لماذا يبكي العالم لحيوان وحيد ويصمت أمام إبادة شعوب كاملة؟

نحن أمام مفارقة أخلاقية شديدة القسوة تجعلني اشك فعلا في سلامة الفطرة البشرية المعاصرة، التي اصبحت تتأثر انسانيا بناء على جاذبية الصورة لا فظاعة الحدث. رأينا جميعاً كيف ضجت المنصات العالمية وتسابقت القنوات لإظهار التعاطف مع ذلك القرد الصغير الذي اتخذ من دمية من القماش أماً له فبكى الجميع لمشهده، بينما كانت الطائرات والمدافع في تلك اللحظة بالذات تحول آلاف الأطفال في بقع أخرى من العالم إلى أشلاء أو أيتام حقيقيين دون أن يحرك ذلك شعرة في ضمير العالم.

اصبحنا نعيش في ما يعرف بعصر التعاطف الآمن حيث يهرب الإنسان من المآسي البشرية إلى عاطفة سهلة ومريحة تجاه الحيوانات لا تتطلب اتخاذ مواقف سياسية شجاعة. نجد خبر يتصدر مثل إنقاذ قطة عالقة بينما تدفن عائلات كاملة تحت الأنقاض في صمت !.

​اعلم ان وجهة نظر الكثيرين أن الرحمة لا تتجزأ وأن الاهتمام بالحيوان تدريب للنفس على الرقة، لكني اراه استبدال صريح للتعاطف البشري بتعاطف حيواني بديل يملأ الفراغ العاطفي بلا عناء. لا اري هذا الاهتمام الانتقائي سوى نوع من النفاق العالمي الذي يقدس الكائن الذي لا يملك صوتاً ليطالب بحقوقه و يحتقر الإنسان الذي يصرخ طلباً للعدل لكي لا نضطر للاعتراف بمسؤوليتنا عما يحدث له.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

وهذا ذكاء شرير من العقل الجمعي. فالكائن الأعجم (الحيوان) لن يخرج في مظاهرة ليقول لكِ أنتِ منافقة، ولن يطالبكِ بفتح ممرات آمنة. هو يتقبل شفقتكِ بصمت، وهذا يشبع نرجسية المُنقذ لدى الإنسان الغربي تحديدًا.

ف لإنسان يصرخ طلبًا للعدل. أليس هذا مزعجًا؟ تبًا إنه يملك صوتًا! والصوت يسبب الصداع، والصداع يفسد الاستقرار النفسي الذي يحرص عليه العالم المعاصر ويحمله كأولوية.

صحيح، تعرفين ان بعض التفسيرات ترى ان السبب هو تقدير العالم المعاصر للاستقرار النفسي فوق كل شيء، فظهور صوت المظلوم يُفسد النظام أكثر مما يُحل المشكلة. وكأن التجاهل مقصود لهدف عملي و أخلاقيًا وهو الحفاظ على هدوء واستقرار العالم على حساب حقوق الفرد.

ربما العالم المعاصر اصبح يحب الخير بشرط ألا يزعج راحته، وربما كل مظاهرة أو صرخة للعدل بالنسبة للبعض مجرد تهديد للاستقرار النفسي، وفعليًا ليس هناك فرق كبير بين النرجسية والإيثار في كثير من الأحيان.

الإنسان من المآسي البشرية إلى عاطفة سهلة ومريحة تجاه الحيوانات لا تتطلب اتخاذ مواقف سياسية شجاعة

هذه بالضبط الإجابة، بجانب أيضًا أن التعاطف مع الحيوان الواحد أقرب إلى الإنسان من التعاطف مع 100000 إنسان مثلًا، القدرة لعى التعاطف تتضاءل مع زيادة الأعداد أو كبر حجم الكارثة، وفي الأخير هذا يشعر الإنسان بالعجز كما ذكرتي، يشعر أن القرار ليس بيده وماذا سيفعل لإنقاذ عدد كبير، بينما القرد الصغير هو يستطيع إنقاذه مثلًا بسهولة، وأصلًا فكرة تسابق القنوات أو الميديا لعرض القصة (وهي أصلًا قصة تجربة شهيرة جدًا يعني ليست بالحدث الجديد) هذا هو نفسه ما ذكرتيه بتقديس الصورة وتغييب العقل عن الواقع.

القدرة لعى التعاطف تتضاءل مع زيادة الأعداد أو كبر حجم الكارثة،

لكن اعتقد ان البشر قادرون على التعاطف مع الكوارث الكبرى حين تُعرض بطريقة مفهومة. صحيح أن العاطفة تتضاءل مع زيادة العدد، لكن هذا لا يعني انعدامها؛ بل تتطلب معالجة إعلامية مختلفة فقط.

واحيانا افكر انه لو شعر الإنسان بالألم نفسه تجاه كل كارثة في العالم، لعجز عن العمل، وان تقييد التعاطف ضمن حدود معقولة يسمح لنا بالاستمرار في الحياة والمساعدة في ما نستطيع بدل الانهيار تحت ثقل المشاعر.

اعتقد لاننا جميعًا او أغلبنا عاش مواقف مؤلمه فعًلا مثل القرد او البطريق البعض وجد تفرقه من امه بينه وبين اخواته والبعض وجد تخلى وقسوة من الاهل والبعض وجد نفسه فى الشارع يتعرض للضرب والاهانة من غير سبب لكن ليس جميعًا عاش الحرب او تواجد فى مجاعة او ابادة فلا نستطيع ان نشعر بهم ونلمس معاناتهم اليومية

لكن اعتقد ان التركيز على المعاناة القريبة أو المألوفة هي فقط ميكانيزم دفاعي للاستقرار النفسي. لان العاطفة تجاه الكوارث الكبرى قد تكون عبئًا نفسيًا مستمرًا ، فاختيارنا شعوريًا تجاه ما نستطيع فهمه والتحكم فيه كأنه تكيف طبيعي، وأحيانًا هو سبب عدم شعورنا تجاه المجاعات والحروب. الإعلام يستخدم هذا الضعف العاطفي بلا وعي لتسليط الضوء على ما يحقق تأثيرًا أقوى.

التعاطف مع الحيوان اسهل بكثير من التعاطف مع الانسان ولكن الانسان من يحدد اولويات التعاطف عنده نعم التعاطف مع الحيوان مهم ولا ينفي التعاطف مع الانسان ولكن هناك مركزيات تتقدم لا يوجد عاقل يقول ان هناك ملايين الناس لا يجدون طعام يأكلون ثم يكون الشغل الشاغل لمجتمع كيف توفير الطعام لقطط الشارع ثم بعد ذلك كيف نساعد هولاء بل كيف نساعد هولاء ثم بعد ذلك ننظر لهذا القضية.

ولكن اظن ان شئ من الأشياء التي يجب علينا فعلها هي التوعية بهم ونقل مشاعرهم لمجتمع والابداع في تنويع الطرق وهذا شئ نحن مقصرين فيه جميعا وانا اكبر المقصرين في ذلك.

نعم، معالجة الجوع والفقر الإنساني مثلا تأتي في المقدمة، لكن هذا لا يعني أن الاهتمام بالحيوانات أو قضايا أخرى يجب أن ينتظر إلى ما لا نهاية. المجتمعات قادرة اذا ارادت ان تعمل علي أكثر من مستوى في الوقت نفسه.

وهذا شئ نحن مقصرين فيه جميعا وانا اكبر المقصرين في ذلك.

لكن المؤسسات والسياسات لها دور كبير. وتحميلنا المسؤولية قد يتجاهل التعقيد الحقيقي للمشكلة، حتي الدول أحيانًا تفضّل اتهام نفسها بالتقصير والاعتراف بذلك بدل الدخول في عمل شاق يتطلب موارد وجهدًا طويلًا.

يعجبني تعليقك علي ما وصفته بالتعاطف الأمن . ولكن لاحظ أيضا أن للإنسان قدرة أكبر علي التعاطف مع المأساة الفردية أكثر من المآسي الجماعية. فحملات التبرع التي تقوم لمرضي السرطان مثلا تعود بتبرعات أقل من الحملة التي تقوم لمربض سرطان واحد بعينه . من الاسهل علي الإنسان التعاطف مع الفرد لسهولة التواصل معه . ربما لا يكون للأمر علاقة بإنسان و قرد . فاي شخص يستطيع التعاطف مع فقدان الأم لأن الكل معرض لهذا، و لكن ليس كل إنسان يستطيع أن يتخيل شعبه تتم إبادته.

هذا لأن التعاطف مع الفرد يمنح شعورًا بالسيطرة والأثر المباشر، بينما المأساة الجماعية تسبب شعورًا بالعجز.

فحملات التبرع التي تقوم لمرضي السرطان مثلا تعود بتبرعات أقل من الحملة التي تقوم لمربض سرطان واحد بعينه .

قد يكون بسبب ضعف التواصل أو عدم وضوح الرسالة. المشكلة قد تكون في طريقة عرض القضية، لا في استعداد الناس للمساعدة او تعاطفهم.

ماذا تعني بعدم وضوح الرسالة في مرضي سرطان يحتاجون للتبرعات ؟

المقصود بعدم وضوح الرسالة ليس أن مرضى السرطان لا يحتاجون للتبرعات أو أن قضيتهم غير مفهومة، بل أن الرسالة تكون عامة وواسعة جدًا. فعندما يقال "التبرع لمرضى السرطان" دون تحديد حالة أو هدف واضح (مثل علاج مرض محدد أو تمويل عملية معينة أو قسم زمعين وعرض نماذج او امثلة للمطلوب او لما تم انجازه فعلا)، قد لا يشعر المتبرع أن مساهمته ستحدث أثرًا ملموسًا. لذلك يميل بعض الناس فعلا للتفاعل أكثر مع حالة فردية محددة لأن الهدف يكون واضحًا ومباشرًا بالنسبة لهم.