ناقشنا فى الجزء الاول من هذا الموضوع أصل الفلسطينيين ونعود معكم لنستكمل هذا الجزء الثانى من الموضوع
كريت وفلسطين: الروابط المستمرة
استمر التقليد الذي يربط فلسطين بكريت بأشكال مختلفة حتى العصور المتأخرة. فقد سمع "تاكيتوس" بذلك، وخلط في نص شهير بين اليهود والفلسطينيين معتبراً إياهم لاجئين كريتيين. كما نجد اسم ΜΕΙΝΩ (مينوس) على بعض عملات غزة، وكانت هذه المدينة تُسمى أحياناً "مينوا" (Minoa)، وكان إلهها "مارنا" (Marna) يُساوى بـ "زيوس المولود في كريت".
الحضارة المينوية (Minoan Civilization)
لقد كشفت الحفريات في كريت عن حضارة "ما قبل هلنية" مذهلة، كان مركزها وذروتها في جزيرة كريت. وقد قسم السير "آرثر إيفانز" مسار هذه الحضارة إلى ثلاث فترات رئيسية (مبكرة، وسطى، ومتأخرة)، وسماها "المينوية" نسبة إلى الملك الأسطوري "مينوس":
1. المينوية المبكرة (Early Minoan - EM)
EM I: بدأ استخدام الزخارف الملونة على الفخار المقلدة للنقوش القديمة، مع أنماط هندسية بسيطة (مثل الزجزاج). لم يُستخدم دولاب الفخار بعد.
EM II: أصبحت التصاميم أكثر رشاقة وظهرت المنحنيات. أُدخل دولاب الفخار، ووُجدت أصنام بدائية من الرخام والخناجر النحاسية.
EM III: بدأ ظهور الأختام التي تحمل علامات هيروغليفية، ويبدو أنها كانت تقليداً للأختام المصرية.
2. المينوية الوسطى (Middle Minoan - MM)
MM I: قفزة كبيرة للأمام بزخارف فخارية متعددة الألوان ومحاولات لتصوير أشكال طبيعية (ماعز، خنافس).
MM II: فترة قصر "فيستوس" العظيم وقصر "كنوسوس" الأول. اشتهرت بفخار "كاماريس" (Kamáres) الرائع.
(هذا الموضوع تم نسخه ونقله بالكامل عن: موقع أرشيف المعارف https://orthocopit.ucoz.net )
MM III: تميزت بواقعية شديدة في الفن وتطور الكتابة التصويرية (Pictographic) إلى خط هيراطيقي أو مختزل يُكتب بالقلم والحبر. انتهت هذه الفترة حوالي 1600 ق.م.
3. المينوية المتأخرة (Late Minoan - LM)
LM I: استمرار الواقعية وتطورت الكتابة الخطية (Linear script). تنتمي إليها أقدم كنوز الذهب في مقابر "ميسيني".
LM II: بدأت الأشكال الطبيعية تصبح تقليدية (Conventionalized)، وبدأ تدهور الفن. في نهاية هذه الفترة (حوالي 1400 ق.م)، دُمرت "كنوسوس" نتيجة غزو من البر الرئيسي.
LM III: وهو الأسلوب "الميسيني" الذي تلا الغزو مباشرة، وهو أسلوب منحط مقارنة بما سبقه.
أثر الانهيار والهجرات
لقد وجدنا آثاراً وفخاراً "قصرياً" في فلسطين وغيرها، لكن النماذج المبكرة كانت مجرد سلع مستوردة (Exotic) لا تؤثر في الفن المحلي. ولكن مع بداية فترة المينوية المتأخرة الثالثة (LM III) -أي بعد سقوط كنوسوس- بدأنا نجد الثقافة المينوية تضرب جذورها فعلياً في شرق المتوسط مثل قبرص وسواحل سوريا.
إن انتشار هذه الثقافة الكريتية المتدهورة بين عامي 1400 و1200 ق.م كان نتيجة لتحركات الشعوب، والتي كان سقوط "كنوسوس" أحد أحداثها؛ وسواء كان من حملوا هذا الفن لاجئين من كريت أو هم الفاتحون الذين دمروها، فإن النتيجة كانت انتقال هذا الإرث الحضاري إلى السواحل السورية والفلسطينية.
باختصار، كان سقوط كنوسوس وتحطم القوة الكريتية مجرد حلقة — وربما كانت هي الحلقة الحاسمة والمسببة — في اضطراب عام شهده كامل حوض شرق البحر المتوسط بين القرنين الرابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد. كانت العلاقات المتبادلة بين المجتمعات المختلفة متوازنة بدقة تشبه توازن أوروبا الحديثة؛ فأي حركة غير طبيعية في جزء من النظام كانت تؤدي إلى إخلال توازن الكل. كانت مصر تعيش غلياناً داخلياً بفضل شطحات الملك "إخناتون" وانشغالاته، مما جعلها عاجزة عن حماية ممتلكات في الخارج؛ وفي الوقت نفسه كانت قبائل العرب الرحل، مثل "السوتو" (Sutu) و"الخابيرو" (Habiru)، تضغط من الجنوب والشرق على المدن الفلسطينية والسورية؛ بينما كان الكريتيون المطرودون يحتشدون نحو الأراضي المجاورة شمالاً؛ وحالت قوة الحيثيين (الذين كان مقدراً لهم الانهيار أيضاً بعد وقت قصير) دون التوسع شمالاً. ليس من المستغرب إذن أن تنتج اضطرابات متنوعة عن هذا الاحتقان السكاني والجغرافي.
في هذا الوقت من الفوضى، بدأنا نسمع، بشكل غامض في البداية، عن عدد من القوميات الصغيرة — شعوب لم تُنسب قط إلى مكان محدد، بل كانت تظهر تارة هنا وتارة هناك، تقاتل أحياناً مع المصريين وحلفائهم، وأحياناً ضدهم. وما يمنح هذه القبائل الصغيرة أهمية فائقة هو عظمة الأسماء التي تحملها؛ فإشارات الكتبة المصريين المقتضبة والمليئة بالازدراء تسجل لنا "يوم البدايات الصغيرة" لشعوب كان مقدراً لها أن تغير وجه العالم.
أول ظهور: رسائل تل العمارنة
نلتقي بهذه القبائل لأول مرة في رسائل تل العمارنة؛ حيث يشكو ملك "ألاشيا" (قبرص) من أن سواحله تتعرض لغارات من قبل اللوكّو (Lukku)، الذين ينهبون بلدة صغيرة تلو الأخرى سنوياً. كما يشكو "ريب-أدي"، في رسالتين، من أن شخصاً يُدعى "بيخورا" قد أرسل قوماً من "السوتو" إلى بلدته وقتلوا بعض رجال الـ شيردن (Sherdan) — وهم على ما يبدو مرتزقة مصريون في حرس المدينة. وفي رسالة أخرى، يذكر "ريب-أدي" الـ شيردن مجدداً في سياق محاولة لاغتياله. ثم يذكر "أبي-ميلكي" أن "ملك دانونا (Danuna) قد مات، وأصبح أخوه ملكاً مكانه، وأرضه في سلام".
يمكن قراءة الموضوع كاملا من هنا : https://orthocopit.ucoz.net...