنا نتساءل عن حقيقة وجودنا في هذه الدنيا، وعن أثرنا في حياة الآخرين. لكن الحقيقة التي نغفل عنها كثيرًا هي أننا لسنا فراغًا عابرًا.

لقد مررنا من هنا، وتركنا أثرًا، حتى وإن لم نره. أحببنا، وحلمنا، وانكسرنا، ونهضنا من جديد. كان لنا حضور، وكان لوجودنا معنى، حتى في الأيام التي شككنا فيها بكل شيء.

فليست قيمة الإنسان فيمن بقي معه أو فيمن رحل عنه، بل في تلك الروح التي قاومت، وفي القلب الذي ما زال قادرًا على الشعور رغم كل ما فقده.

وإذا كانت بعض الحكايات قد كُتب لها أن تبقى بلا نهاية، فهذا لا يعني أن حياتنا كلها توقفت عندها. فهناك دائمًا فصول أخرى تنتظر أن تُكتب، وأماكن جديدة تنتظر أن تحتضننا، وأشخاص لم نلتقِ بهم بعد سيمنحون وجودنا معنى لم نتوقعه. او هذا ما نتمنى.

لأنك لم تكن يومًا فراغًا عابرًا... بل إنسانًا مرّ من هنا.