بعد جولة طويلة من الصعود والنزول في مواقع التواصل الاجتماعي، أطفئ شاشة هاتفي وأضعه جانبًا ليرتاح، أسمع همهمات الراحة منه:
_ ياااه، وأخيرًا.
أنظر إليه بأسى:
_ أعتذر يا صاح، لكنك تعلم أنه ليس هناك شيء لأفعله، وأنت سبيلي الوحيد لتمضية الوقت.
_ إنها ساعتان متتاليتان يا هذه، أتستوعب هذا أم لا؟
أغمض عيني وآخذ نفسًا عميقًا، لو كنت أستوعب لما فعلت هذا، أمسك هاتفي كل يوم بملل، أتجول بين التطبيقات، وأضعه وأنا لا أتذكر شيئًا مما شاهدته طوال هذه الساعات، تبدأ حلقة العتاب والندم بعدها، نفسية سيئة ومزاج متعكر بسبب كل ذلك التناقض الذي شاهدته، تارة مقطعًا مضحكًا، ثم مقطعًا من غزة يدمي القلب، مقطعًا لقرآن وبعده آخر لموسيقى، أنظر إلى الهاتف مجددًا وأخاطبه بلوم:
_ مم صُنعت يا هذا؟ أي سحر فيك يجعلني مشدودة إليك طوال الوقت؟ ترن لثانية فأسرع لأتصفحك، قائلة إنني لن أطيل، وتمضي الساعات بعدها، أعزم على أن أتركك، ثم ينهشني الفراغ فأركض إليك، يخاطبني الناس فلا أسمعهم، أستخدمك وأنا أمشي، وأنا في المواصلات، وأنا في القسم، وفي كل مكان وزمان.
يجيبني بتهكم:
_ نعم، دعوتك لتأتي، لكنني لم أسحبك من يديك لتفعل، كل ما في الأمر أنك كنت جاهزة لذلك، كنت تنتظرين، حتى في بعدك عني كنت تفكرين فيّ، وأنت مع الناس، أو في المطبخ، وإن كنت تقومين بالأعمال المنزلية، فإنني أنا من أشغل بالك.
_ لماذا إذن؟
_ لأنك ضعيفة أمامي، لأنك غير عازمة على التخلص مني بجدية، ولأنك فارغة من الداخل ومن الخارج فتسرعين إليّ لتملئي فراغك، ولأنك تهربين كما تفعلين دائمًا، والآن أنت تهربين من واقعك إلى مواقعي، فلا تلوميني ولومي نفسك.