وحيد بلا وطن، من أنت؟

  • demane

ظهر أمامي فجأة. لم يكن ما أهرب منه، وأول ما خطر ببالي أنه سيعيدني. تحرّك نحوي، فاستدرتُ مسرعًا، وشرعتُ فيا أملته علي غريزة البقاء، الهرب الهرب ... الهرب، لا أحصي عدد الخطوات إلا تلك التي خلفي. بدأت تتباطأ، حتى اختفى وقعها، لكنني واصلت. ومع الشعور بلحظة من الأمان،ظهر إيقاع جديد ونغمة مختلفة، رافقها صوت مغاير… نباح كلاب من كل اتجاه. هل هي لصاحبي؟ حقًا لا علم لي. الراعي، الذئاب، الجوع، العطش، ومجهول حاول اللحاق بي، وكلاب لا أدري من أين ستبرز. أبصرتُ قطيعًا، بدا لي طوق نجاة. غلبني طبعي الذي هربتُ منه زمنًا، فاختبأتُ وسطهم. في لحظة، شوّشتُ على تناغمهم. سكن الهدوء.

تقدّم نحوي خروفٌ ضخم الجثة، نطحني، ثم سأل: "من أنت؟".

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أري اللقاء مع الخروف الضخم ليس نهاية المطاردة بل بداية اختبار آخر وسؤاله "من أنت؟" أعتقد انها دعوة لنتصالح مع مخاوفنا أو لنتحدّي شيءاكبر بداخلنا. علينا أن نختار بين البقاء مختبئين وسط الناس أو نواجهه اختلافنا وكل خيار سيكشف جانب جديد من شخصيتنا وقدرتنا على الصمود.

برأيي لا توجد مشكلة بدون وطن لأن المجتمعات والأوطان تتشابه، بعد عدة أيام سيتعود الخروف على باقي خراف المزرعة ويأكل ويشرب معهم وكذلك سيقوم بتكوين صداقات وربما يتزوج وينجب، ولا نعلم ربما هو بنفسه سينطح يوماً الوافد الجديد ويسأله: من أنت؟

ظهر أمامي فجأة. لم يكن ما أهرب منه، أول ما خطر ببالي أنه سيعيدني.
أبصرتُ قطيعًا، بدا لي طوق نجاة. غلبني طبعي الذي هربتُ منه زمنًا، فاختبأتُ وسطهم. 

الشرح:

في تلك اللحظة التي أدرك فيها ان هروبه من الراعي كان خطأ جسيماً، الآن عليه محاولة تصحيح أخطائه، بفرصة جديدة سنحت له، ولكن رغم ذلك لم تنتهي الصراعات، بل سيبدأ بخوض صراع أقوى، لأنه خرج من منطقة الراحة إلى مكان جديد نهائي، سيتسائل فيه عن نفسه، وكيف غيرته تجربته؟ وهل هو الآن سيتنازل عن رغبته بالحرية من أجل استمرار الأمان؟ ام أن هذا الأمان نفسه هو مجرد أمان خادع، وكل تلك الخرفان عبارة عن ذئاب تتخفي في فرو الخرفان؟ هل سيفقد الثقة؟ هل سيستسلم؟ وعلى أي سفرة سنجد رأس هذا المسكين في النهاية؟

كل هذا وذاك ستشاهدونه في الحلقة القادمة، تابعونا.

في الانتظار.

بطلنا الآن -وأقصد الخروف- في مرحلة فاصلة، عالق بين ماضٍ يعرفه وهدفٍ لم يتضح بعد.

بعد أن أدرك عبثية بقائه فيما يُسمّى بالقطيع، قرر خوض المخاطرة؛ هروبًا من نهاية حتمية فرضها عليه واقعه بصفته جزءًا منه. وضع نفسه في رهان صريح بين الحياة والموت، إن استهدفته قطعان الذئاب. اجتمع داخله خوفان، خوفٌ من الذئاب، وخوفٌ آخر من احتمال أن يحاول الراعي إرجاعه. ورغم أن هذا الاحتمال قائم، إلا أنه يظل مجرد افتراض. فهو لا يحمل اسمًا، بل رقم 57، واحدٌ من عددٍ لا بأس به، إلى حدٍّ قد لا يلحظ أحد غيابه أصلًا. ومع ندرة الغذاء والماء في رحلته، وثِقل الصوف الذي يرهقه، ترسّخت داخله ضغوط جعلت أي حركة خارجية تبدو تهديدًا محتملًا، قد تعيده إلى الصورة التي فرّ منها. وهكذا جرت الأحداث كما رُويت.

لكن ثمة تفصيلة لافتة، في لحظة الضعف تلك، تصرّف بطلنا بما لا يعكس سعيه ولا أفكاره، بل بطبعه القديم الذي عاش عليه زمنًا طويلًا. تصرّف بالمعهود، فانضم إلى قطيع. قطيع آخر؛ قطيع لا يعرف فيه أحدًا. لا قوة يدافع بها عن نفسه إن واجه خطرًا، ولا رفيق يسنده، ولم يجد الوقت الكافي للتفكير في ذلك أصلًا. كانت نطحة واحدة كافية لتطرحه أرضًا، وتنتهي القصة بسؤالٍ سؤال بلا إجابة، تمامًا كالإجابة التي كان يبحث عنها.

@Mai_Easa22 @George_Nabelyoun

القطيع كان يبدو ملاذ، لكن سرعان ما تحول إلى اختبار الذوبان في الجماعة لم يعفه من التعريف، بل استدعاه كأن الانتماء لا يُمنح إلا بعد الإجابة عن سؤال الهوية. وهو من انت؟