تبدأ القصة حين تُضخ الدماء في العروق، فيستجيب القلب لها نبضا وتتوالى الأنفاس الواحد تلو الآخر حتى يُكتب لذلك البدن القيام لمجابهة هاته الحياة التي تعج بالنوازل والضائقات في كل تفصيلة من تفاصيلها، وكأنها متاهة أو دوامة ما تنفك تغرق ذاك الذي يلجها دون مراعاة أو أدنى اعتبار!
تتباين آراء الناس ومناظيرهم للحياة باختلاف عقلياتهم ومرجعياتهم الدينية، فالذي لا يؤمن بالحياة الأخرى يرى واقعه جنةً لابد له أن يتمسك بها تمسك الغريق بطوق نجاته إن أراد أن يسلم بنفسه مِما لا يستطيع له مجابهة!
إذ أنه يرى تلك الدنيا التي يعيش في كنفها مفازه الوحيد الذي ينبغي له أن يغنم به حتى يحيا حياة فارهة مطوقة بذاك الرخاء المادي، الذي يطمح له كل من يخطو على وجه هذه الخليقة.
فكلما تباعد ذلك عن مناه إلا ورأى نفسه هالكا هلاكا لا مفر منه، وكلما تقارب ذلك من مناه صار أسعد الناس وأكثرهم اطمئنانا كونه يرى نفسه ذاك الغريق الذي نجا من أمواج الدنيا المتلاطمة!
أما ذاك الذي يؤمن في قرارة نفسه أن هذي الحياة الدنيا ما هي إلا دار عبور واجتياز واختبار، لا دار استقرار ورخاء، فهذا لا يُضحي بأُخراه بُغية عرَض من دنياه، بل ولا تدبُّ الروح في أوصاله ولا تتعالى أنفاسه إلا إذا رأى نفسه سالكا مسلكا من مسالك التدين القويم، ولا يخطو الخطوة حتى يعلم حكم شرع ربه فيها، فيُحكم دينه في دنياه، ويجعل تشريعات ربه فوق هواه.
وهذا من البديهي عند المرء المسلم الذي يعني إسلامُه استسلامَه لشرع ربه في كل تفصيلةٍ من تفاصيل حياته، بل وتسليمه كل أموره العظيم شأنها والصغير كذلك لأقدار ربه.
فهو بذلك يرى هذي الدنيا ضربا من ضروب السجن الشديد وقعه عليه، فهي قفص لروحه لا تتحرر منه إلا عند غرغرتها وخروجها للقاء بارئها!
وهذا هو النهج القويم مِما لاشك فيه لكل امرئ جعل الإسلام مُعتنقا له، وصيّره منهاجا لا ينحرف عن تعاليمه وتشريعاته.
فمِما لا شك فيه أن ذاك هو طريق الفلاح لكل من سار عليه!