مَن قال إن الإنسانية تعني حمل أحزان العالم؟

مؤخرا شعرت براحة غريبة حين قررت التوقف عن حمل هموم العالم البعيد. لسنوات كنت أتابع الأخبار، أتألم لما يحدث في أماكن لا أعرفها، وأحاول أن أشارك عاطفيًا في قضايا لا أملك تأثيرًا مباشرًا عليها. كنت أظن أن التعاطف هو واجب إنساني لا يمكن التخلي عنه، لكن التجربة علمتني أن التعاطف المفرط قد يتحول إلى عبء نفسي يستهلك الطاقة دون أن يغير الواقع.

الحقيقة أن طاقتنا محدودة. وعندما نغرق في أحزان لا نستطيع حلها، نفقد القدرة على الاهتمام بحياتنا وبمن حولنا فعليًا. ليست الفكرة أن نصبح بلا مشاعر، بل أن نميز بين ما نستطيع التأثير فيه وما هو خارج حدود قدرتنا. التوقف عن الانغماس العاطفي في كل قضية بعيدة لن يجعلنا قساة، بل أكثر قدرة على العطاء في محيطنا القريب.

لانه بالتاكيد الإنسان غير مطالب بحمل هموم الكون كله، ومن الأفضل الاهتمام بما يستطيع تغييره، المسألة ليست اما تعاطف أو لامبالاة، لكن تعاطف معتدل نفهم حدوده؛ نشعر بالآخرين دون أن نغرق في أحزان لا نستطيع تغييرها، فنحافظ على قدرتنا على العمل والحياة ومساعدة من حولنا فعلًا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قرأت تعليقًا لأحد السياسيين ومن له مدة تتجاوز ال 17 عامًا في الصحافة وتأليف كتب التاريخ، تحدث عن تبعيات قراءة تعليقات السوشال ميديا وحتى الأخبار الإعلامية وتأثير ذلك في العقل، ومنها مثلًا -وهذا أراه حاليًا تحديدًا- الشعور بالخوف من "القادم"، الشعور بالانهزام والإحباط عمومًا وعدم القدرة حتى لعى أداء الوظائف لأننا فجأة نفقد قيمة ما نفعله أو نشعر أن العائد مثلًا من الوظيفة لن يكفينا عند حدوث الكوارث التي نسمع عن وقوعها يوميًا، هذه كلها نتيجة طبيعية للانشغال اليومي بالقراءة عن الكوارث، برغم أن من يعايشها فعليًا قد يتعامل مع أزماته بطريقة أفضل ممن يسمع عنها فقط.

نعم فالتلقي والتفاعل يختلف من شخص لاخر، الفكرة ان بعض الآراء ترجع ذلك أن متابعة الأخبار ليست سببًا مباشرًا للإحباط، لأن التأثير النفسي يرتبط بطريقة تفسير الإنسان للأحداث لا بالأخبار نفسها، فهناك من يقرأ نفس الوقائع دون أن يشعر باليأس. و أن المعرفة قد تكون وسيلة للتعامل مع المخاطر واتخاذ قرارات أفضل بدل الهروب منها، لأن تجاهل الواقع لا يلغي وجود المشكلات.

لكن طالما شعر الانسان في نفسه ان تأثره ومتابعته قد يجعل الخوف يسيطر عليه، خاصة ان الحياة في حد ذاتها اصبحت صعبة، فتكفيه همومه ولن يلومه احد.

الأمر متعلق بتحكمنا في مشاعرنا أيضًا، غصب عننا أحيانا قد نتابع أو نسمع أخبار، إذا لم نمتلك المرونة لإخراج تلك المدخلات التي بالفعل تجعل منا كومة من الأحزان، فسنتأثر بسهولة، أتذكر منذ سنوات كان يومي ينتهي بسهولة نظرًا لتأثري فعليًا بأخبار عابرة حتى من يعنيهم الأمر لا يستطيعون تغيير ذلك، وكنت لا أمارس عملي أو حتى واجباتي الجامعية، ولاحظت ذلك بعدها أخذت قرار بأن اتحكم في ذلك ببعض التمارين لكي اشتت انتباهي عن التفكير في المفرط، كما لاحظت أمر حينما كنت اتعاطف واتأثر دائما كنت أجد من حولي يفضون أحزانهم في نظرًا لقبولي ذلك وعدم وضع حدود أيضًا لمشاعري وطاقتي الاستيعابية

نعم، كنت اتمني ان استطيع تنظيم التأثر بالأخبار بشكل لا يعطل الحياة اليومية، لان التعاطف شيء جميل طبعا، الفكرة من يستطيع فهم ما يحدث دون أن يغرق فيه نفسيًا.

لان التحكم في مشاعرنا تجاه الأخبار والأحداث أمر مهم حتى لا تؤثر علينا بشكل سلبي، و هذا لا يعني أن نتجاهل مشاعرنا أو نتوقف عن متابعة ما يحدث حولنا. الحل الأفضل الذي احاول ان افعله هو أن نتعامل مع هذه المشاعر، ونكون أكثر مرونة في فهم الواقع. لانه ضروري نكون مطلعين علي ما يحدث حولنا لكن دون أن نُرهق أنفسنا، ونستمر في حياتنا اليومية وأعمالنا بشكل طبيعي.

في بداية احداث السابع من اكتوبر كنت قد انقطعت عن متابعة الاخبار لمدة جيدة ولم يكن الامر يهمني في البداية ولكن مع تسارع الاحداث وحديث الجماهير المتزايد عنها في كل مكان وشاشات العرض التى لا تخلو من هذا الاحداث ارغمة على متابعة الاخبار وفي ثنايا هذا اصبت بنوع من الاحباط الشديد وشعور بالانكسار والعجزء وتعطيل نواحي كثير من حياتي لشهور ولولا لنعمة التجاوز ما كنت اظن ان اتجاوز هذا الانكسار ما طال الدهر.

ولكن مع ذلك وبرغم ما احدثه هذا على المستوي النفسي لي غير اني اظن ان ما حدث انقذني من حالية الا مبالاة التى كنت فيها بل و دفعني لاول مرة لان اجلس شهور افكر فيما يمكنني ان افعل لقضايا المسلمين وكيف يمكنني ان اخدمها بما اقدر من إمكانيات وما زال هذا يشغل تفكيري حتى اللحظة والاهم من ذلك اني خرجت من هذا الصدمة مقاطع دائم حتى بعد إنتهاء الحرب وعرفت ان الناس لست بهذا السوء اعلم اشخاص لو ان الماء انقطع من العالم ولم تبقي سواء زجاجات الماء التابعة لعلامات مقاطعة ما شرب منها ولا قربها ابدا.

ثم بعد ذلك تعلمت ان انظر لاخبار من منظور استراتيجي وان انظر للعالم نظرة موسعة وليس مجرد نظري ضيقة ورايت تاثير ذلك علي والحمدلله فبرغم تاثير الحرب علي غير انها غيرتني تماما.

جيد ان متابعة الأحداث دفعتك للتفكير والعمل، لان كثيرين مرّوا بالتجربة نفسها ولم يستطيعوا ان يخرجوا منها بدافع إيجابي، بل اصبحوا بالقلق و العجز بشكل مبالغ فيه اثر على حياتهم، في مثل هذه الحالات يكون الابتعاد عن الأخبار أكثر فائدة من متابعتها.

ليست الفكرة أن نصبح بلا مشاعر، بل أن نميز بين ما نستطيع التأثير فيه وما هو خارج حدود قدرتنا.

فقرة جميلة سيده نهى.

مع ذلك التعاطف كمشاعر بسيطة فعل إنساني، وفي حال تحولت إلى طاقة سلبية شديدة على الإنسان هنا يراجعها.

مقال رائع.

اشكرك جدا استاذ الحسن ، لكن المشكلة فعلا ان المشاعر الإنسانية بطبيعتها معقدة ، واحيانا نظن اننا نتعاطف بشكل طبيعي لكن التأثر العميق يحدث بلا وعي لانه جزء من إنسانيتنا. وهناك طبعا أحداث إنسانية تكون قاسية جدا، والتأثر الشديد بها حينها لا يمكن طبعا اعتباره خللًا يحتاج إلى مراجعة، بل قد يكون استجابة إنسانية طبيعية لما يحدث.

أعتقد أنّ عقولنا مصممة لتتفاعل مع دائرة صغيرة من المحيطين، قرية أو مدينة أو دولة واحدة، لكنها لا تسع أحداث العالم كله. يقول تعالى: "یُرِیدُ اللَّهُ أَنْ یُخَفِّفَ عَنْکُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِیفًا". أعتقد أنّ الآية تشرح نفسها.

الفكرة ان عقولنا صممت للتأقلم والتطور، العقل يستطيع ان يفهم ويدرك مجتمعات واسعة، ويتابع أخبار بعيدة، المشكلة ليست في قدرة العقل، بل تعاطي الانسان عاطفيا معها، هناك اشخاص متابعين يوميين لكل الاحداث العالمية ولا يتأثرون تماما، يعتبرون هذا نوع من الثقافة تقريبا.

هناك اشخاص متابعين يوميين لكل الاحداث العالمية ولا يتأثرون تماما، يعتبرون هذا نوع من الثقافة تقريبا.

هذا بعيد جدًا عن الفطرة، وأنا عندما قلت "مصمم" كنت أقصد الفطرة. ما تتكلمين عنه نهى اسمه الانفصال العاطفي التكيفي. هذا عقل يرى جثة طفل في غزة، ثم ينتقل لتحليل مؤشرات بورصة طوكيو، ثم يطلب البيتزا؛ هذا عقل قام ببتر إنسانيته ليبقى وظيفيًا فقط. المادية تتكلم.

هذا يعني رغدة لو طبقنا كلامكِ على العسكريين أو السياسيين فهم جميعًا لديهم انفصال عاطفي تكيفي وهذا غير صحيح. الكثير منهم يحافظون على إنسانيتهم وقدرتهم على التعاطف رغم طبيعة عملهم التي تتطلب ضبط المشاعر ولديهم حياه خاصه واطفال فلم ينفصلوا عن العالم. اعتقد انها فطرة لكن علينا التدرب على تنميتها فقط

ممكن اعتبارها آلية استطاع الانسان تطويرها لتسمح للإنسان بالعيش دون أن ينهار أمام كل خبر مؤلم يسمعه، ليحاول الحفاظ على توازنه النفسي. لان لو توقف الإنسان عن العمل أو التفكير في شؤونه كلما سمع مأساة في العالم فلن يستطيع القيام بأي دور مفيد أصلًا.