أزمة التعلّق

أحيانًا نتعلّق بأشخاص، أو أماكن، أو حتى ذكريات لا نستطيع تفسير سبب تعلّقنا بها. نظل واقفين عند أبوابها طويلًا، غير قادرين على الرحيل، وكأن بداخلنا حكاية قديمة لم تُغلق بعد، أو جرحًا لم يجد خاتمته التي يستحقها.

نعود مرارًا لمحاولة إنجاح ما فشل، لا لأننا نؤمن حقًا بإمكانية عودته، بل لأن جزءًا منا يريد أن يثبت أن ما عشناه كان حقيقيًا، وأن ما شعرنا به لم يكن وهمًا عابرًا. نبحث عن نظرة، أو كلمة، أو حضور يؤكد لنا أننا مررنا من هنا.

وأحيانًا نستمر في التمسك بما يؤذينا، فقط لأن فكرة الفقد تبدو أكثر إيلامًا من الألم نفسه. فنحتمل الخيبة تلو الأخرى، ونملأ أيامنا بالانتظار، بينما يكبر الفراغ في أعماقنا كلما رحل من تعلّقنا بهم، أو ابتعدت الأماكن التي أحببناها.

وعندما يشتد هذا الفراغ، نجد أنفسنا نتساءل عن حقيقة وجودنا في هذه الدنيا، وعن أثرنا في حياة الآخرين. لكن الحقيقة التي نغفل عنها كثيرًا هي أننا لسنا فراغًا عابرًا.

لقد مررنا من هنا، وتركنا أثرًا، حتى وإن لم نره. أحببنا، وحلمنا، وانكسرنا، ونهضنا من جديد. كان لنا حضور، وكان لوجودنا معنى، حتى في الأيام التي شككنا فيها بكل شيء.

فليست قيمة الإنسان فيمن بقي معه أو فيمن رحل عنه، بل في تلك الروح التي قاومت، وفي القلب الذي ما زال قادرًا على الشعور رغم كل ما فقده.

وإذا كانت بعض الحكايات قد كُتب لها أن تبقى بلا نهاية، فهذا لا يعني أن حياتنا كلها توقفت عندها. فهناك دائمًا فصول أخرى تنتظر أن تُكتب، وأماكن جديدة تنتظر أن تحتضننا، وأشخاص لم نلتقِ بهم بعد سيمنحون وجودنا معنى لم نتوقعه. او هذا ما نتمنى.

لأنك لم تكن يومًا فراغًا عابرًا... بل إنسانًا مرّ من هنا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

التعلق يكون بـالصورة التي صنعناها عن أنفسنا معه أو في ذلك المكان يعني مثلًا الشخص الذي كان يشعر أنه كان محبوب أو النسخة التي كانت أقوى وأسعد من الأن أو حتى المرحلة التي كان له معنى مختلف للحياة يصعب الفقد لأننا نشعر أننا سنفقد جزء من أنفسنا ليس بسبب أننا لا نستطيع ترك الشخص نفسه

كلماتك تلمس عمق الوجع الإنساني وتصف بدقة معركة الروح بين ألم التمسك وخوف الفقد

أنت تختصر وجع الانتظار ومحاولة إثبات حقيقة مشاعرنا أمام الخذلان المستمر

التعلق بالماضي ليس ضعفا بل هو دليل على صدق التجربة وعمق الأثر الذي تركته فينا

الفراغ الذي نشعر به أحيانا هو المساحة التي تتسع لنضجنا وللفصول الجديدة المنتظرة

قيمتك الحقيقية نابعة من داخلك ومن قدرتك على الصمود وليس من بقاء الآخرين أو رحيلهم

أنت لست عابرا بل أنت قصة مستمرة وتستحق أن تكتب فصولا تليق بنقاء قلبك

في الأدب النفسي تم نقاش الموضوع من أكثر من زاوية بداية من فرويد اللي أطلق مفوهم "التثبيت" و"إجبار التكرار" حتى علم النفس الحديث اللي ناقش الأنماط العاطفية: الشخصية المتعلقة والمتجنبة. ورغم أن الوقوف في مرحلة من مراحل من مراحل الماضي هو سمة عقلية طبيعية من سمات عقل الإنسان لكن يكون الإنسان كأنه بيلف في دواير، والأفضل للإنسان أنه يسير في خطوط مستقيمة وينسى الماضي ولو بالمجهود الذهني الواعي.

أحيانًا يكون الرجوع إلى الماضي جزءًا من فهم الذات والتعلم من التجارب، وليس مجرد تعلق مرضي بها. حتي إن بعض المشكلات تستمر تحديدًا لأن صاحبها يحاول نسيانها بسرعة قبل أن يفهمها أو يتعامل معها.. الإنسان لا يتقدم عادة بمحو تجاربه، بل بمعايشتها في قصته الشخصية بصورة صحية، ولا نسمح له بأن يدير حاضرنا.

eman_hamdy أضف ردا

فراغ الحاضر واليأس من المستقبل لا يجعل لدي الانسان سوي الماضي ليعيش فيه ويحاول اعادته وتغييره او لوم نفسه .

جميل حقيقي