الإفراط في التعلق بالعمل أو الهدف قد يقود إلى الإرهاق

لفترة طويلة، كنت أظن أن التعلّق بالعمل علامة صحية. كلما زاد الحماس، زاد العطاء، وكلما طال وقت الإنجاز، شعرت أنني أقترب أكثر مما أريد. كان الإحساس جميلًا في البداية، ومُرضيًا إلى حد كبير.

لكن شيئًا بدأ يتغيّر مع الوقت. لم يعد التوقف مريحًا، وصار الذهن مشغولًا بالعمل حتى في لحظات الراحة. لم يعد الإنجاز مجرد نتيجة، بل أصبح مقياسًا خفيًا للقيمة الذاتية. ومع هذا التحوّل، تسلل التعب بهدوء: تركيز أضعف، متعة أقل، وحدود غير واضحة بين ما أعمله وما أعيشه.

اطّلعت لاحقًا على دراسة في مجال التوازن الوظيفي تشير إلى أن الإرهاق لا يرتبط بكثرة الساعات فقط، بل بغياب الفصل الحقيقي بين الجهد والراحة، وبالارتباط المفرط بالهدف نفسه. هذا المعنى يقترب كثيرًا مما نراه في التجربة اليومية؛ حين يختل الإيقاع، يفقد العمل خفّته، وتصبح الاستمرارية عبئًا صامتًا. التأمل في هذه المساحة بين الحماس والاستنزاف يفتح فهمًا أعمق لعلاقتنا بالعمل، وللطريقة التي نعيش بها إنجازنا لا لنتائجه وحدها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن اغلبنا قد يرى أن هذا امر طبيعي، وأنا شخصيا لا أستطيع التحكم فيه وغالبا ما اتعلق بالعمل بشكل مرضي أحيانا وأبرر أنها ضريبة النجاح وما شابه، لكن المشكلة تكمن اذا حصل أي شيء للعمل ولم يعد موجود لسبب او آخر، فحينها يدخل الشخص في دوامة من الشعور بانعدام القيمة الى درجة انه لا يرى لنفسه أي قيمة بدون عمله وهنا تكمن المشكلة

المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك الاعتقاد الذي يسوقه الإنسان لكي يبرر لنفسه حدوث الخلل في حياته نتيجة اهتمامه وتعلقه المفرط بالعمل، أتفهم أنه في بعض الأحيان نحتاج إلى إعطاء العمل اهتماماً كبيراً ولكن ليس لدرجة أن تتحول حياتك إلى كائن يعمل (يمتهن وظيفة) فقط، ولما قد تكون تلك ضريبة للنجاح؟ إن الضريبة الحقيقة (المقابل الحقيقي) للنجاح هي المجهود الذي يتم بذله في حدود التوازن لا في الإفراط، لأن النجاح يكمن في الاتزان بين جوانب الحياة المختلفة وليس في جانب واحد فقط، فلا يقال لمن تولى أعلى المناصب في العمل بينما اهمل صحته أو فشل في دعم أسرته أنه ناجح، بل يحتاج إلى إعادة ترتيب الأمور والنظر إلى العمل على أنه جزء فقط وليس كل الحياة.

واحدة من أخطر الأكاذيب التي نقنع بها أنفسنا هي أن النجاح يستحق أن نضحي بكل شيء مقابله. العمل مهم والطموح مشروع لكن حين يتحول الإنسان إلى آلة إنتاج يفقد إنسانيته بالتدريج. فما قيمة منصب مرموق إذا كان صاحبه منهك صحيا وغائب عاطفيا عن أسرته وفارغ من الداخل؟ النجاح الحقيقي ليس في الارتفاع المهني وحده بل في القدرة على العيش بسلام مع النفس ومع من نحب

أصبت لُبَّ الحقيقة 👏

هذه هي طبيعة النجاح وهو له ضريبة يجب أن ندفعها حتى نصل إليه، ضريبة من راحتنا ومن وقتنا ومن مجهود عقلنا، كثير من النجاحات تتطلب تضحيات ولولا أن النجاح له ثمن من التضحية لنجح الجميع، لكن أحياناً على قدر النجاح يكون مقدار التضحية.

لكن مافائدة هذا النجاح اذا خسر الانسان علاقاته أو تأثرت صحته البدنية أو النفسية بسبب تضحياته تلك؟

سأجيبك بسؤال من نفس المنظور، ما فائدة علاقات الإنسان وراحته النفسية والجسدية وهو لا يستطيع أن يكفي مصاريفه الشهرية؟

يوازن بين ذلك وذاك، فيمكنه ان يكفي مصاريفه الشهرية ويحيا حياة كريمة دون أن يكون "ترس في مكنة" وخلاص تحت مسمى الوصول للنجاح دون أي اعتبار أنه إنسان له نفس وروح وأهل وحياة أخرى غير العمل.

وهل لا يستطيع الإنسان تطوير مهاراته أو السعي إلى عمل بمقابل افضل أو تعلم مهارة إضافية لتحسين الدخل دون أن يتحول العمل إلى كامل حياته ولُبَّ اهتمامه؟

ولما قد يكون المزيد والمزيد من العمل والساعات مؤدياً إلى النجاح؟ فإنه في أغلب الأحيان، بل حتماً سيوصل صاحبه الى الاحتراق الوظيفي وإهدار مخزونه من الطاقة. إنه - في وجهة نظري - لا يصل الإنسان إلى النجاح الحقيقي إلا عند وضع الاشياء موضعها الصحيح وقدرها المناسب لا بالمغالاة والافراط، حينها يحدث اتزان بهم جوانب الحياة وليس نجاح جزئي فقط.

النظام الرأسمالي يحتم ذلك، لو عمل موظف بوظيفة واحدة مريحة حيث يتفرغ باقي يومه للممارسة النشاطات فهو من القلة المحظوظة، لكن لو أراد أن يحسن وضعه أو يصل للاستقلال المالي سيتعين عليه أن ينشئ مشروعه الخاص ويراقب حساباته ويدرب موظفيه ويتابعهم ويديرهم وهذا أمر مرهق جداً.

ما قصدته هنا، هو أن انجراف الإنسان نحو العمل وفرط تعلقه به نتيجة الحماس وحب الانجاز والسعي للترقي السريع أو غيره من العوائد النفسية أو حتى المالية المفرطة، هو نفسه ما سيتحول إلى عبء العمل لاحقاً من احتراق نفسي وتدني الإنتاجية.

واتفق مع ما طرحت، فالرأسمالية تلعب دوراً لا شك، ولكن حتى قبل أن تلعب دوراً في دفع الإنسان للمزيد من العمل فإنها تؤثر في توقعاته والمقارنات المستمرة وتشعره بالنقص في حال عدم الوصول إلى مستوى اجتماعي معين قد يكون في غنى عنه ولا يدفعه ذلك العناء إلا شعور نفسي فقط، فلا يكون العمل لساعات مرهقة ناتج عن الاحتياج الفعلي، ولكن لإشباع شعور نفسي مُلح لكنه غير ضروري.

اري المشكلة ليست في الشغف نفسه، بل في غياب الهدف والمعنى لما نفعله. ممكن نكون نعمل لساعات طويلة، لكننا نشعر بالرضا والانسجام إذا كان العمل يعكس قيمتنا ويخدم ما نؤمن به أما إذا فقد العمل معناه، فتتحول كل ساعة إلى عبء.

اتفق تماما أنه لابد أن يعمل الإنسان في يتوافق ويعكس قيمته الحقيقية، ولكن حتى إن كان كذلك فإن المغالاة والافراط بذلك العمل دون وعي بالاتزان الحياتي يقود بالانسان - لا محالة - إلى أن يسئم من ذلك العمل ويخترق وظيفياً.